الباحثة اللبنانية بَسكال لحّود في فنّ القراءة الفلسفيّة الجادة

(الحياة)
مشير باسيل عون |

من بعد أن أكبّت ثلّةٌ من فلاسفة لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين، ومنهم على وجه الخصوص كمال يوسف الحاج وفريد جبر وبشارة صارجي، على استجلاء هويّة الفكر الفلسفيّ في لبنان وترسّم خصائص مساهماته، نشطت في الآونة الأخيرة في الجامعة اللبنانيّة وفي بعض الجامعات اللبنانيّة الخاصّة اجتهاداتُ النظر في الإنجازات الفلسفيّة المعرفيّة والمكتسبات الفكريّة النظريّة التي أفرجت عنها أقلامُ كوكبة من الفلاسفة اللبنانيّين المعاصرين. فكان كتاب الفكر الفلسفيّ المعاصر في لبنان، وتكاثرت مشروعات جمع الأعمال الكاملة لفلاسفة لبنانيّين بارزين من أمثال شارك مالك وكمال يوسف الحاج وبولس الخوري، وأنشئت المؤتمرات والندوات واللقاءات والسلاسل الفكريّة البحثيّة، ومنها سلسلة اسم علم التي أشرفت عليها الدكتورة بَسكال لحّود في الجامعة الأنطونيّة، وهي كلّها مبادراتٌ فلسفيّة تروم رصد الاتّجاهات الكبرى في الفكر الفلسفيّ المعاصر في لبنان. ومن بعد أن حاولت الجامعة الأميركيّة في منتصف الستّينات من القرن المنصرم أن تترصّد من بيروت، عاصمة الحرّيّة العربيّة وموئل الانعطاب العربيّ، اتّجاهات الفكر العربيّ في مئة سنة، عادت اليوم إلى التحريّ عن مواضع التفلسف في المجال اللبنانيّ، فانعقد في الجامعة عينها مؤتمرٌ فلسفيّ يُعنى باستجلاء وجوه التفكّر الفلسفيّ الراهن في المجتمع اللبنانيّ. وبسعي حثيث اضطلع به الدكتور نادر البزري ظهرت أعمال هذا المؤتمر في كتاب قشيب مصقول عنوانُه ممارسة الفلسفة في لبنان. وعلاوةً على ذلك، انبرت جامعاتٌ كاثوليكيّةٌ، كجامعة الروح القدس الكسليك وجامعة سيّدة اللويزة، تُعنى باستخراج السمات الأساسيّة التي يمكن أن ينفرد بها فكرٌ فلسفيٌّ لبنانيُّ الانتماء والهوى، فأنشئت كرسيٌّ للفلسفة اللبنانيّة في الأولى ومركزُ دراسات في الفكر اللبنانيّ في الثانية.


يتهيّأ لي أنّ الأبحاث التي ينطوي عليها هذان الكتابان تساهم مساهمة بارزة في تعزيز التفكّر التأريخيّ التقويميّ النقديّ للفكر الفلسفيّ المعاصر في لبنان. ومن ثمّ، فهي أبحاثٌ تنسلك في مثل هذه الجهود الرصينة الواعدة. يقيني أنّ التناولات الفلسفيّة اللبنانيّة كلّما تعمّقت وتوسّعت تجلّت بها الفراداتُ الفلسفيّة المتحقّقة، وانبثقت منها فراداتٌ فلسفيّةٌ جديدةٌ فتّاحة. وعليه، يسرّني اليوم أن أتناول إنتاج بَسكال لحّود في قرائن مثل هذا التفوّر الفلسفيّ، وهي التي دأبت منذ زمن الدراسة الجامعيّة على الاعتناء بالجنائن الفلسفيّة اللبنانيّة التي كانت تتفيّأ في أظلالها تتخيّر منها ما هو أشهى ثمارًا، وأرسخ بنيانًا، وأنضج ابتكارًا، وأبعدُ آثارًا، وأشدّ استنهاضًا. سأقتصر في كلمتي على إبراز خصائص القراءة التجديديّة التي بها أفلحت بَسكال لحّود في تطوير مسرى التأريخ الفلسفيّ للفكر الفلسفيّ المعاصر في لبنان. وظنّي أنّ الجرأة على التجديد في القراءة الفلسفيّة هي التي تمهر أبحاث بَسكال لحّود مهرًا يجعلها في مرتبة التأريخ الفلسفيّ الإبداعيّ في لبنان. ولن أتردّد في تبيان عناصر هذا التجديد الفِساريّ أو التأويليّ.

