معضلة الاقتصاد التركي... الأسباب والتداعيات

كرم سعيد |

يواجه الاقتصاد التركي تراجعاً منذ تحول البلاد إلى النظام الرئاسي، إذ فقدت الليرة التركية ما يقرب من 25 في المئة من قيمتها أمام العملات الأجنبية، وارتفعت نسب التضخم والبطالة، ناهيك عن أن عبء الدين الخارجي يفوق 400 بليون دولار. وارتبط تراجع الليرة قبل أيام، بمخاوف المستثمرين من تداعيات عقوبات أميركية على أنقرة طاولت وزيرين تركيين، تقرر تجميد حساباتهما في أميركا، ناهيك عن مراجعة الإعفاءات الجمركية المقدمة إلى أنقرة، وهي خطوة قد تضر واردات تركيا التي يصل حجمها إلى 1.7 بليون دولار.


وعلى رغم سلسلة إجراءات عاجلة للتحايل على التباطؤ الاقتصادي، من بينها قرار البنك المركزي التركي تعديل سياسة الاحتياط بهدف تعزيز القطاع المصرفي في البلاد إضافة إلى قرار إرسال وفد تركي إلى واشنطن لمعالجة الملفات الشائكة. كما روجت نخب الحكم في تركيا لفكرة وجود مؤامرة خارجية لضرب الاقتصاد التركي. في غضون ذلك وصل العجز في الميزان التجاري التركي وفق تقرير المفوضية الأوروبية إلى 8.8 في المئة في نهاية أيار(مايو) الماضي مقارنة بـ5.6 في المئة في العام 2017، كما حلت تركيا محل الأرجنتين كونها السوق الأسوأ أداءً للسندات بالعملة المحلية، بعد تراجع الليرة إلى مستوى قياسي، وفقاً لمؤشرات «بلومبيرغ باركليز».

في هذا السياق، طالب الرئيس التركي مواطنيه بتحويل مدخراتهم بالعملات الأجنبية إلى الليرة، بعد رفع سعر الفائدة، وتحجيم فاتورة الاستيراد. وتقترب تركيا من تشكيل وكالة تصنيف ائتمانية محلية، بعد أن أنشأت أخرى دولية، في ظل نشر وكالات أجنبية مؤشرات سلبية حول الاقتصاد التركي. غير أن ذلك لا يبدو كافياً للقفز على التباطؤ الاقتصادي؛ لاستمرار تنامي الصراع بين الرئيس، والبنك المركزي، وإصرار أردوغان على التدخل في رسم السياسة النقدية بعد فوزه في الانتخابات. ويشار إلى أن الرئيس التركي تعهد قبيل العملية الانتخابية ببسط سيطرة أكبر على البنك المركزي، ما أدى إلى انهيار في سعر صرف الليرة، وتوجه قطاع كبير من المستثمرين الأجانب إلى سحب أموالهم من الأسواق التركية. كما توجه أردوغان نحو تقليص المجموعة الاقتصادية، وقصرها على أهل الثقة بهدف تحقيق مزيد من السيطرة على مفاصل السياسة النقدية، وفي ذلك السياق جرى تعيين صهر الرئيس بيرات البيراق وزيراً للمال، فتراجعت قيمة الليرة التركية بنحو3 في المئة بعد يوم فقط من توليه هذا المنصب، كما تراجعت البورصة وارتفع سعر الفائدة على سندات الخزينة إضافة إلى تصاعد قلق المستثمرين نتيجة غياب وجوه معروفة من مؤيدي اقتصاد السوق، ومنهم نائب رئيس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية محمد شيمشك. خلف ما سبق، ثمة ضعف للمركز الخارجي لتركيا ومتطلبات الاستدانة ناهيك عن تركيز السلطات النقدية التركية على إجراءات قصيرة الأجل على حساب سياسة نقدية فعالة وإصلاح اقتصادي جوهري، وهو ما أدى إلى إخفاق الحكومة في علاج تفاقم معدل التضخم وتراجع الليرة. وحذر خبراء من أن حكومة تركيا قد تلجأ إلى فرض قيود على رؤوس الأموال إذا زادت أوضاع الاقتصاد سوءاً، ويمثل هذا التوقع أمراً مخيفاً في بلد يعانى عجزاً متزايداً في الحساب الجاري، ويعتمد بشدة على التمويل الخارجي.

وهناك كذلك تراجع ملحوظ في ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد التركي، وبدا ذلك في تحذير صندوق النقد، من أخطار ارتفاع معدل التضخم نتيجة عدم رفع سعر الفائدة. ويضاف إلى ما سبق عامل التوترات الإقليمية، وآليات تعاطي الحكومة التركية معها. وهناك أيضاً استمرار التصعيد ضد الأكراد في جنوب شرقي تركيا، وغياب المشاريع التنموية، ما فاقم الفقر والبطالة، ووفّر بيئة خصبة لتنامي العنف. صحيح أن تقلبات سعر الليرة لا تعكس بدرجة كبيرة حال الاقتصاد التركي، الذي حقق نمواً بنسبة 7.4 في المئة في العام 2017 ليتجاوز توقعات المؤسسات العالمية، كما أن السوق التركية لم تتوقف عن جذب استثمارات أجنبية مباشرة في كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية على رغم تباطؤ النمو العالمي والتوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، إلا أن الاستمرار في تراجع قيمة الليرة قد يؤدي إلى تآكل في قدرات البلاد الاقتصادية.

القصد أن الإجراءات التركية العاجلة للتحايل على الأزمة الاقتصادية قد لا تكون كافية، حيث يتوقف تحقيق الاستقرار والقفز على التباطؤ الاقتصادي على مجموعة من العوامل أولها معالجة حالة الاحتقان السياسي، وتفعيل دور المؤسسة القضائية تجاه قضايا المعتقلين والمفصولين منذ الانقلاب الفاشل في تموز (يوليو) 2016، من دون سند قانوني. وثانيها رفع رئيس الدولة الوصاية عن سياسات البنك المركزي، وعودة الوجوه التي تحظى بثقة المستثمرين الأجانب. أما العامل الثالث فيتوقف على مدى اتجاه الحكومة الجديدة نحو تطبيق سياسات اقتصادية يمكن أن تفرض تداعيات إيجابية وتوفّر بيئة حاضنة للاستثمارات من جهة، ومن جهة ثانية تمنح المؤسسات الاقتصادية في الداخل أريحية في اتخاذ إجراءات سليمة تعزز الثقة الدولية في بيئة التشغيل في تركيا. أما العامل الأخير فيرتبط بإعادة تركيا النظر في توجهات سياستها الخارجية، والبعد عن التدخل في شؤون دول الجوار.

* كاتب مصري