يوسف إدريس وفريدريش دورنمات... والقضية الفلسطينية

(ويكيبيديا)
سمير جريس |

بزغت شهرة الكاتب السويسري فريدريش دورنمات (1921 – 1990) في خمسينات القرن الماضي وستيناته بعد أن كتب مسرحياته الكبيرة، مثل «رمولوس العظيم» و «زيارة السيدة العجوز» و «علماء الطبيعة» و «هبط الملاك في بابل». آنذاك، لمع اسمه واحداً من أشهر كتّاب الدراما في العالم كله، وقدمت مسرحياته في كل أنحاء العالم.


أصابت العالم العربي «حمى» دورنمات في الستينات، فتُرجم له عدد كبير من المسرحيات إلى العربية (بتوقيع مصطفى ماهر وأنيس منصور وآخرين)، وقُدمت مسرحياته على خشبات المسارح العربية بنجاح متفاوت. لذلك، لم يكن غريباً أن يسعى إلى لقاء الكاتب السويسري الكاتبُ المصري يوسف إدريس (1927 – 1991) الذي بدأ قاصاً قبل أن يتجه إلى الكتابة المسرحية، وبمسرحياته «الفرافير» و «ملك القطن» و «المهزلة الأرضية» حاول أن يضع نظرية للمسرح العربي.

حدث هذا اللقاء في بيت الكاتب السويسري على ضفاف بحيرة نوشاتل في منتصف الثمانينات، ودار بين الأديبين حوار طويل، وثقّه يوسف إدريس في كتابه «عزف منفرد» الذي نُشر في دار الشروق المصرية عام 1987.

في ذلك الحوار، يقول دورنمات أن العالم الذي نحيا فيه ليس له قدر محتوم يسير إليه وينتهي بنهايته، بل هو يسير بطريق المصادفة العشوائية، لذلك لا يمكن التنبؤ على وجه الدقة بما سيحدث غداً. ويرى دورنمات أن الحتمية - حتى التاريخية منها - قد استُبدلت بالاحتمالية. وتلعب المصادفة دوراً كبيراً حقاً في أعمال دورنمات، مثلما نرى في روايته المشهورة «الوعد»، حيث يقتفي محقق شرطة آثار مجرمٍ قتلَ فتاةً صغيرةً، ويضع «بروفيل» للقاتل، وينصب فخاً للإيقاع به، لكن المصادفة تحول دون القبض عليه، إذ إن الجاني يلقى حتفه في حادث سير. يهب المحقق حياته كلها للإيقاع بالقاتل، ويظل ينتظر شخصاً لا يأتي أبداً.

في حواره مع يوسف إدريس، يتطرق دورنمات بالطبع إلى قضية الشرق الأوسط، والزيارة التي قام بها إلى إسرائيل بعد عام من اندلاع حرب 1973. كانت تلك الزيارة حدثا مهما في حياة الكاتب السويسري، وهناك ألقى محاضرات عدة لمناسبة حصوله على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن غوريون، وفيها عبّر عن رؤيته لقضية الشرق الأوسط، تلك الرؤية التي ربما كانت سائدة آنذاك بين مثقفي الغرب؛ إنه يقارن هتلر بعرفات، وينزع عن الفلسطينيين صفة «شعب»، ويقول بالحرف الواحد:

«من دون إسرائيل كان الفلسطينيون سيبقون أردنيين أو مصريين. إنهم فلسطينيون بفضل إسرائيل فحسب. ولأن عرفات يخوض في السلم حرباً، فهو يجبر إسرائيل في السلم على الحرب، ويمنح اليهود المشروعية لشن الهجمات الانتقامية على المخيمات الفلسطينية».

