المجال الديني... المفهوم وتجلّياته

(الحياة)
محمد حلمي عبدالوهاب |

يُقصد بالمجال، أو الحقل، الديني - في فهمنا الخاص - «مُجمل الرُّؤى والأفكار، والنشاطات والممارسات، وكذلك الهيئات والمؤسَّسات، التي تنتمي إلى «الدّين» مُباشرة: نشأةً ومصدراً، سيرورةً ومآلاً، وتؤثِّر في شكل عام في مُجريات الحياة السّياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، للأفراد والجماعات على حد سواء، ليس فقط على مستوى الحياة الدُّنيا، وإنّما أيضاً في ما يتعلّق بصياغة الرُّؤى والتصوّرات الميتافيزيقية الخاصّة بالعالم الآخر». وبالتالي، فإنَّ مفهوم «إصلاح المجال الدِّيني» يشمل ضرورة كلاًّ من: الجوانب الفكرية والثقافية، والجوانب السُّلوكية والممارسات التعبُّدية [التدين]، وكذلك الجوانب المؤسَّساتية وما يرتبط بها من وضعية «الرُّموز الدِّينية» في المجال العام، والجوانب المتعلقة أيضاً بمواقف «المجتمع الدّيني» من القضايا العامَّة. فالخطاب الديني المعبر عن هذا الاتجاه يتضمّن شبكة من المجالات: التعليمية، الدعوية، والإعلامية، وهذا الخطاب الذي تتعالى الصيحات بضرورة تجديده يتشابك في مفاصل الحياة بحيث يتعذّر فصله عن مناحيها المختلفة.


والواقع أنَّ محاولات تجديد وإصلاح مؤسَّسات المجال الديني في شكل خاص، قوبلت بالعديد من صيحات الرفض والتعطيل لمساراتها من جانب القوى المحافظة في المؤسّسات الدّينية التقليدية، بخاصة الأزهر والقيروان والزيتونة، كما أنَّ التذرُّع بضرورة اقتصار النّقد على رجال/ رموز المؤسَّسات الدّينية من جانب البعض أفضى في نهاية الأمر إلى تعطيل النقد جملة وتفصيلاً، فضلاً عن حاجة المؤسَّسات الدّينية إلى خبرات ورؤى فكرية مختلفة من خارج «الحقل الدّيني».

ووفق البعض، فإنَّ الإسلام المعاصر لم يرفع حتَّى الآن تحدّي عوائقه الثلاثة التي شخّصها إرنست رينان Renan في القرن التاسع عشر، وهي: احتقار العلم الوضعي Le dédain de la science، ورفض البحث العقلاني la négation de la recherche rationnel في نصوصه بما هي كلام الله المنزّه عن المساءلة العلمية، وفي رموزه بما هم فوق البحث والمساءلة، والخلط بين الروحي والزمني La confusion entre le spirituel et le temporel. وهي عوائق دينية وذهنية ونفسية تحالفت وفق كثيرين على كبت الإبداع الدّيني والسّياسي والاقتصادي والعلمي والأدبي والفني.

أما في ما يخص النصوص التَّأسيسية للإصلاح والتّجديد من منظور ديني، فيمكننا أن نقف على مجموعة من النُّصوص التي توضّح، في شكل ما، طبيعة الإصلاح أو التجديد في فهم الدّين، ومسؤولية هذا الصّنف أو ذاك عن التجديد. وأول ما يقابلنا في هذا الإطار قوله تعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.[التوبة: 122]

يقول محمَّد رشيد رضا في تفسيره الآية: «هذه الآية من تتمَّة أحكام الجهاد بالقتال، مع زيادة حكم طلب العلم والتفقُّه في الدّين، وهو آلة الجهاد بالحجَّة والبُرهان، الذي عليه مدار الدَّعوة إلى الإيمان، وإقامة دعائم الإسلام... «لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، أي ليتأتّى لهم التَّفقُّه في الدِّين بأنْ يتكلَّف الباقون في المدينة الفقاهة في الدّين بما يتجدَّد نزوله على الرَّسول من الآيات، وما يجري عليه من بيانها بالقول والعمل، فيُعْرف الحكم مع حكمته، ويُفصَّل العلم المجمل بالعمل به».

