«سيركوبوليس» يواجه الروتين بفانتازيا السيرك المعاصر وجنونه

بيت الدين (لبنان) - رنا نجار |

لا يشبه عرض «سيركوبوليس» الذي اختارته مهرجانات بيت الدين لختام فعالياتها، أياً من عروض السيرك التقليدية التي عهدناها منذ عصر الرومان التي تعتمد على المهرجين والمشعوذين وترويض الحيوانات والتحدي القائم بين الإنسان والحيوان إلى أن تطوّرت خصوصاً في روسيا وكندا.


هذا العرض الذي يتداخل فيه الواقع بالخيال، ويدمج بين المسرح والسينما والرقص المعاصر وفنون السيرك المتنوعة ذات الخلفيات الثقافية المتعددة (الروسية، الألمانية، الصينية، اليابانية والكندية)، يطرح فكرة جدلية ومهمة عن حياة الفرد في المجتمعات الرأسمالية والصناعية حيث تخطف الوظيفة وساعات العمل الطويلة وهمّ الإنتاج روح المرح والخفّة من عيون العمّال. ويستوحي عرض فرقة «سيرك إيلوييز» الكندية الذي لا يزال يخطف أنفاس الجماهير حول العالم منذ إنتاجه في عام 2012 (عرض في أكثر من 24 دولة منها السعودية وأبو ظبي والأردن)، فكرته من فيلم ميتروبوليس (1927) للمخرج فريتز لانغ. لكن المشاهد التي تدور في مدينة رتيبة مشحونة بالضغوط وتسحق أصوات ماكيناتها كل مشاعر الرومانسية والشغف والاستمتاع بالحياة، سرعان ما تتحوّل على خشبة «سيركوبوليس» أكثر جنوناً ورقّة ومفعمة بالمرح والشاعرية والترقب والحماسة. فبعد أن يسود اللون الرمادي عبر الديكور والأزياء والإضاءة والموسيقى الترقبية المزعجة، في المشهد الأول في مكاتب الموظفين الذين يبدون متشنّجين متعبين، يدخل اللهو عبر الألوان والموسيقى الحالمة الضاجة بالحياة والرقص.

فقد أضفى مخرج الفرقة ومديرها جينو بينشو ومصمّم الرقصات دايف سان بيار، من خلال اللوحات البهلوانية والأزياء ومشاهد الرقص البديعة والاستعراضات الجسدية الخارقة وألعاب الخفة والمشي على الحبال والرقص على الأعمدة والعجلات والفقرات المتنوعة والموسيقى الجميلة، فانتازيا مبهرة تسحر الناظر إليها وتحضّ عقله على التفكير في عمق مسألة المرح والرتابة.

لكن لا ننسى أن أفلام الفيديو التي صمّمها روبير ماسيكوت وألكسيس لورنس، ومصمم الإضاءة المبهرة نيكولا ديكوتو، أعطت رونقاً خاصاً لهذا العمل ورفعته من عرض سيرك تقليدي إلى عمل فني راق أنيق فريد. وهذان العنصران أعطيا إحساساً أننا في عصر أفلام شارلي شابلن الصامتة بالأبيض والأسود وعصر أفلام هوليوود الدرامية السوداء التي طبعت مرحلة خمسينات القرن العشرين، وطعّمت بفن الـ «ART DECO» للهندسة الداخلية. لذا يفتقر العرض إلى الإبهار المعهود في أعمال السيرك، لكنه بلغته الخاصة هذه يحاكي العروض غير المصنفة والمفتوحة على كل أنواع الفنون المعاصرة التي تتغذى من بعضها البعض، وبالتالي تبهر من ناحية الفكرة والطرح واستخدام العناصر البصرية في شكل مبتكر.