في لقائه مع إدريس، علّق دورنمات على زيارته تلك قائلاً (والعهدة على يوسف إدريس):

«أنت لم تقرأ كتابي عن إسرائيل، ولو كنت قد قرأته لعرفت أن أملي خاب تماماً في إسرائيل بعد زيارتها. لقد تغيرت إسرائيل كثيراً، كنت أظن في مبدأ الأمر، حين قامت إسرائيل، أنها ستصبح دولة أذكياء، حملوا معهم الحضارة الأوروبية، وسيتولون نشرها في الشرق، ولم أكن أتصور أن يتحول هؤلاء القوم الذين عانوا من الاضطهاد إلى دولة كالمؤسسة العسكرية أو ما يمكن أن نسميه (إيران اليهودية)، دولة عسكرية تقتل وتبيد». ويضيف دورنمات: «إنني أعتقد أن هناك مكاناً للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، وكان يمكن الدولتين أن تقيما معاً تجربة جديدة في بابها، دولة علمانية واحدة فيها العرب وفيها اليهود». (ص 48، 49 من كتاب «عزف منفرد»).

هذه اللغة الواضحة والإدانة القاطعة لسياسة إسرائيل التي «تقتل وتبيد» لن يجدها القارئ إلا في كتاب يوسف إدريس، ولن يعثر لها على أثر في كتاب دورنمات عن إسرائيل. هل هو خطأ في الترجمة؟ هل غيّر الكاتب السويسري قناعاته مجاملة لضيفه المصري، أو ربما اقتناعاً، وبعد مرور نحو عشر سنوات على زيارته إسرائيل؟ لا أعرف. لكن مَن يقرأ كتاب دورنمات عن إسرائيل يلاحظ أن دافع الكاتب للزيارة والكتابة - وكما هي الحال لدى معظم كتاب الغرب – هي عقدة الذنب وتأنيب الضمير تجاه اليهود لما تعرضوا له من إبادة جماعية في أوروبا. ويلاحظ القارئ أيضاً أن الكاتب لم يستقر على رأي بالنسبة إلى الصراع العربي - الإسرائيلي، وأنه ظل متأرجحاً ما بين عقدة الذنب ومحرقة أوشفيتس من ناحية، وإدانة الظلم السافر الذي يتعرض له الفلسطينيون من الناحية الأخرى. لذا، ظل يحذف ويعيد الصياغة ويضيف إلى أن تضخمت المحاضرة وصدرت عام 1976 في كتاب مستقل بعنوان «مقالة عن إسرائيل» (240 صفحة). في محاضراته في إسرائيل عبّر دورنمات مراراً عن قناعته بضرورة التعايش السلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنهى إحدى كلماته بالقول: إن على الدولة اليهودية ألا تنسى ما نسيه الجميع: «الشقيق الفلسطيني».

هذا التناقض الكبير بين آراء دورنمات الواردة في كتاب يوسف إدريس، وآرائه في مقالته عن إسرائيل، يدفعنا إلى السؤال: كيف تصلنا أقوال كتّاب العالم عبر الترجمة (الوسيطة ربما؟)، وما مدى صحة تصوراتنا عن اللقاءات التي تتم بين الكتاب العرب وأدباء العالم؟ هل لنا أن نثق في ما يكتبه هذا الكاتب أو ذاك من انطباعات عن لقائه بذلك الأديب أو بتلك الشاعرة؟ أم إن سوء الفهم (حتى وإن كان حسن النية) هو مصير مثل تلك اللقاءات، طالما أنها تحدث بترجمة وسيطة مشكوك في صحتها؟

إنني أتذكر جيداً رحلة فريدريش دورنمات إلى مصر في مطلع الثمانينات، وأتذكر لقاءه بنا، نحن طلاب كلية الألسن في جامعة عين شمس القاهرية، وكيف تحدث إلينا بلهجة سويسرية ثقيلة لا علاقة لها بما درسناه من ألمانية فصيحة، حتى أن أغلبنا خرج من اللقاء بعد بدايته بقليل. وأتذكر كذلك لقاء أذاعه التلفزيون المصري آنذاك، بين الكاتب السويسري الكبير وسميحة غالب، مقدمة إحدى البرامج الثقافية. آنذاك، قام بالترجمة الفورية مترجم من هيئة الاستعلامات المصرية، وكانت ترجمته مشوهة، مبتورة، مليئة بالأخطاء التي اكتشفناها نحن الذين كنا ما زلنا في بداية عهدنا بلغة غوته. كانت فضيحة بكل المقاييس. وعندما قرأت كتاب يوسف إدريس، تمنيت ألا يكون المترجم ذاته قد رافق الكاتب المصري الكبير في رحلته إلى سويسرا.