ثم يقول بعد ذلك: «والآية تدلُّ على وجوب تعميم العلم والتَّفقُّه في الدّين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه النَّاس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هُداةً لغيرهم، وأنَّ المتخصّصين لهذا التَّفقُّه بهذه النّية، لا يقلُّون في الدَّرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنَّفس لإعلاء كلمة الله والدّفاع عن الملَّة والأمَّة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدّفاع فرضاً عينياً... وما قاله بعضُ الأصوليين من دلالة الآية على الاحتجاج بخبر الواحد متكلف بعيد من معنى النظم الكريم، ومبنيٌّ على أن لفظ طائفة يُطلق على الواحد كما قيل، وهو باطل».

وفي الحديث الشَّريف: «إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دينَها». وقد قيل في شرح هذا الحديث: «إنَّ المراد من الأمَّة فيه: أُمَّة الإجابة، وهم المسلمون. ويجوزُ أنَّ يُراد [بها] أمَّة الدَّعوة، وإرادةُ هذا ظاهِرةٌ على الأساس الذي يُفْهَمُ منه التَّجديد في الإسلام، لأنَّه يراد منه: النُّهوض الدّيني والمدني، وهو يتعدَّى من المسلمين إلى مَنْ يُعاصرهم، كما في قيام النَّهضة الأوروبية بتأثير النَّهضة الإسلامية».

وتبعاً للفهم العام لمضمون هذا الحديث، ارتهنتْ عملية التَّجديد في فهْم الدّين – في ما يتعلق بالمستوى الإجرائي - بفرد يبعثه الله على رأس كلِّ مئة عام، وتنازع العلماءُ – في ما بينهم – حول تحديد هويَّة المجدّدين في القرون الغابرة، بل اختلفوا في تحديد المقصود بجملة: «رأْس كلّ مئة سنة»، هل المقصود بها: أوّل السَّنَة، أم آخرها؟ّ فقال قوم: بأنَّ المقصود بها آخرها «وقد اعتُرض على هذا بأنَّ رأس السَّنَة – من حيث اللغة – أوّلها لا آخرها. وأُجيبَ بأنَّه جاء في اللغة: رأسُ الشَّيء، بمعْنى آخره. قال في تاج العروس: رأسُ الشَّيء طرفُه، وقيل آخره. وقيل: إنَّ البعْث – وهو الإرسال– إنَّما يكون على رأس القرن بمعنى أوله... واختُلف أيضاً: هل مَنْ يُبعَث في المئة يكونُ واحداً أو أكثر؟ فقيل: إنَّه لا يكون إلا واحداً، لأنَّه جاء في بعض روايات الحديث التَّصريح بأنَّ اللَّه يبعث على رأس كلِّ مئةٍ رجُلاً [مما يستثني الكثرة، والمرأة]، وقيل: إنَّه قد يكون أكثر من واحد، لأنَّ لفظ «مَنْ» يُطلق على الواحد وغيره، وقد اختار هذا ابنُ حجر، لأنَّ اجتماع الصّفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوعٍ من أنواع الخير، ولا يلزم أنَّ جميع خصال الخير كلّها [تجتمع] في شخص واحد».

وفي الأخير، لقد أدَّى هذا الفهم – بالإضافة إلى غلق باب الاجتهاد – إلى تكلُّس الإصلاح والتَّجديد، وارتهانه بفرد واحد يكون في مثابة «المخلِّص»، «المبْتعَثْ» من قِبَل السَّماء! والواقع أنَّ التَّجديد في الدُّنيا والدِّين إنَّما هو عملية «تراكميَّة» من جهة، يبني فيها اللاحق على السَّابق، كما أنه مهمَّة شاقة ومتجدّدة من جهة أخرى، بحيث يصعُب على شخص واحد – أو حتَّى جماعة/فرقة/طائفة/مؤسَّسة واحدة – أنْ تنهض بأعبائها.

