المؤرخ الصليبي وليم الصوري في عيون شرقيين وغربيين

محمد فوزي رحيل |

يعد وليم الصوري أبرز المؤرخين الأوروبيين لفترة الحروب الصليبية، ولا يمكن أي باحث أن يدخل ذلك العصر إلا بالمرور عبر بوابته، بحكم أن ما دوّنه يعد أهم مصدر أوروبي لتاريخ الوجود الأوروبي في الساحل الشامي في القرن الثاني عشر الميلادي، كما أنه وضع النموذج الذي سار عليه مؤرخو الكيانات الصليبية الغربيون في القرن الثالث عشر. ولد وليم الصوري في بيت المقدس عام 1130م، لأسرة فرنسية، وبسبب نبوغه أرسل في بعثة إلى غرب أوروبا لتلقي أصول القانون الكنسي وبعض العلوم التي ارتبطت بنهضة القرن الثاني عشر الأوروبية. تمكّن من إتقان الفرنسية القديمة واللاتينية واليونانية والعربية وألمّ بالعبرية، وبعد عشرين سنة من الاغتراب، عاد إلى القدس ليتولى عدداً من الوظائف الكنسية. توطدت علاقته بالملك عموري الأولى، فعهد إليه تربية ابنه بلدوين الرابع وكلفه مهمات ديبلوماسية. كما عهد إليه كتابة تاريخ أعماله الذي تطور في ما بعد ليصل إلينا في صورة كتاب «تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحار». تولى وليم رئاسة أساقفة صور وأخفق في تحقيق حلم حياته في تولي منصب بطريركية بيت المقدس وانتهت حياته مسموماً عام 1184م.


