«الدرة الثمينة في أخبار الرحلة إلى مكة والمدينة» لعبدالمحمود الحفيان

صالح محروس محمد |

«الدرة الثمينة في أخبار الرحلة إلى مكة والمدينة» للشيخ عبدالمحمود الحفيان، من المخطوطات المهمة التي حكى فيها مؤلفها قصة حجه إلى بيت الله الحرام وزيارته المدينة المنورة. يصف المخطوط الروحانيات العظيمة في الرحلة المقدسة، وطريق الحج من قرية أم طريفي في السودان حتى مكة المكرمة ثم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والشيخ عبدالمحمود بن الشيخ نور الدائم الحفيان، الملقب بالأستاذ، ولد في قرية أم طريفي عام 1260 هـ، وأتم حفظ القرآن علي يد أخيه القرشي وهو في الحادية عشرة من عمره بعد وفاة والده، وتعلم التصوف على يد الشيخ أحمد الطيب.


ويقول في مخطوطته إنه خرج إلى حج بيت الله الحرام في يوم الخميس الرابع من ذي القعدة سنة 1324 هـ، ويحكى أنه اصطحبه في هذه الرحلة عدد كبير من الحجاج وودعهم أهل القرية بزفة الحجيج. ويحكي عن ترحيب وكرم القرى التى مرت بها قافلته مثل قرية الولي وقريتي ولد بترو وولد الماجدي. ويذكر مقابلته الحاكم العام للخرطوم، ثم تحركه إلى سواكن حيث نزل عند الشيخ محمد الطاهر بن محمد كشنه. وجاء وصف سواكن باعتبارها «مدينة واسعة يغلب على أهلها حب الدنيا والتلهي وبها ثلاثة جوامع: جامع العارف بالله الشيخ محمد المجذوب وجامع السادة المراغنة ومسجد الشناوي بيك». ثم يصف رحلته من سواكن إلى بورتسودان التي كانت تسمى «الشيخ برغوث»، كما يقول، متجهاً إلى جدة. ويقول: «بعد ركوبنا الوابور استغرقت الرحلة في البحر ثماني عشر ساعة. سارت بنا السفينة إلى الكرنتينة وهي محل على جزيرة لتبخير الحجاج بواسطة عساكر من رجال الدولة العثمانية». وفي جدة نزل الشيخ الحفيان ومرافقوه من الحجاج في وقف السيد أحمد بن إدريس.

ويصف الحفيان جدة بـ «مدينة مزدحمة، بها أصناف متعددة وأجناس مختلفة لا يعلم مداهم إلا الله تعالى، والغالب عليهم البيع والشراء وفيها خمسة جوامع: الشافعي والحنفي والمعمار وعكاشه والباشا، وفيها ما يزيد على عشرين زاوية منها المنسوب لسيدي الشيخ مصطفى البكري، ومنها ما هو منسوب للشيخ محمد السمان والشاذلي والسنوسي وابن إدريس الفاسي». وعن شوارع جدة يقول: «فيها أربع حارات: حارة اليمن وحارة البحر وحارة الشام وحارة المظلوم».

ويقول: «أحرمنا بالحج في البحر بمحاذاة الجحفة»، ثم يصف الطريق من جدة إلى مكة المكرمة بأنه «كثير الماء والطعام بجهود العساكر الموجودة هناك (جنود الدولة العثمانية) حيث كانت قد توفرت بها الحانات التي بها القهوة والطعام، والبعض يبيع والآخر يبتغي الأجر والثواب من الله». ويضيف: «وصلنا مكة المكرمة وكان في استقبالنا حمَام الحرم». وأعجب الشيخ الحفيان بحمام الحرم وقال فيه شعراً : «أيا حمام الحرم المشهور/ قد جئنا بكامل السرور/ وما أتيت إلا بأمور/ مُصلحة للنفس والضمير». ويقول: «اغتسلنا وتوجهنا للدخول إلى البيت الحرام (الكعبة المشرفة) من باب شيبة (باب السلام) وكان يعرف من قبل بباب عبد شمس وعبد مناف». ويستحضر الخشوع في قلبه والخضوع في جوارحه عند رؤيته الكعبة المشرفة للمرة الأولى، لأن رؤية البيت الحرام تذكر برب البيت. ويقول: «ولا يركع الحاج تحية المسجد بل تحية البيت الحرام».

ويضيف: «حين وقع بصري على هذا البيت العظيم دخلت هيبته في قلبي وسري حبه في كلي ولبي». ثم يحكي قصة أدائه مناسك الحج والخروج إلى منى يوم الثامن من ذي الحجة للمبيت بها، ثم التوجه إلى عرفه ثم المبيت في مزدلفة، ثم رمي الجمرات والذبح والحلق أو التقصير في يوم العاشر (يوم العيد)، ثم المبيت في منى ثلاث ليال أو ليلتين لمَن تعجّل.

ويحكي أنه أتى بعمرة بعد الحج وأحرم من التنعيم ثم طاف مودعاً وخرج من باب بني سهم (باب العمرة )، ثم يفصل قصة زيارته لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «خرجنا من جدة إلى رابغ ومنها للمدينة المنورة».

ويضيف: «توقف بنا السنبوك في البحر لانقطاع الرياح فتضرعنا لله بالدعاء، وبعد خروجنا من البحر جاءت الجمال وحملتنا نحو المدينة المنورة في السادس عشر من محرم 1325هـ. دخلنا المدينة من الطريق الشرقي واستقبلنا الشيخ محمد حسن السمان وأنزلنا في زاوية السمان». ثم يحكى قصة دخوله المسجد النبوي الشريف: «بعد أن توضأت صليت ركعتي تحية المسجد في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروضة الشريفة. ودعوت (إن هذا حرم رسولك صلي الله عليه وسلم الذي حرمته على لسانه ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة، كما في مكة البلد الحرام فحرمني على النار وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك، وارزقني حسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات. ثم سلمت على الحبيب ثم أبي بكر وعمر وكانت العساكر السلطانية قد تولت تأميننا».