جنيفر فوكس في فيلم «الحكاية» تؤكد اعترافها: «أنا أيضاً»!

من أجواء الفيلم (الحياة)
القاهرة - شريف صالح |

شهد العام الماضي انتشار وسم «أنا أيضاً» على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي لغات مختلفة منها العربية. الوسم انتشر في 85 دولة وقدم رسالة نسوية مزدوجة، فمن ناحية تعترف المرأة الضحية بالتحرش متجاوزة الخوف والشعور بالذنب. ومن ناحية أخرى تفضح الجاني.


ملايين النساء شاركن في الحملة، ما دفع مجلة «تايم» لاختيار «كاسرات الصمت» كشخصية العام 2017.

وعلى رغم أن الوسم انطلق على خلفية اتهام المنتج الأميركي هارفي وينشتاين بالتحرش بأكثر من 80 امرأة، فإنه فتح القوس لفضح العشرات بل المئات من أمثال «هارفي وينشتاين». وانعكس الأمر على مجموعة كبيرة من الأفلام التي اشتبكت مع قضية التحرش والاعتداء على الأطفال كما في فيلم «مجنونة» لسودربيرغ. وإن كانت السينما ليست بعيدة من تلك القصص المظلمة التي ألقت بظلالها سابقاً على عشرات الأفلام.

ربما تكون النقلة التي أحدثها «الوسم» تمثلت في استبدال المعالجة من منظور موضوعي كقضية عامة، إلى منظور ذاتي قائم على اعتراف الضحية. كأن السينما قررت منح شاشتها لضمير «الأنا» لدى كاسرات الصمت.

اعتراف مؤلم

وفي هذا الإطار اختارت جنيفر فوكس أن تكتب وتُخرج اعترافها وتوثقه بصرياً في شريطها «الحكاية»، وبذلك تضمن له ألا يكون مجرد بضعة أسطر في وسم سينتهي إلى الزوال.

ولاشك في أن كتابة وإخراج هذا الاعتراف على امتداد ساعتين، يتطلب شجاعة مضاعفة، لأنها ببساطة ستضطر لمعايشة تجربة مؤلمة طيلة أشهر الكتابة والتصوير. ومن هنا كان لافتاً أن تحرص على أن تحمل البطلة ـ لورا ديرن ـ اسمها «جنيفر» مع تمويه بقية أسماء الشخصيات.

«جنيفر» في الفيلم صبية صغيرة كانت تتدرب على ركوب الخيل لدى الثنائي السيدة «جي» (إليزابيث ديبيكي) وصديقها «بيل» (جيسون ريتر). لكن القصة لا تبدأ من هنا، بل من لحظة النهاية عندما تعثر الأم (المخضرمة إلين بيرستن) على «دفتر مذكرات» ابنتها عندما كانت مراهقة، وتُصدم بما فيه، وتتعمد تسليمه إلى الابنة التي تقترب من سن الخمسين.

مفتاح الذاكرة

أتى «الدفتر» إذاً، مفتاح الولوج إلى ذاكرة «جيني» التي تقوم بعملية بناء للأحداث كما عاشتها. لكنه بناء لا يخلو من خداع. فعندما تتصور أنها أقامت علاقة مع مدربها وهي في الرابعة عشرة، وتمر لقطات بداية العلاقة، باعتبارها أمراً «مقبولًا» بمنطق سبعينات القرن الماضي، تقوم أمها بتصحيح عمرها بأنها كانت في الثالثة عشرة، فتعود لتذكر المشاهد ذاتها من منظور صبية أصغر سناً.

تفصيلة بسيطة لكنها مهمة للإشارة إلى ما يمارسه البشر من خداع للذات، وتعقيدات الذاكرة في استدعاء لحظات، والتعمية على لحظات أخرى. حتى الجسد نفسه لا يتذكر كل شيء، بل يتورط في لعبة الخداع.

«الدفتر» يمثل صدمة مزدوجة للأم والابنة، فبالنسبة إلى الأولى يفضح عدم إدراك الآباء والأمهات أسوأ الخبرات التي يمر بها أطفالهم والتي تشكل حياتهم في ما بعد، وتصبح ماضياً يطاردهم. وبالنسبة للإبنة صدمة اكتشاف لقصة دمجتها في داخلها بطريقة مغايرة لحقيقتها.

مع ذلك، يتباين موقف الإثنتين من «الدفتر»، فالأولى اعتبرته دليلاً على تعرّض طفلتها لأبشع صور استغلال الأطفال، وتسعى لإثبات قضية اعتداء. أما الصبية التي خُدعت بلطف مدربها وصديقته، فرأت فيهما فرصة للانعتاق من كآبة حياتها السرية، ودونت الحكاية باعتبارها قصتها العاطفية الأولى!