وفي كتاب «وليم الصوري بين رؤيتين» وهو من تحرير محمد مؤنس عوض وهنادي السيد محمود، وصدر حديثاً عن «مكتبة الآداب» في القاهرة، بحث عنوانه «أثر المؤرخين المسلمين في تطور الكتابة التاريخية في الشرق اللاتيني: وليم الصوري نموذجاً» للمؤرخ الأردني فؤاد الدويكات. اهتم الدويكات في هذه الدراسة بسبر أغوار كتاب «تاريخ الأعمال» للتعرف إلى درجة تأثر وليم الصوري بالمدونات التاريخية العربية التي كانت متطورة إلى حد كبير مقارنة بالمدونات التاريخية الأوروبية في ذلك الوقت. ونجح الباحث في التوصل إلى عدد من مظاهر التأثر بل النقل شبه النصي من المصادر العربية حول عدد من أحداث الصراع الإسلامي - الصليبي، وفي مقدم من نقل وليم عنهم ابن القلانسي في كتابه «ذيل تاريخ دمشق»، ومن هذه الروايات المتشابهة أخبار موقعة ساحة الدم عام 1119م التي انتصر فيها إيلغازي بن أرتق على روجر الأنطاكي، كذلك سقوط مدينة صور في أيدي الصليبيين عام 1124م. ويؤكد الدويكات أن تأثر وليم الصوري بالمدرسة التاريخية الإسلامية لا ريب فيه، في ظل إلمام وليم وعدد كبير من المستوطنين الصليبيين باللغة العربية، ناهيك باستيلاء الصليبيين على مكتبات كثيرة في المدن التي سيطروا عليها أو حتى من السفن الإسلامية الجانحة للساحل الصليبي مثل سفينة أسامة بن منقذ التي حملت مكتبته الخاصة وتعرضت للمصادرة الصليبية. ومن الدراسات الغربية التي شملها الكتاب «صور مليسندا في مخطوطات وليم الصوري» للباحثة ياروسلاف فولدا. والدراسة تتناول جانباً فنياً ارتبط بمخطوط وليم الصوري ساعد في التعرف إلى صورة الملكة ميلسندا التي لعبت دوراً كبيراً خلال عهد ثلاثة ملوك: والدها بلدوين الثاني وزوجها فولك وابنها بلدوين الثالث. وتشير الدراسة إلى تقدير وليم دور هذه السيدة في إدارة المملكة، ووصفها بأنها «كانت ملكة يحبها الرب»، وهو ما حدى بوليم ليهتم بعدد من الأمور الحياتية في تاريخ هذه الملكة أغفلتها بقية المصادر، فألفينا وليم المصدر الوحيد لها. ومن الصور الرائعة المليئة بالحيوية التي صورت على هامش مخطوط كتاب «تاريخ الأعمال» الذي كتب في عكا في القرن الثالث عشر، هذه الصورة التي تصور نهاية الملك فولك في رحلة صيد والملكة جاثية على قدميها تقبل الملك المضرج في دمائه وقد فاضت روحه. وهذه الصورة تقدم كثيراً من التفاصيل حول زي الملكة وأناقتها وحالة الترف التي عاشت فيها، وزينتها والتاج الملكي فوق رأسها، وفي بعض الرسوم تظهر فوق رأس الملكة قبعة كبيرة الحواف لتقيها من شمس الشام القوية. كما توضح الصور حب ملوك الصليبيين استخدام الصقور في الصيد وهو ما كان يستدعي وضع الملك الصليبي القفازات ليمكنه حمل الصقر مِن دون أذى، كما صورت مخطوطات للملك نافخاً في البوق فوق جواده. وهناك صور قدمت لنا صورة حية حول سير الملكة خلف نعش زوجها، ثم تلقيها العزاء في الزوج الراحل. والدراسة تشمل كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالموضوع، وهي جديرة بالاهتمام لأنها توجه نظر الباحثين إلى ضرورة الاستفادة العلمية من المصورات على هوامش مخطوطات عصر الحروب الصليبية للتعرف إلى طريقة حياة الصليبيين في الشرق. وهناك دراسة قيمة بعنوان «وليم الصوري إعداد مؤرخ من العصور الوسطى» للباحث أي سي كراي، وترصد جانباً مهماً من جوانب حياة وليم لنا كباحثين وهي كونه مؤرخاً. والدراسة تبحث كيف صار مؤرخاً وهو في الأساس رجل دين وخبير بالقانون الكنسي ومعلم لبلدوين الرابع ابن عموري وديبلوماسي قام بمهمات ناجحة لمملكة القدس وللكنيسة الكاثوليكية ومستشار للملكين عموري ثم بلدوين الرابع. ويتضح من ثنايا الدراسة أن الحاجة أم الاختراع، فلم يخطر في بال وليم أن يكون مؤرخاً حتى قرابة نهاية العقد الرابع من عمره حين كلفه الملك عموري وضع تاريخ عن أعماله أخذ ينمو مرحلة بعد أخرى حتى صار أهم الكتب التي أرّخت للصليبيين في الشام. ساعد الملك وليم في عمله بتوفير مكتبة عربية زاخرة بأمهات الكتب، بجانب قربه من دوائر صنع القرار، ومن ثم كان من اليسير عليه الوصول إلى وثائق المملكة والحصول على معلومات من كبار رجال الدولة. وكان إلمامه بعدد من اللغات بحكم النشأة والوظيفة من أهم روافد تكوين وليم كمؤرخ من دون قصد منه. تطور عمل وليم في شكل تراكمي اقتضته الأحوال، ففي البداية يكلفه عموري كتابة تاريخه وما إن يبدأ التدوين حتى يبدأ عموري الاهتمام بمصر فيكلف مؤرخه تأليف تاريخ عن المسلمين حتى يتوفر للملك أكبر مقدار من المعلومات عن حكام المسلمين فألّف كتابه المفقود عن أمراء الشرق. بعد ذلك، اكتشف وليم أن هناك فجوة في المدونات التاريخية، فلم يدون أحد شيئاً عن تاريخ ملوك الصليبيين من أسلاف عموري منذ عام 1127م، ومن ثم رأى أنه من الضروري حل هذه المشكلة بكتابة تاريخ شامل عن الغزاة الأوروبيين منذ البداية. ويبدو أن وليم سار في المسارات الثلاثة في الوقت ذاته. وبينما كان وليم يؤلف كتابه كان ذهنه في تثقيف رجال البلاط وخدمة المجتمع الأوروبي المرتبط بالصليبيين في الشرق ارتباطاً وثيقاً، وبسبب خلفيته الدينية وثقافته القانونية العميقة ثم عدم بلوغه ما كان يصبو إليه من تولي منصب البطريرك، فقد قدّم نموذجاً فريداً للمؤرخ الأوروبي لم يسبق أن ظهر من قبل، مكّنه من نقل فائدة التاريخ لدى الأوروبيين من تسجيل أخبار الماضي للتثقيف والتسلية إلى استشراف المستقبل حين أكد في خواتيم عمله الضخم «تاريخ الأعمال» أن مملكة بيت المقدس إن استمرت في الطريق ذاته – أي الصراعات بين الصليبيين القدامى والآتين الجدد من الغرب - فستكون النهاية. وهو ما تحقّق على يد صلاح الدين في حطين 583هـ/ 1187. ولحسن الحظ أن وليم لم يحقق حلمه بتولي البطريركية لأنه لو حدث لم يكن ليكمل كتاب «الأعمال».