محمد عبده تميز عن المعتزلة في «أصول الإسلام» لكنه لم ينقضهم

محمد عبده
محمود مراد |

احتلت أفكار الشيخ محمد عبده مكانة بارزة في تاريخ حركة الإصلاح الديني في العالمين العربي والإسلامي، وعلى رغم مرور أكثر من قرن على وفاته، إلا أن أفكاره ظلت تتمتع بحيويتها وبريقها المتوهج بروح الصدق والالتزام بهموم أمته وقضايا مجتمعه، بحيث لا تكاد تجد باحثاً في شأن مشروع النهضة العربية، إلا وكانت آراء الأستاذ الإمام واجتهاداته تقع ضمن محور نقده وسياق بحثه، رفضاً أو تأييداً. ونعرض في هذه المقالة للنص الذي كتبه الإمام بعنوان «أصول الإسلام»، وضمَّنه في كتابه «الإسلام دين العلم والمدنية» الذي صدر في أكثر من طبعة، ووضع فيه خلاصة اجتهاداته نحو إسلام مؤسَس على مد يد التسامح للآخر، وإعذار المختلِف، ورفض الوصاية الدينية على الخلق، وإعادة الاعتبار إلى مكانة العقل. ويبدو الشيخ محمد عبده متأثراً بآراء المعتزلة في طريقة عرضه لـ «أصول الإسلام»، سواء على مستوى الشكل أو المضمون، فعلى مستوى الشكل استخدم الإمام لفظ «الأصول» وهو ذاته اللفظ الذي وضعه المعتزلة ليميزوا به انتماءهم العقائدي عن الفرق الإســلامية الأخرى، حسبما جاء في كتاب «الانتصار» لأبي الحسن الخيَّاط، وهي التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


وفي حين اكتفى المعتزلة بأصول خمسة للإسلام، نجد أن الشيخ محمد عبده زاد هذه الأصول إلى ثمانية، اختلف مع أسلافه المعتزلة في تسميتها، وإن لم يختلف معهم في مضمونها! أما على مستوى المضمون، فنجد الشيخ عبده تابع المعتزلة في مجمل أفكارهم، ومن بينها وجوب النظر العقلي على المكلف كشرط للاعتقاد بوجود الله ووحدانيته، و «تنبيه العقل البشري إلى النظر في الكون واستعمال القياس الصحيح والرجوع إلى ما حواه الكون من النظام والترتيب وتعاقد الأسباب والمسببات، ليصل بذلك إلى أن للكون صانعاً واجبَ الوجود عالماً حكيماً قادراً، وأن ذلك الصانع واحد لوحدة النظام في الأكوان». ويستنتج الشيخ مما سبق أن «أول واجب يلزم المكلف أن يأتي به هو النظر والفكر، لتحصيل الاعتقاد بالله، لينتقل منه إلى تحصيل الإيمان بالرسل وما أُنزِل عليهم من الكتاب والحكمة»، ويسمي المعتزلة هذا دليل الحدوث. ويرى الأستاذ الإمام رأي المعتزلة في ما يسمونه «اللطف الإلهي»، ويدرك الشيخ أن إرسال الأنبياء واقع ضمن هذا اللطف لتنبيه البشر إلى سبيل سعادتهم وتبصيرهم بطريق الهداية والرشاد. لكنَّ الشيخ يرى رأي المعتزلة في أن الإيمان بالرسل لا يستقيم إلا بعد الإيمان بالله، «فلا يصح أن يؤخذ الإيمانُ بالله من كتب الرسل ولا من الكتب المنزّلة، فإنه لا يُعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله، إلا إذا صدَّقت قبل ذلك بوجود الله، وبأنه يجوز أن يُنزِل كتاباً ويرسل رسولاً».

وتُعد مشكلة الأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد من بين أكثر القضايا التي أثارت جدلاً في الفكر الإسلامي منذ بواكير نشأته الأولى، واتفق الشيخ عبده مع المعتزلة في تلخيص الخبر المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام إلى «خارق للعادة هو الذي تواتر خبره، ولم ينقطع أثره... ذلك الخارق المتواتر المُعوَل عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين هو القرآن وحده»، و «ما عداه مما ورد في الأخبار، سواء صح سنده أو اشتهر أو ضعف أو وهَى، فليس مما يوجِب القطع عند المسلمين، فإذا أُورِد في مقام الاستدلال، فهو على سبيل تقوية العِقد لمن حصل أصلُه، وفضل من التأكيد لمن سلَّمه من أهله».

برنامج عمل إسلامي

أشرنا إلى أن الأستاذ الإمام اشترط النظر العقلي لتحصيل الإيمان كأصل أول وُضِع عليه الإسلام، وحسب الشيخ عبده، فإن هذا الأصل بلغ بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق ثم لم يصل إليه ومات طالباً غير واقف عند الظن، فهو ناجٍ، فأي سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل من هذه السعة؟

أما الأصل الثاني فهو مكملٌ للأصل الأول مبينٌ له، وهو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، ويقول الإمام: «أن أهل الملة الإسلامية اتفقوا على أنه إذا تعارض العقل والنقل، أُخِذ بما دلَّ عليه العقل»، لكن ماذا نفعل حيال النص؟ هل نعطله؟ يجيب الشيخ عبده «يبقى في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر لله في علمه، وطريق تأويل النقل حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل، مع المحافظة على قوانين اللغة».

