رحيل العلامة اللغوي العراقي أحمد مطلوب الناصري

(الحياة)
القاهرة - محمد عويس |

رحل العلامة اللغوي الدكتور أحمد مطلوب الناصري عن اثنتين وثمانين سنة، بعد رحلة علمية طويلة، بدأت وانتهت في العراق، وامتدت إلى مصر والكويت وألمانيا والجزائر، وهو من جيل المثقفين العراقيين والعرب الذين آمنوا بالوحدة العربية واحترام التنوع الثقافي في إطار قبول الآخر المختلف والتعايش معه على أرضية المواطنة.


ولد الناصري عام 1936 في مدينة تكريت، ونشأ فيها وحصل على البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب والعلوم في بغداد (قسم اللغة العربية) بدرجة امتياز عام 1956، وكان الأول على جميع أقسام الكلية. وحصل أيضاً على الماجستير في علم البلاغة والنقد بدرجة جيد جداً من جامعة القاهرة عام 1961، ثم الدكتوراه في البلاغة والنقد بمرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة عام 1963. ودرّس في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة بغداد، وتدرج في المناصب الأكاديمية، كما درّس في جامعة الكويت، ومعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة، وجامعة وهران في الجزائر، وجامعة مارتن لوثر في ألمانيا الديموقراطية.

وله إصدارات في البلاغة والنقد والأدب والمعاجم والتعريب، وكتب محقّقة، من تراث الشعر، وبلاغة القرآن الكريم، ونشر له أكثر من 60 بحثاً في اللغة والنقد واللغة وعلوم القرآن والتفسير والحديث وتعريب العلوم والمصطلحات العلمية، ومئات المقالات الصحافية، والأحاديث والندوات الإذاعية والتلفزيونية. وهو شاعر مطبوع وله قصائد كثيرة، بخاصة في المجالات الوطنية والقومية والإنسانية والوجدانيات. ومن أهم إصداراته: النحت في اللغة العربية، معجم مصطلحات النقد العربي، معجم الملابس في لسان العرب، تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، معجم النسبة بالألف والنون، البحث البلاغي عند العرب، والبلاغة عند الجاحظ.

ويعد «معجم المصطلحات البلاغية وتطورها» من أهم إنجازاته. وشمل هذا المعجم معظم المصطلحات البلاغية المتداولة في كتب البلاغة والتفسير وغيرها، ومحتواه قدّم للدارسين معرفة الجديد عند البلاغيين، ويلحظ مدى تأثر اللاحقين بالسابقين، ويربط فنون البلاغة، حيث اشتمل على 1100 مصطلح وكثير من مصطلحات تفسير ابن عاشور البلاغية التي يستخدمها في تفسيره تجد شرحها في هذا المعجم. وهو معجم يقدم على ترتيب الأنواع ترتيباً هجائياً لتسهل مراجعة النوع وجمع أجزائه في مادة واحدة، والإشارة إليها إذا جاءت منفردة، وجمع الآراء المختلفة في الفن الواحد. وكان المؤلف يورد المصطلح ويذكر تسمياته الأخرى ثم التعريفات التي اعتمدها علماء البلاغة والنقّاد، وأخذت تعريفاته نسق التطور التاريخي.

وعالج بعمق شبه موسوعي مصطلحات المسند والمسند إليه والإنشاء وأنواعه والإيجاز والإطناب والمساواة وهي تعود كلها إلى علم المعاني. وكذلك تناول التشبيه والمجاز والكناية بتفريعاتها وهي ترجع إلى علم البيان. إلى جانب ذلك، أسهب في شرح الطباق والجناس والسجع وحسن الابتداء وهذه بعض من علم البديع. وشغل الناصري عدداً من المناصب في العراق: وزيراً للثقافة والإرشاد، وعميداً لكلية الآداب في جامعة بغداد، وعضواً في مجلس الجامعة، ورئيساً للهيئة العليا للعناية باللغة العربية. وشغل كذلك مناصب الأمين العام للمجمع العلمي العراقي ورئيس دائرة علوم اللغة العربية فيه، وعضو مجمع اللغة العربية الأردني، ومجمع اللغة العربية في دمشق، كما أنه عضو في اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين، وتولى رئاسة تحرير عدد من المجلات الأدبية والفكرية وشغل عضوية الهيئات التحريرية لـ «مجلة الضاد»، و «آفاق عربية»، و «الرسالة الإسلامية»، و «دراسات للأجيال»، و «مجلة المجمع العلمي العراقي»، ومجلة «أقلام» التي كانت تصدرها وزارة الثقافة والإعلام العراقية، ومجلة «الكتاب» التي يصدرها اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين. وشارك في الكثير من المؤتمرات والندوات العلمية داخل بلاده وخارجها، ودعي إلى إلقاء محاضرات في الكثير من الجامعات العربية والأفريقية والغربية.

وحصل على جائزة بغداد للآداب ووشاحها، كما نال نوط الامتياز من الطبقة الأولى عام 1990 من مصر، ونوط الاستحقاق العالي عام 1993، فضلاً عن جوائز علمية وتقديرية أخرى منها جائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والأدب مناصفة مع التونسي محمد رشاد محمد الصالح حمزاوي؛ «تقديراً لجهوده البارزة في ميادين اللغة والآداب وخدمة المصطلح العربي من خلال إنتاجه العلمي الغزير».

وكانت زوجته الراحلة خديجة عبدالرزاق عبدالقادر الحديثي؛ أستاذة النحو والصرف في جامعة بغداد، وعالمة في النحو العربي ورائدة في أبحاثه ودراساته، لا سيما في موضوع الشاهد النحوي وبالاحتجاج النحوي وبالمدارس النحوية، وألّفت كتباً درست في الجامعات العراقية والعربية وبعض جامعات أوروبية وأفريقية وتعد مؤلفاتها من الأصول والمصادر، كما حققت الكثير من الكتب لعلماء نحويين.