ولكنّي أودّ أوّلًا أن أذكّر بأنّ التفسير الفلسفيّ المبدع هو الذي ينشئ الذات الفلسفيّة الفريدة في الاجتماع الإنسانيّ الفكريّ. في الزمن الفلسفيّ الحديث والمعاصر قرأ كانط ديكارت وهيوم وفسّرهم تفسيرًا فريدًا فتّاحًا، فأبدع نقديّةً تتجاوز معاثر العقلانيّة والتجريبيّة. وقرأ هيغل كلّ الفلسفة القديمة والحديثة، فأبدع أنظومةً معرفيّة شموليّة ضمّت شتيت الارتقاءات الثقافيّة الكونيّة في مصهر الروح الناشب في جسد التاريخ. وقرأ هوسرل ديكارت وبرنتانو، فابتدع سبيلاً من النظر التجريديّ يجعل الأشياء تتجلّى في عري قوامها الحقيقيّ. وقرأ هايدغر ما قبل سقراط وما بعده من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، وقرأ أغسطينس وتوما الأكوينيّ والمعلّم إكهارت، وشلينغ وكانط وهيغل ونيتشه وبرنتانو وهوسرل، وهولدرلين وريلكه وباول سِلان ورنيه شار، فابتكر سؤالًا في الكينونة لو تجرّأ عليه أيُّ فيلسوف آخر لنعته الناسُ بالتكرار المملّ والمحاكاة العقيمة، في حين أنّ سؤاله في الكينونة غدا من أخطر الأسئلة استفزازًا للفكر، ومن أقوى الاستفسارات الفلسفيّة استثارةً للتبصّر الثاقب. وقرأ سارتر هوسرل وهايدغر، فأبدع وجوديّةً تتحرّى عن تجلّيات العدم في ثنايا الكينونة. أمّا ريكور، فقرأ ما لا يقوى فردٌ على قراءته في الفلسفة وعلم اللسان والأدب وعلم النفس والأنتروبولوجيا واللاهوت والتاريخ، فأبدع نهجاً في التأويل ضمّ فيه مآثر التفسير الوثوقيّ الرومنسيّ التلقائيّ وأحكام التفسير النحويّ العلميّ الموضوعيّ الذي يفتضح مسلّمات الذات المبايعة.

ليست القراءة الفلسفيّة إذاً تكراراً واجتراراً وتقليداً، بل هي نحتٌ وإبداعٌ وتفرّدٌ. قراءات بَسكال لحّود في كتابيها هذين تروم الانسلاك في هذا السبيل الجريء. لذلك، يجمع الناسُ، حين يُصغون إلى محاضراتها أو يقرأون أبحاثها، على أنّ شيئاً من الجدّة يسري في مطاوي أقوالها. سأسعى إلى استخراج معالم هذه الجدّة وتصنيفها في أبواب شتّى. وسأتبسّط في تناول وجه واحد من وجوه هذه الجدّة، على أن أذكر في اقتضاب سائر الوجوه.

