«المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» لنيوتن: العقل يغوص في حقائق الوجود

ابراهيم العريس |

لعل أطرف ما في تاريخ الاكتشافات العلمية أن كل واحد منها يرتبط بحكاية تنتمي أصلاً إلى الحياة اليومية، لتتحول مع مرور الزمن، إلى ما يشبه الأسطورة. صحيح أنه غالباً ما يُكشف الستار لاحقاً عن أن الحكاية مختلقة ولا تمت إلى الواقع الحقيقي بأيّ صلة، لكن الناس لا يستسيغون هذا «الفضح» بل يصرون على حقيقية الحكاية لأنها تناسبهم أكثر وتسهّل عملية تعاملهم مع النظرية – أو الفرضية – العلمية التي كانت قد ساهمت في إيصالها إليهم. ومن المعروف أن حكاية اكتشاف وجود الجاذبية الأرضية، لا تشذ عن هذا المعتقد السائد، حيث تقول الحكاية إن «اكتشاف» العالم الإنكليزي إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية، بدأ حين كان جالساً في حديقته يتأمل، تحت أشجار التفاح، في أحوال العلم والعالم، فإذا بتفاحة تسقط من على غصن شجرة. ولمع ذهن العالم الشاب مع سقوطها. قال في نفسه متسائلاً: لماذا سقطت التفاحة إلى أسفل، وليس إلى أعلى أو إلى أية جهة أخرى. وهكذا أعمل الرجل فكره وراح يمعن درساً وحساباً حتى توصل إلى ذلك القانون الذي سيجعل من «اكتشافه» واحداً من أكبر ما حققه العلماء في تاريخ البشرية.


> لكن هذه ليست سوى حكاية أولى تتعلق بنيوتن، حيث ثمة في الحقيقة حكايات كثيرة يتم تداولها في شأنه، ومنها تلك الحكاية الثانية التي تقول إن نيوتن نفسه، إذ كان ذات يوم شتائي صاح، يتأمل قوس قزح الذي رسمته رطوبة الجو، أدرك بعد تفكير عميق، ونظرة تجريبية أن «اختلاط ألوان قوس قزح في بعضها ببعض هو الذي يولّد اللون الأبيض». وهنا أيضاً أوصله ذلك إلى استنباط قانون تكسّر اللون، خصوصاً بعد أن صنع تلك الإسطوانة الملونة التي راح يديرها بسرعة فإذا بألوانها تختلط منتجة لوناً أبيض. ونتذكر هنا طبعاً أن هذه الإسطوانة قد عرفت على مدى التاريخ باسم «إسطوانة نيوتن».

واضح أن الخيال الإبداعي يختلط في هاتين الحكايتين بقسط لا بأس به من التعقّد العلمي لينتجا معاً ما يمكن النظر إليه على اعتباره تسهيلاً لفهم العامة للقضايا العلمية، وذلك لأن العلم، على رغم كونه الأقرب إلى الإهتمام البشري في حراكه اليومي، يبقى الأكثر صعوبة على فهم العامة الذي يُطلب منهم، كما الحال في شؤون الدين، أن يؤمنوا من دون تمحيص وتساؤلات. غير أن الخيال الذي استنبط حكايتي نيوتن هاتين، لا يبدو على أي حال متعارضاً مع حقيقة أن العالم والمستكشف العلمي الإنكليزي الكبير قد تمكن، عبر عمل دؤوب وجهد خارق، من العثور على بعض أهم القوانين العلمية في المجالات الكثيرة التي خاضها، مثل مجال دراسة الضوء والجاذبية، والعلاقة بين الكواكب والأجرام والدينامية، وغير ذلك من أمور خاض فيها ذاك الذي يمكن اليوم لزائر جامعة كامبريدج، أن يجد عبارة محفورة على تمثاله تقول إنه «تجاوز النوع البشري بقوة فكره».

> خاض نيوتن في الكثير من الشؤون العلمية، كما نعرف، وأكد مراراً وتكراراً مركزية الإنسان في الكون، وعارض ديكارت في بعض أهم نظرياته، وأكمل عمل كبلر وغاليليو. صحيح أن نيوتن قد وضع الكثير من الكتب والدراسات، ولكن يبقى كتابه «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية»، أهم كتبه، لأنه تمكن من أن يلخص في أجزائه الثلاثة أفكاره وتجاربه الكثيرة، ويثبت الكثير من القوانين والقواعد. صحيح أن معظم هذه كان معروفاً وموضوعاً للدراسة منذ الإغريق وحتى منذ العصور الفرعونية في مصر، وأن عصر النهضة عاد وطور تلك القوانين والقواعد معقلناً إياها، غير أن جهد نيوتن كان إضافة مهمة إليها، وقوننة لها. ولعلنا لا نكون مبالغين إن قلنا إن واحداً من أهم مساهمات نيوتن كان تبسيط تلك القوانين التي كانت قلة في زمنه والأزمان السابقة عليه قادرة على فهمها. وبالتالي كان المجتمع ككل عاجزاً عن تصور حقيقتها على رغم تعامله اليومي معها. ولنتذكر هنا كيف أن العالم هيغنز نفسه، والذي عاصر نيوتن، وكان من ألمع الأذهان في زمنه، كان لا يفتأ، قبل شروحات نيوتن، يقول إن نظرية الجاذبية ليست أكثر من هراء.