وفي الأحوال كلّها، فإنَّ ألفاظاً من مثل: الإصلاح، والنُّهوض، والتَّجديد لا تعبِّر – في رأي شارل سان برو – «عن ثورةٍ أو تغييرٍ، بل على النَّقيض تعبِّر عن بذْل الجهْد من أجل الاستمرار مُنفصِلاً عن العيوب، والجمُود، والتَّفسيرات الخاطئة. فلا يعني التُّراث التَّحجُّر كما لا يعني التقدُّمُ الحداثةَ، ولا يُعبِّر التُّراثُ عن الجمود».

من جـــهة أخرى، تعود المقولة الشَّهيرة: «إصلاحُ الإسلام يعْني: نهايةَ الإسلام»، إلى اللورد كرومر، القنصل البريطاني العام في مصر، حيث أطلقها خلال العام 1880، لكنَّ المنافحين الأيديولوجيين عن الإسلام – شأنَهم في ذلك شأن الإسلاميين التَّقليديين في العالم الإسلاميّ أو في الغرب – سيعلنون لا ريب اتّـــفاقهم مع هذه المقولة، لأنَّ الإسلام بالنِّسبة إليهم – والى غالبية المسلمين – يعدُّ ديناً كاملاً، لا يحتاج إلى الإصْلاح والتَّجديد.

وضمن هذا السّياق، تتفاوت الرُّؤى المتعلِّقة بـ «مَنْ يقومُ بمَهَمَّة الإصلاح والتَّجديد»: القادةُ الدّينيون الذين يتعيَّن عليهم النُّهوض بهذا الإصلاح من أجل إنقاذ الدّين، أم القادة السّياسيون وصُنَّاع القرار؟! وهل يقتصر أمر الإصلاح والتَّجديد على رموز المؤسَّسات الدِّينية فقط، بحكم أنَّهم المعنيون بهذا الأمر، فضلاً عن أنَّهم أهل الخبرة والعلم؟ أم أنه يحتاج إلى تضافُر رُؤى مختلفة من حيث المرجعيات الفكرية بحكم أنَّ أمر الإصلاح اليوم أصبح في حكم أولويّة الأولويّات؟!

يكاد يتَّفق الجميع إذاً، على مُبرّرات وضرُورات الإصلاح والتَّجديد، لكنهم يتفاوتون في المقابل – وتبعاً لاختلاف المرجعيات الدّينية والسّياسية والفكرية – في ما يتعلَّق بأمرين رئيسين: أولهما: مَنْ يقوم بمهمَّة الإصلاح والتَّجديد؟! ثانيهما: ما هي طبيعة المجالات، أو الحقول المعرفية، التي من المقرَّر أن تطاولها عملياتُ الإصلاح والتَّجديد؟!

وفي الواقع، يستمدُّ «الإصلاحُ الدّينيُّ» مشروعيّته التَّاريخية من إمكانية قطْعِه الطَّريق على أخطار النّهايات المأسوية التي أَفْضَتْ – ضِمْنَ ما أفْضَتْ – إلى خلْق جماعات داعش وما يشابهها، ومن ثمَّ تكييفُ الإسلام مع رُوح العصْر، وإعْلاء القيم الإنسانية الكونية المشتركة، والاتفاق في شأن مجموعة من المعايير والقيم والضَّوابط الأساسية لـ «فقه تدبير الاختلاف ومبادئ العيْش المشترك» في «العالم المعَولَم» الذي تتشابك فيه مصائر البشرية: وجوداً وعدماً، إلى درجة أنَّ سؤال الحكومة الإقليمية، والحكومة العالمية، أو «الكونفيدرالية العالمية» - كما يسميها الفيلسوف والأنتروبولوجي إدغار موران Edgar Morin - أصبح اليوم سؤالاً مشروعاً لمواجهة تحديات يتوقف على رفعها بقاء الحضارة، بل وربما بقاء النوع البشري نفسه!