هو وجه الجدّة في وصف المعطى، أعني بذلك الجدّةَ في تخيّر العنوان الأصيل الفريد الفذّ. حين يطالعك عنوان فلسفة العلوم بتوقيت بيروت، وهو عنوانٌ من بنات أفكارها لم يسبقها إليه أحدٌ، تُدرك أنّ بَسكال لحّود تنتوي ربط الفلسفة بميقات محلّيّ، أي بإيقاع راهن تستدرك به معاثر فلسفة العلوم في لبنان. يتهيّأ لي أنّ الربط هذا ينمّ عن رغبة في إيثار الفرادة الموقعيّة على الأداء الموضوعيّ المكتسب من فلسفة العلوم اللبنانيّة. الفرادة تُستلّ في هذا الكتاب من الموقع الجغرافيّ الإنسانيّ الحضاريّ، وبفضلها يجري تعويض التلمّس العلميّ المتعثّر في الأداء الفلسفيّ اللبنانيّ. مقصد لحّود من هذا التوقيت أن تقرن النشاط الفلسفيّ في لبنان بالأحوال والقرائن التاريخيّة والاجتماعيّة والبنيويّة التي وسمت الوجود اللبنانيّ المعاصر قبل الحرب اللبنانيّة وبعدها. وعلى الرغم من التبيئة البيروتيّة، تروم لحّود أن تتجاوز قضايا الفكر النهضويّ الحديث، وأن تدنو بالفكر الفلسفيّ في لبنان من مسائل الفلسفة العالميّة، ومنها على سبيل المثل اعتبار العلوم من الممهّدات النظريّة الضروريّة لنشوء فكر فلسفيّ أصيل يُسقط التزاحم المصطنع بين العلم والفلسفة، وهو التزاحم الذي ورثه الفكرُ عن عصر الأنوار في الغرب.

من آثار هذه الجدّة البحثيّة أنّ لحّود استطاعت أن تعيد تناول الإنتاج الفلسفيّ اللبنانيّ من موقع آخر هو غير المواقع التي اعتاد ارتيادَها الناظرون إليه. فإذا بها تتخطّى بلباقة مسألة الصراع على لبنانيّة الفلسفة أو عالميّتها، ومسألة التنازع على مكوِّنات الهويّة الفلسفيّة الذاتيّة، فتستخرج من الموضوعات المكتومة في هذا الإنتاج مقولة العلم، وقد نظرت إليه كموضع من مواضع التحقّق التي بها تتجلّى المساهمة اللبنانيّة في فلسفة قطاعيّة ناشبة في مخزون الزمن الفكريّ البيروتيّ. ومع أنّها تعلم أنّ اللبنانيّين لم يبدعوا فلسفةً أصيلة في العلوم، بل اكتفوا بالحضّ على التزيّن بالعقلانيّة والتحلّي بالموضوعيّة وإيثار معايير العلم اليقينيّ، إلّا أنّها لم تتورّع عن استجلاء تصوّرات العلم في البناءات الفلسفيّة المحض التي شيّدها الفلاسفة اللبنانيّون المعاصرون. وفي اعتقادي أنّ فلسفة العلوم، بما تستلزمه من تمكّن معرفيّ رفيع، لم يتعاطها أحدٌ من الفلاسفة اللبنانيّين المعاصرين، ما خلا جان قلام المهاجر إلى ألمانيا وفرنسا، وميلاد الدويهي الذي يعكف في جامعة السوربون على معالم الإنسيّة الرقميّة (Pour un humanisme numérique). بَسكال لحّود يمكنها أيضاً أن تخوض خوضاً رائداً في هذا المجال من بعد أن وضعت أطروحتها القيّمة في أخلاقيّات علوم الأعصاب وحازت شهادةَ ماستر بحثيٍّ في تاريخ العلوم والتقنيّات من جامعة نانت الفرنسيَّة.