> وضع إسحاق نيوتن كتابه «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» منتصف ثمانينات القرن السابع عشر، ونشره في لندن في عام 1687، ليعتبر منذ ذلك الحين «واحداً من أكثر الأعمال العلمية عبقرية في التاريخ الإنساني». والكتاب، كما أشرنا، يتألف من ثلاثة أجزاء تسبقها مقدمة للمؤلف، يشن فيها هجوماً عنيفاً ضد خواء الدراسات الأكاديمية، مقترحاً أنه في كتابه سيطبق الحسابات الرياضية على دراسة الظواهر الطبيعية. وفي الجزءين الأول والثاني من الكتاب، راح، وفق ما يعرض ج. د. برنال صاحب كتاب «العلم في التاريخ»، يمعن في تحليل الكثير من الأمور والظواهر والقوانين، إلى جانب دراسته المعمقة لقوانين حركة الكواكب. وكان «هدفه الأساس»، وفق برنال «إثبات أو شرح كيف أن الجاذبية الأرضية تستطيع الحفاة على نظام الكون». وهو «أراد أن يوضح ذلك ليس من طريق الفلسفة القديمة ولكن بطريقته الكمية الفيزيائية الجديدة». ويرى برنال أنه كان على نيوتن، للوصول إلى ذلك، أن ينجز مهمتين ضروريتين: تتمثل أولاهما في «هدم جميع الأفكار الفلسفية القديمة والحديثة»، فيما تتمثل ثانيتهما «في ترسيخ أفكاره ليس فقط لصحتها ولكن لأنها الأكثر ثقة في مجال تحقيق الظواهر المختلفة». ويؤكد برنال هنا أن «نظرية الجاذبية الأرضية» التي «اكتشفها» نيوتن و «إنجازاته الأخرى في العلوم الفلكية، تمثل آخر الحلقات في سيرورة تأكيد الصورة التي رسمها أرسطو للكون، تلك السيرورة التي كان كوبرينكوس هو الذي بدأ في رسمها. وهكذا، بعدما كانت الصورة الأولية تحدثنا عن أن الكواكب تتحرك بفضل «المحرك الأول أو بالملائكة بأمر من الخالق»، صارت الصورة الجديدة صورة سيرورة «ميكانيكية تصل تبعاً لقوانين طبيعية لا تحتاج إلى قوى دائمة ولكن تحتاج إلى العناية الإلهية لخلقها ودورانها في أفلاكها». وهكذا تمكن نيوتن في التفاف ذكي، من أن يترك «الباب مفتوحاً لضرورة وجود العناية الإلهية من أجل استقرار النظام الفلكي». ومن الملاحظ أن ذلك الفكر «التصالحي» - وفق بعض الدارسين - جاء في وقت انتهت فيه «المرحلة الهدامة لعصري النهضة والإصلاح، وبدأت مرحلة وفاق وتراض بين الدين والعلم».

> هذا بالنسبة إلى الفكر الذي يسيطر على الجزءين الأولين من الكتاب، أما في الجزء الثالث فإن نيوتن يتوصل إلى الاستنتاجات الفلسفية، ومن هنا يسمي هذا الجزء «أنظمة العالم». وفيه يجدد المبادئ الفلسفية الأربعة التي ينبغي أن يستلهمها، في رأيه، كل بحث وعمل في مجال العلوم الفيزيائية. وهكذا نجده هنا مطبقاً على نظام العالم، المبادئ الفلسفية التي حددها في مقدمة الجزء الأول. وهذا ما يجعل مؤرخي العلم يقولون إنه «على رغم أن أعظم اكتشافات نيوتن هو اكتشافه قوانين الجاذبية الأرضية، انطلاقاً من دراسة ديناميكية حركة الكواكب، إلا ان أثره الأكبر في العلم كان في إيجاده الطرق العملية التي استخدمها لتحقيق النتائج. فحساب التفاضل والتكامل، الذي أوصله إلى ذروته، أعطى العالم طريقة عملية للانتقال من التغير الكمي للأشياء الى الكم نفسه والعكس بالعكس، كما قدم الطرق الرياضية الدقيقة الموصلة إلى حل المسائل الفيزيائية. وهو إذ وضع قوانين الحركة التي لم تربط الحركة بالقوة فقط، بل ربطت القوة بتغير الحركة أيضاً، قضى نهائياً على البديهيات القديمة التي كانت تعتقد أن القوة ضرورية لاستمرار الحركة من دون اعتبار لدور الاحتكاك» (برنال).

> ولد إسحاق نيوتن، العام 1642 في وولستورب ببريطانيا، ومات العام 1727 في كنزنغتون. تحدر من عائلة بورجوازية ريفية، لكنه عاش يتيم الأب إذ إن أباه مات قبل ولادته. وفي صباه أرسل إلى كامبريدج للدراسة. غير أن الانعطافة الأكبر في حياته كانت في لقائه أستاذ الرياضيات إسحاق بارو والذي احتضنه مقدراً مواهبه ومكنه من الارتقاء في السلك الجامعي. وداخل ذلك السلك راح نيوتن يخوض، أولاً في علم البصريات ثم الفيزياء، في وقت وقع تحت تأثير جماعة هراطقة قادته إلى التعمق في دراسة الفلسفة. وهذا ما جعله يمزج العلم بالفلسفة، ويقرأ كثيراً. ودرس أعمال غاليليو، خصوصاً، ومكنه ذلك من الإمعان في دراسة الجاذبية لترسيخ قوانينها. وهو إذ عارض الكثير من نظريات ديكارت، دخلت التاريخ تلك المساجلات التي كان همها معرفة من كان الأول في الوصول إلى استعمال قانون التفاضل والتكامل، نيوتن أو ليبنتز.