بين شرم الشيخ ومدينة الأشباح... إرهاب وأزمة هوية

فيكي حبيب |

لا تشبه مدينة شرم الشيخ نفسها في فيلم «الحلم البعيد» الذي منحها دور البطولة في محاولة لرصد ما يعيشه الشباب المصري من ازداوجية وأزمة هوية في رحلة بحثه عن الحياة الرغيدة والكسب السريع.


فالمدينة النابضة بالحياة والزاهية بألوان قوس القزح، كما تنطبع صورتها في أذهان من قصدها ومن لم يقصدها، استحالت في «الحلم البعيد» مدينة أشباح لا طعم أو لون لها بعد تعرّضها لسلسلة هجمات إرهابية منذ عام 2015، أدت الى مقتل المئات، فهجرها قاصدوها من عرب وأجانب خوفاً على أمنهم الشخصي، وباتت فنادقها شبه خالية، هي التي كانت تعجّ بالزوار والباحثين عن الرفاهية والمتعة والاستجمام.

السياحة إذاً معطلة، وحياة العمال فيها معطلة أيضاً. أو هذا على الأقل ما نقلته كاميرا المخرج المصري مروان عمارة والألمانية يوهانا دومكه في فيلم «الحلم البعيد» الذي شهد عرضه العالمي الأول في الدورة الأخيرة من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عن فئة الأفلام الوثائقية.

يقول الثنائي في موقع المهرجان: «فيلم «الحلم البعيد» يسلط الضوء على شباب ينتمون إلى جزء من هذا العالم بدأوا حديثاً طرح الأسئلة حول خياراتهم المحدودة في الحياة. ففي مواجهة التطورات السياسية الحالية في الشرق الأوسط وتداعياتها على العالم أجمع، يقدم «الحلم البعيد» لقطة مصغرة النطاق حول اللقاء بين الشباب العرب والثقافة الغربية». ويضيفان: «شرم الشيخ ترسم صورة غريبة عن هذا اللقاء، إذ تقدم صورة كاريكاتورية عن عادات الثقافتين. صحيح هي تقدم رؤى، لكنها أيضاً تسأل عن المسؤولية».

لقاء الحضارات

ومع الحديث عن لقاء الحضارات، لا يعود غريباً أن تتصدر أزمة الهوية واجهة الفيلم من خلال سبع شخصيات، ستلاحقهم عدسة الكاميرا، لتنقل تخبطهم بين بيئة محافظة وفدوا منها، وبيئة مفتوحة على ثقافات العالم وفدوا إليها. بيئة تلفظهم خارجاً بمحدودية أفقها وبيئة تجذبهم إليها بمغرياتها. بيئة ينتمون إليها بكل جوارحهم وبيئة تكاد لا تشبههم في شيء. بيئة تغرقهم في وحول من العوز وبيئة تنتشلهم من أتون الفقر... وبهذا، تصبح شرم الشيخ نموذج «الحلم الأميركي» الضائع عند شباب الألفية الجديدة في مصر. شباب يحلم بمستقبل أفضل يبعد منه شبح الحرمان الذي يتخبط فيه بعد إغراقه في أزمات لا تنتهي. شباب يريد أن يعيش ميسور الحال، مطمئن البال. شباب يلهث خلف السعادة غير عابئ بالضريبة التي قد يدفعها في طريقه إلى تحقيق ما يشتهيه.

سبعة شبان إذاً، ستسجل الكاميرا يومياتهم في منتجع لا ينتمون إليه، ومع هذا فإن الخروج منه والعودة الى حياتهم القديمة، يبدوان شبه مستحيلين. هم عمال في أحد الفنادق الفاخرة، قصدوا شرم الشيخ سعياً وراء لقمة العيش، لما تمثله هذه المدينة من طوق نجاة لكثر ممن ضاقت بهم الحياة في القاهرة وضواحيها، لكن الأحداث السياسية الأخيرة، وتبعات «الربيع العربي»، بدّلت حالها. ولم يعد المكان الذي يدرّ ذهباً موطئ قدم لأصحاب البلايين، ما ترك آثاره على العمال من الشباب الحالم بتغيير أحواله. من «حورية» عاملة النظافة المتمسكة بالتقاليد، إلى «شيماء» فتاة الاستعراض المنتفضة على واقعها، مروراً بـ «تاكي» الـ «دي جي» و»حسام» السائق و»علاء» المدلك و «رامي» الرجل التمثال و «يسرا» العاملة في مركز للغطس.

أربعة شباب وثلاث فتيات يبوحون لكاميرا «الحلم البعيد» بأحلامهم بعيدة المنال، بالاتكاء على أسلوب سينمائي، يصفه القائمون على العمل بأنه «مشبع بعناصر روائية سوريالية، بحيث يأخذنا الوثائقي الى مدينة أشباح براقة لزيارة آخر السكان الموجودين فيها: عمال المنتجع الذين ما زالوا يحلمون بين أجنحة الفندق المهجورة».

وهذا كله بأسلوب يجعل من «الحلم البعيد» فيلماً نصف وثائقي/ نصف روائي، بخاصة أنه مقسم هندسياً على إيقاع «جلسات اعتراف» يبوح فيها أبطال الفيلم، مثلاً، بما يؤرقهم في الصحراء القاحلة. كما نراهم، يسيرون خلف دمية على هيئة قرد في شوارع المدينة الخالية من ناسها. يتحدثون إليها وتطرح عليهم الأسئلة. وفي هذه «الجلسات» تحديداً، يبرز الوجه الآخر لكل واحدة من الشخصيات. الوجه الذي تخفيه في العادة. فنرى، مثلاً، «حورية» عاملة النظافة، بثياب عصرية، هي المحافظة في حياتها اليومية.

رحلة وجودية

ووسط انشغاله بتقديم رحلة وجودية لأبطاله بحثاً عن الذات، لا ينسى الفيلم تسليط الضوء على التمييز الجندري الذي تعيشه المجتمعات الشرقية. ويبرز هذا التمييز في حوار بين إحدى الشخصيات و»شيماء» فتاة الاستعراض التي تقدم عروضاً راقصة امام المسبح، حين يقول لها زميلها في المنتجع ما معناه إن بشرتها السمراء تجذب إليها السياح، نظراً لندرة الفتيات بنات البلد في شرم الشيخ مقارنة بالفتيات الأجنبيات. فإذا كان واضحاً في الفيلم ان عمل الشباب المصري في شرم الشيخ عادياً، فإن عمل الفتيات المصريات هناك يطرح علامات استفهام عند أصحاب التفكير التقليدي، فيُنظر إلى لفتاة نظرة قد تختلف باختلاف المستوى الطبقي والعلمي.

«الحلم البعيد» فيلم آخر يُضاف الى سلسلة الأفلام المصرية التي دنت من «الربيع العربي» وان في شكل غير مباشر. فهو وان اهتم بشخوصه وأحلامهم الضائعة أكثر من اهتمامه بالسياسة الراهنة، جعل مدينة شرم الشيخ البطل الرئيس لأحداثه في زمن كبّدها الإرهاب خسائر كبيرة، ما يدفع المتلقي إلى طرح الأسئلة حول الضريبة التي دفعتها مدينة الأحلام إذ تحوّلت إلى مدينة أشباح.