هل للأمر علاقة بآلية «الإنكار» التي تلجأ إليها الضحية لعدم تصديق صدمة ما، أو تجنب الاعتراف بحقيقة مؤلمة لن تتحملها الذات؟

ترتيب الوقائع

لم تكتف جيني بدفترها القديم، بل قررت مواجهة الماضي وشخصياته، في رحلة استقصائية للقاء زملائها الصغار في التدريب، وكذلك المدرب - الحبيب الأول - وصديقته القديمة.

وهنا استفادت فوكس في كتابة الفيلم وإخراجه من خبرتها في السينما الوثائقية. والبطلة بالفعل لا تحمل قصتها واسمها فقط بل أيضاً مهنتها كمصورة أفلام تسجيلية، حيث تظهر في المشهد الأول داخل السيارة مع كاميرا محمولة وهي تصور اضطرابات في الهند.

ولعل إشراك الآخرين في سرد الوقائع يمثل محاولة لرسم صورة دقيقة بعيدة من خداع الذات، وتجميع أدق تفاصيل القصة. على طريقة الكتاب المولعين ببناء الذاكرة وكشف مناطق الغموض والالتباس في الحكاية، كما فعل باتريك موديانو الحائز نوبل في روايته «شارع الحوانيت المعتمة».

وفي المقطع الأول، ومع تكرار بعض المشاهد من دون تغيير يذكر، يبدو كأن ثمة ارتباكاً في خيوط الحكاية التي لم تشق مسارها بعد.

فعل التذكر لا يستعيد الوقائع كما جرت، بل فقط يشير إليها، مموهة أو مليئة بفجوات يصعب ملؤها. لذلك إلى جانب العودة إلى سطور الدفتر، وشهادات شركاء الوقائع، قامت المخرجة بعملية «كسر الإيهام» أو إسقاط الحائط الرابع حيث جمعت في مشاهد كثيرة بين «جيني» الصبية، و «جيني» المرأة الناضجة، لتبادل الحوار والأسئلة حول حقيقة ما جرى.

وهكذا سار المنطق السردي بالتضفير بين زمنين: زمن الصبية المستعاد، وزمن المرأة الناضجة، في تشبيكات تتسم بالتجاور والتوازي، والدمج أحياناً.

وهي لعبة أخرجت الفيلم من جفاف الحس التوثيقي، إلى حالة تعبيرية تدفع المتلقي إلى التفاعل والتأمل. وأيضاً تعمدت المخرجة تجسيد أكثر من مشهد حميم بين الصبية ومدربها، لإحداث أكبر صدمة في الجمهور، وإثارة تقززهم، وتحريضهم ضد مثل هذه السلوكات. وبالطبع تمت الاستعانة بممثلة بالغة لأداء تلك المشاهد.

ألم المواجهة

إن الأمر ليس سهلاً على الإطلاق، مثلما تساءلت جيني: «لماذا لا أستطيع أن أتذكر نفسي؟!» فإجمالاً يتسم الشريط بالهدوء والتأني، وتتبع ما يعتمل داخل وعي البطلة، لكنه هدوء خادع، ففي العمق مواجهات لا تنتهي، بينها وبين ذاتها القديمة، ومع أمها ومع صديقها الحالي، إضافة إلى شخصيات الماضي.

لكن النهاية قد تبدو مخيبة لآمال الكثيرين، فعندما يتطور وعي «جيني» وتدرك أنها تعرضت لعملية استغلال بشعة، بطريقة ناعمة وملتوية، وبالتواطؤ بين المدرب وصديقته «السيدة جي»... تنفذ أخيراً طلب أمها بمواجهة «بيل» الذي بات عجوزاً مشهورًا، فتذهب إليه في حفلة بين أصدقائه وأسرته وتدير حواراً شجاعاً وفاضحاً لما ارتكبه. ووسط ذهول الآخرين تسألهم متهكمة: «ماذا؟! لا أحد آخر تم تدريبه من قبل بيل؟!» إشارة أخرى ذكية على تواطؤ المجتمع لإخفاء ذلك النوع من الجرائم، التي ربما طاولت عشرات الفتيات اللواتي آثرن الصمت.

كما تستدعي بالتأكيد قضية طبيب فريق الجمباز الأميركي لاري نصار المتهم بالتحرش بأكثر من 89 فتاة وامرأة.

لكن المعضلة أن المواجهة لم تتطور إلى محاكمة، على رغم ما تملكه الضحية من أدلة، وهو أمر كان سيروق لمعظم المشاهدين لتأكيد معنى الانتقام والعدالة، وعدم الاكتفاء بالفضح والتجريص.

اختارت فوكس حلاً أنثوياً معبراً أكثر عن قناعتها، فاكتفت بأن تابعت الكاميرا بطلتها وهي تبكي وتضحك وحيدة في دورة المياه، ثم تجلس منهارة بجوار ذاتها «الصبية» التي تعاود سرد الحكاية من أولها.

كأنه لا فكاك من ألم حكاية، وألم خديعة... كانت جزءاً منها في يوم من الأيام... هذا الألم لن يعوضه أبداً سجن ذئب عجوز.