طبعة جديدة من تحقيق أحمد محمد شاكر لكتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة

القاهرة – علي عطا |

صدرت حديثاً طبعة جديدة من كتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (المتوفى سنة 276 ه) بتحقيق أحمد محمد شاكر، في سلسلة «الذخائر»؛ الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، في جزءين.


ويذكر أن الجزء الأول نُشر في 1946 والثاني في 1950 بواسطة دار «إحياء الكتب العربية» في القاهرة لصاحبها محمد أفندي الحلبي. اعتمد شاكر في تحقيقه على طبعة ليدن والتي صدرت سنة 1902 بتحقيق المستشرق دي غويه.

ووضع دي غويه للكتاب فهرسين للأعلام والأماكن فقط، لم يخلوَا – كما لاحظ أحمد محمد شاكر- مِن خطأ وقصور، «وإن أفادا الباحث فوائد جمَّة ويسَّرا له سبل البحث والاستدلال». يقول شاكر: «هذا الكتاب هو من مصادر الأدب الأولى؛ ألّفه إمامٌ ثقة، حُجة مِن أوعية العلم؛ ترجمَ فيه للمشهورين من الشعراء، وقدّم له بمقدمة تنطوي على أبواب في: أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء، والإكفاء، والعيب في الإعراب، وأوائل الشعراء. وأول ميزة يراها القارئ المتأمل في الكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر هو اختيار عالِمٍ بالشعر عارف به فقيه فيه، فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط، لا يحيد ولا يميل. وخير ما ندل به على منزلة هذا الكتاب، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين، أن نخرجه إليهم إخراجاً صحيحاً متقناً، وعلى ما أستطيع بجهدي القاصر، بأني رجلٌ جُلَّ اشتغالي بعلوم الحديث والقرآن، إلا أني أرى أن الأدب والشعر هما أكبر عون في فقه القرآن والسنة.

ويضيف: «لم يكن هذا الكتاب معروفاً على وجهه للعلماء والمتأدبين، إلا قليلاً منهم، ذلك أن نسخه المخطوطة في مصر نادرة، فليس منها في دار الكتب المصرية إلا نسختان، إحداهما مخطوطة بقلم معتاد، بخط يحيى بن محمد بن لونيس بن القاضي المغربي الزواوي، نقلَها مِن نسخةٍ مخطوطة محفوظة بالقسطنطينية في دار كتب راغب باشا، وفرغَ مِن كتابتها لثلاث ليالٍ خلون من شهر رجب سنة 1286 ه، بهامشها بعض تقييدات. والأخرى بخط عيسى بن محمد بن سلمان، فرغ من كتابتها ظهر يوم الإثنين الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة 1059 ه، بها ترقيع وأكلة أرضة وتلويث، وبهامشها تقييدات».

ويضيف شاكر أن دي غويه حقَّق الكتاب تحقيقاً لا بأس به، ولكنه أخطأَ فيه في مواضع ليست بالقليلة. ورأى شاكر أن يتخير أصحَّ النسخ التي أشار إليها دي غويه، «ومراجعة نصوصها على ما أستطيع مراجعته من المصادر، خصوصاً المصادر التي تنقل عن هذا الكتاب، ودواوين الشعر التي يُسرت لي، وأن أشرح غريبه شرحاً مقارباً، تقريباً لهذا الأدب العالي والشعر المتين الرصين، إلى الطـبقة المتعلمة المثقفة في الأمة العربية، التي نهضت أعظم نهضة لإحياء دولة العرب ومجد العرب، ومن حولها الذئاب تنهش وتشتجر»!