ويأتي الأصل الثالث، ليعكس ما كان يتمتع به محمد عبده من سعة أفق ورحابة عقل وسماحة روح، وهو البعد من التكفير وإعذار المخالِف، ويقرر أن «ما اشتهر بين المسلمين وعُرِف من قواعد أحكام دينهم، أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِل قوله على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر». ويبدو أن الشيخ فطن إلى المعركة الضارية التي شنها بعض رجال الدين على المشتغلين بالفلسفة بسبب ما يقع أحياناً من اللبس في أقوالهم ويؤدي إلى حملها على غير ما وُضِعت له.

ولمَّا كانت آيات القرآن الكريم قد حثت البشر على الاعتبار بسنن الله في الخلق، رأى الشيخ أن للإسلام أصلاً رابعاً أجرى الله فيه الأكوان والأمم على سنن لا تتبدل وعلى حسبها تكون الآثار، وهي التي تُسمى شرائع أو نواميس، ويعبر عنها قوم بقوانين، ووردت في كتاب الله لتدل على «أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها، هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل، وعلى من يطلب السعادة في هذا الاجتماع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله ويبني عليها سيرته وما يأخذ به نفسه». ويُعد الأصل الخامس من أهم الأصول التي قام عليها الدين، وحسناً فعل الشيخ الألمعي عندما امتد نظره إلى أن «الإسلام هدم السلطة الدينية ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، ولم يدع لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول كان مبلغاً ومذكراً، لا مهيمناً ولا مسيطراً... ولم يجعل الإسلام لأحد أن يحل ولا أن يربط في الأرض ولا في السماء، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه في ما بينه وبين الله، سوى الله وحده، وليس لمسلم – مهما علا كعبه في الإسلام - على آخر – مهما انحطت منزلته فيه - إلا حق النصيحة والإرشاد. فليست في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خوَّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خوَّلها لأعلاهم يتناول بها أدناهم».

وأما الأصل السادس، فكأن الإمام خصَّصه للرد على عملاء الدعاية الغربية من أبناء جلدتنا الذين درجوا على تحميل الإسلام «فاتورة» العنف وإراقة الدماء، في مصادرة منهم على تاريخ الحضارة الإسلامية كلها، فإذا كان الدين أوجب حفظ الدعوة من الفتنة ضد المعتدي، وهو أصل عظيم، فإنه، مع ذلك، «شرع القتال لرد الاعتداء على الحق وأهله، إلى أن يأمن شرهم ويضمن السلامة من غوائلهم، ولم يكن هذا للإكراه على الدين ولا الانتقام من مخالفيه.

ويستشهد الإمام عبده على مقالته بما ورد في السنة النبوية من قول النبي «من آذى ذمياً فقد أذاني»، واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام الذي أباح للأمم المغلوبة في ظل سلطانه أن تعيش في صفو لا يعكره كدر.

وجاء الأصل السابع ليرد على أذناب «الدواعش» وأفراخهم الذين افتروا الكذب على الدين وجعلوا منه سبباً للعدوان والبغي، ومع ذلك فإن مودة المخالفين في العقيدة كما يقول الأستاذ الإمام هي مما تقرر في الإسلام منهاجاً وشرعاً، وضرب مثلاً بزواج الكتابية، وما وضعه الشرع لها من حقوق البقاء على عقيدتها، ولم يفرق بين ما لها وما للزوجة المسلمة. ويرى الشيخ أن الزوجة الكتابية لو كانت من أهل النظر العقلي وذهبت مذهباً يخالف زوجها، فلا يجوز لذلك أن ينقض ذلك مودته لها أو يضعف شعور الرحمة التي أفاضها الله بينه وبينها.

وقصد الإمام عبده أن يختم رسالته بالتنبيه إلى أصل الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، ويرى الشيخ «أن الحياة في الإسلام مُقدَمة على الدين، وأن أوامر الحنيفية السمحة جاءت لتختطف العبد إلى ربه، وتملأ قلبه من رهبة، وتفعم أمله من رغبة، فهي مع ذلك لا تأخذه عن كسبه، ولا تحرمه التمتع به، ولا توجب عليه تقشف الزهادة، ولا تجشمه في ترك اللذات ما فوق العادة».

الأستاذ الإمام وضع ما يشبه «دستور المسلم» في رسالته تلك التي اتسمت بالتنوع والشمول، وضمَّنها أصول المعرفة الإسلامية في ما يشبه «مانيفستو» أو «برنامج عمل» يسعى إلى تكوين شخصية مسلمة قوامها العقلانية والنظر، وسلوكها التسامح والإعذار، وغايتها عمارة الأرض وإسباغ الرحمة على البشر، فما أحوجنا اليوم إلى إعادة قراءة «أصول الإسلام» ودراستها وتدريسها للأجيال المقبلة، لعلهم يجدون فيها ملاذهم إلى أفق واعد، تغمره أنوار العقل والتحرر، وتظله سحائب العدل والتسامح.