«تعويضات» تطالب بها إيران

مشرق عباس |

ابتداء، ليس هناك أي بند في أي قرار دولي يتعلق بالحرب العراقية – الإيرانية يخص التعويضات عن تلك الحرب، كما أنه ليس هناك حتى أي تداول رسمي إلى اليوم حول هذا الموضوع، والقرارات الدولية المتعلقة بالحرب ليست سراً ليتم اكتشاف بعضها بين الحين والآخر على يد هذا النائب أو ذلك المسؤول الإيراني، بل هي نصوص معلنة تبدأ بالقرار 517 لعام 1980 وتنتهي بالقرار 685 في 1991، حيث أغلق الملف.


وهذه المقدمة تحاول توضيح أن ما استندت اليه نائب الرئيس الإيراني معصومة ابتكار وقبلها النائب محمود صادقي، إضافة إلى تصريحات عدة سبقتهما في السياق ذاته، وهو دعوة الحكومة العراقية إلى دفع تعويضات عن تلك الحرب، يمثل وجهة نظر إيرانية خالصة، ولا يمت بصلة إلى أي قرار دولي، كما أنه لا ينتمي إلى أي سياق قانوني مُقَرّ، ولا يفسَّر سوى بأن الأجواء التي صاحبت غزو الكويت ومهّدت للغة دولية قاسية تجاه النظام السابق، كانت مناسَبة لمطالبة إيران بتعويضات حينها. ولا ضرورة لتفسير القرارات الدولية ذات الصلة والتدقيق فيها، لكن من الضروري التدقيق في مناسبة التصريحات الإيرانية الأخيرة، التي تأتي في أجواء تشديد الولايات المتحدة العقوبات على إيران، وإعلان العراق التزامه بها مع تأكيده الوقوف مع الشعب الإيراني. يبدو أن الموقف الرسمي العراقي استفز الجانب الإيراني، وربما كان المتوقع أن يقرر العراق تقاسم آثار العقوبات مع إيران، وأن يُفلس مصرفَه المركزي، أو أن يرفض بيع نفطه تضامناً مع «الجيران».

للتذكير، فإن موقف الشعب العراقي ثابت ولا يتغير من مفهوم العقوبات الاقتصادية ورفضها، ويتعلق الامر بالآثار الكارثية التي تركها الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينات القرن الماضي، وأن من حق العراق -بسبب ما ترتبه العقوبات الإيرانية على مصالحه- المطالبة باستثناءات تفضيلية ومعاملة خاصة.

لكن يبدو أن بعض القيادات الإيرانية لا ترغب بفهم الضرورات العراقية، فالسيدة ابتكار مثلاً، تبدو مقتنعة تماماً بـ «البروباغاندا» التي روجت لها وسائل إعلام عربية وحاولت وسائل إعلام إيرانية تكريسها، بأن العراق لن يكون أكثر من ضيعة إيرانية، الأكثر أنها فهمت حقاً أن بلادها قد وقفت مع العراقيين وأنقذت بلادهم من الضياع، وربما اقتنعت -بحكم كونها بعيدة من صلب مطبخ اتخاذ القرار الإيراني- أن بلادها قدمت تضحيات من أجل شيعة العراق، وقد تكون مصدومة فعلاً بكلام رئيس الحكومة العراقية عن الالتزام بالعقوبات الأميركية، حتى أنها قد تكون وقعت تحت تأثير طروحات مستشار الرئيس علي يونسي حول الإمبراطورية الفارسية التي تستعيد نفسها!

لكن ما تجهله نائب الرئيس المحسوبة على الإصلاحيين، ليس فقط أن التعويضات حول حرب العراق لم تكن أكثر من دعاية إيرانية داخلية، بل أنها تجهل حقيقة تدخل بلادها في الشأن العراقي بعد العام 2003 ومدياته وآثاره، كما تجهل موقف العراقيين، شيعتهم قبل سنتهم، من تبعات هذا التدخل، والتجربة السياسية الفاشلة والفاسدة التي أنتجها.

لا غرابة في أن الإصلاحيين في إيران أكثر حساسية تجاه العراق من محافظيه الذين يمتلكون أسرار السياسة الإيرانية للسنوات الماضية، فالإصلاحيون مقتنعون تماما بأن ثروة بلادهم يتم تبديدها للدفاع عن العراق ودول أخرى في المنطقة، وبعضهم يهاجمون المنهج الحالي للنظام من هذه الزاوية، حتى أن الرئيس السابق أحمدي نجاد انضم إلى طابور المعترضين، لولا أنه يفهم جيداً مقدار الأذى الذي لحق بالشعب العراقي جراء التدخل الإيراني في شؤونه، وأن نظرية الدفاع المقدس عن العراق ليست أكثر من خرافة أخرى كخرافة تعويضات الحرب التي يطلق عليها في إيران «حرب الدفاع المقدس»!

للحقيقة وجوه متعددة، لا يراها الغاضبون من الموقف العراقي في إيران، خصوصاً في الشق الإصلاحي، بينما يراها المحافظون جيداً، لأنهم يعرفون بواطن الأمور أكثر مما يعرف الزعماء العراقيون أنفسهم، واحدة من هذه الأوجه أن العراق كما تركته سنوات الاحتلال الأميركي والنفوذ الإيراني محطماً، لا يمتلك في الأساس خيار المفاضلة بين قبول العقوبات أو رفضها، والأخرى أن قضية «التعويضات» ليست حتى ورقة ضغط، فإيران تمتلك أوراق ضغط وتهديد في العراق أكبر بكثير من هذه القضية الميتة.