ويضيف: «جعلتُ عمدتي في شرح الغريب الديوانَ الأعظم (لسان العرب)، وحرصت على أن أثبت نصوصه بحروفها، في الأكثر الأغلب، إذ هي نصوص الأئمة الأولين، أمثال أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي حنيفة، من أساطين اللغة وحفظَة البيان، نقلها ابن منظور عن المؤلفين قبله: الأزهري، والجوهري، وابن سيده، وابن الأثير، وابن بري، وحرص على ألفاظهم، فحرصتُ كما حرص». وأورد شاكر في بداية الجزء الأول نصَّ مقدمة دي غويه ووصفه للمخطوطات التي طبع عنها الكتاب، وقد ترجمها من اللاتينية إلى العربية وهيب كامل. وفي تلك المقدمة رجَّح دي غويه أن يكون ابن قتيبة «أملَى كتابَه من كراسته في فترات مختلفة، فكان يستعمل في كل مرة عبارات متغايرة، ويضيف أحياناً عبارات من عنده، ويهمل عبارات كان قد أملاها في مرة سابقة».

وبعد ذلك وضع شاكر نصَّ الكتاب الذي يبدأ هكذا: «قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: هذا كتاب ألّفتُه في الشعر، أخبرتُ فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومَن كان يُعرَف باللقب أو الكنية منهم، وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستحاذ من شعره، وما أخذَته العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدمون فأخذَه عنهم المتأخرون، وأخبرتُ فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يُختار الشعر عليها ويُستحسن لها».

وجاء أيضاً في النص: «وكان حق هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم خطره، وعمن رفعه الله بالمديح، وعمن وضعه بالهجاء وعما أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب الصحاح، والحِكم المضارِعة لحِكم الفلاسفة والعلوم في الخيل والنجوم وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان مبشراً أو جائلاً، والبروق وما كان منها خلباً أو صادقاً، وما كان منها جهاماً أو ماطراً، وعما يبعث منه البخيل على السماح والجبان على اللقاء والدَّني على السمو. غير أني رأيتُ ما ذكر من ذلك في كتب العرب كثيراً كافياً، فكرهتُ الإطالة بإعادته، فمن أحبَّ أن يعرف ذلك، ليستدل به على حلو الشعر ومره، نظر في ذلك الكتاب».

واستهل شاكر تحقيقه بنقد السيد أحمد صقر له، ومما جاء فيه: «هذا كتاب من أرفع كتب الأدب قدراً، وأنبهها ذكراً، وأقدمها نشراً، فقد طبع للمرة الأولى في مدينة ليدن سنة 1785، وأعيد طبعه فيها سنة 1902، بعناية المستشرق دي غويه، ثم طُبِع بعد ذلك في مصر، طبعات عدة سقيمة مبتورة كثيرة التصحيف والتحريف لا تعد شيئاً مذكوراً بالقياس إلى طبعة ليدن الثانية، لأن دي غويه عنيَّ بنشره، فراجعَ مخطوط ليدن على خمس نسخ خطية، استحضرها من فيينا وبرلين وباريس ودمشق والقاهرة، وأثبتَ ما بين هذه النسخ من اختلاف في هامش الكتاب، وبذل مجهوداً كبيراً في مراجعة كل موضع من المواضع التي اقتبسها المؤلفون من الكتاب، ووضع فهرسين للأعلام والأماكن، وظلت هذه الطبعة عمدة العلماء والباحثين إلى يومنا هذا. بيد أن الحصول على نسخة منها أصبح متعذراً، بل مستحيلاً، حتى ارتضى الشيخ أحمد محمد شاكر بطبعةٍ جديدةٍ، وحسبه أنه ناشر الرسالة للشافعي والمعرَّب للجوالي. وهو اعتمد على طبعة ليدن اعتماداً كلياً، حتى جاءت طبعته وكأنها صورة من الأولى، إلا أنه شرح بعض الألفاظ الغريبة شرحاً مقارباً، وراجع كثيراً من النصوص على ما بين يديه من المصادر، ودلَّ على أماكن وجودها في الكتب المختلفة، ولكنه لم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلاً. ولئن كانت هذه الطبعة تمتاز بذلك، فإن طبعة ليدن تمتاز عنها بميزة عظيمة، فقد حرص دي غويه على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بينة منه، فيختار ما يختار ويرد ما يرد، بذوقه الخاص، ورأيه المستقل. اعتمد شاكر على طبعة ليدن فقط، وكان من الواجب أن يراجع النسخ كافة والتي بينَها اختلافٌ هائل في الأسلوب والمنهج وفي ترتيب العناصر».