وجهٌ آخر من وجوه الجدّة البحثيّة يتجلّى في القدرة على الإمساك بجواهر المعاني وأقاصي الأسباب ومقاصد المساعي في كلّ قضيّة على حدة. المثل على ذلك تشخيص أزمة الفلسفة في لبنان ورسم سبُل الإنقاذ. على اللبنانيّين، في نظر حبشي، أن يناصروا العقل في مواجهة التجريبيّة والوثوقيّة الإيمانيّة العمياء؛ وأن يناصروا، في نظر الحاج، الفلسفة في معركة الأدب المائع والسياسة العشواء؛ وأن يناصروا، في نظر نصّار، الفلسفة في مواجهة الأيديولوجيا (فلسفة العلوم، ص 15). في بضع من الكلمات الوجيزة تقبض لحّود على الأسباب وعلى المخارج. مثلٌ آخر على هذا الإمساك المتقن يَظهر في ضبط إشكاليّات الفلسفة في لبنان في نطاق مسألتين أساسيّتَين. الأولى ترتبط بقضيّة القومنة، وتُفصح عنها في السؤال الآتي: هل ثمّة عقل لبنانيّ خاصّ وفلسفة لبنانيّة ذاتيّة المنشأ والإبداع؟ أمّا الثانية، فتتّصل بالصراع على النموذج الواجب اعتمادُه هل يكون النموذج العربيّ أم الغربيّ؟ (فلسفة العلوم، ص 39).

حين تقرأ بَسكال لحّود تُبدع في مواضع شتّى. تُبدع في وضع العناوين المبتكرة، ولئن سرت إليها في بعض الأحيان سماتُ الزخرف الأدبيّ. في كتابها على الشفير يقع المرء على عناوين ذاتيّة الصنع لا يعثر عليها في أيّ مكان آخر : المضطهدون بالوضوح (على الشفير، ص 65)؛ الصبر على تاريخ كسيح (على الشفير، 75)؛ الخضر إنْ تمريم (على الشفير، ص 91)؛ كيف يبرأ لبنانيٌّ من برص لبنانيّته؟ (على الشفير، 122)؛ التفلسف تحت قانون الطوارئ (على الشفير، 183). من إبداعاتها أيضاً تزخيم المعنى والدفع به في اتجّاهاته القصوى، وتخيّر المحاور الأشدّ إبرازاً لفرادة المساهمة، واستخراج الأسئلة المكتومة في المعاني الظاهرة.

أختم، وفي مَرصدي معاينةٌ وتكليفٌ وامتداحٌ. أمّا المعاينة، فتستوجب أن أنصّب بَسكال لحّود كبيرة أهل الاختصاص في الفكر الفلسفيّ المعاصر في لبنان. أمّا الاستشراف، فيستلزم أن أستطلع من على بُعد إقبال لحّود على فلسفة في العلوم تنطلق من بيروت وتنفرد بتحسّسات تُضفي على الحقل مسحةً من العبقريّة اللبنانيّة. وقد أستطلع لها أيضاً مساهمة جليلة في فلسفة نسائيّة أو نسويّة أو أنثويّة أو، بحسب العبارة الشعبيّة المستحبّة، فلسفة الجنس اللطيف ينبغي الاضطلاع بها من موقع الانتماء إلى الاجتماع اللبنانيّ. أمّا الامتداح، فيقتضي منّي أن أدفع ببَسكال لحّود إلى الشفير، شفير الإبداع. غير أنّ الإبداع له منقلبان. أراها في المنقلب الحميد إنْ هي أجادت في استثمار وزناتها، فانعتقت من سلاسل الإداريّات الرتيبة، واضطلعت بمسؤوليّات المعاينة والتكليف، فخاضت غمار التفلسف الحقّ. إنّي أعتقد الاعتقاد كلّه أنّ الإبداع الفلسفيّ الحقّ في لبنان لا يتأتّى لنا إلّا إذا أعرضنا عن الحياة اللبنانيّة دارَ مسامرة ومسايرة ومساومة، وانخرطنا في لجّة التأمّل الصافي الحصيف الرزين به ينقلب الوجود فينا وبيننا معمل جدّ وكدّ وإبداع وتألّق.