هل يمكن الفصل بين تركيا - أردوغان و «الأقليات العثمانية» في البلقان؟

محمد م. الأرناؤوط |

يتردّد الحديث، في الشهور الأخيرة، في الصحافة وتصريحات المسؤولين والمتخصصين في بروكسيل وواشنطن والعواصم البلقانية، عن «القلق» من انتشار نفوذ تركيا الأردوغانية، وبخاصة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي منحت الرئيس أردوغان سلطات واسعة مع التحول إلى النظام الرئاسي. ولكن هنا تختلف النظرة إلى تركيا الدولة بميراثها الأتاتوركي وتركيا الأردوغانية بأجندتها في المجال العثماني السابق (ومن ذلك البلقان)، وبخاصة بعد تقاربها الأخير مع روسيا التي أصبحت ترتبط معها في مناكفة الاتحاد الأوروبي، وذلك بحسب النخب السياسية وخلفياتها الثقافية والاثنية. فهناك نخبة قومية علمانية لها تأثيرها الكبير في المجال الأكاديمي والثقافي والصحافي حساسة للغاية من الماضي العثماني (الذي يبدو سلبياً في نظرها) والحاضر الأردوغاني، وفي المقابل هناك نخبة مرتبطة بتركيا الأردوغانية لاعتبارات اثنية وثقافية ومصلحية تسعى إلى الترويج لتركيا الأردوغانية في كل المجالات، ما يخلق صورتين متناقضتين ولكنه يطرح سؤالا مهما: هل يمكن الفصل بين تركيا الدولة بحضورها التاريخي وبين تركيا الأردوغانية بأجندتها الخاصة؟

ويبدو هذا مثلاً في ما صاحب زيارة وزيرة الدفاع الألبانية أولتا جاتشكا واشنطن واجتماعها مع وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس في مطلع الشهر الجاري. فقد عرضت جاتشكا على ماتيس أن تقيم الولايات المتحدة قاعدة جوية وبحرية في ألبانيا «للحد من انتشار النفوذ الروسي والتركي والايراني..»، في حين أن الجريدة الألبانية المعروفة بتحسّسها من تركيا الأردوغانية «اكسبرس» نشرت عرضا لزيارة وزيرة الدفاع مع مانشيت يقول «أولتا ماتشكا طالبت بكبح النفوذ التركي في ألبانيا» (عدد 6/8/2018).

السيدة ماتشكا وزيرة في حكومة يسارية بالكامل للحزب الاشتراكي (وريث الحزب الشيوعي) برئاسة إدي راما، الذي وصل النفوذ التركي في عهده إلى ذروته مع وجود 400 شركة تركية تعمل في ألبانيا، ولذلك فقد كان الوحيد من دول أعضاء حلف الناتو الذي حضر مراسيم تنصيب أردوغان رئيسا جديدا لتركيا الجديدة (بنظامها الرئاسي). ولكن في المقابل هناك في ألبانيا وجود قوي في مجال التعليم وزعامة المؤسسة الدينية لأتباع أو مؤيدي الداعية غولن، وهو من أيام «شهر العسل» بين غولن واردوغان الذي امتد حتى 2013. ولذلك في ألبانيا معارضة قوية لأي خطوة حكومية تحت ضغوط تركيا الأردوغانية للحد من هذا «الوجود التركي» المعارض لأردوغان ونظامه الرئاسي الجديد.


حالة نائب الوزير والسفير في كوسوفو ومقدونيا الشمالية

مع أنه لا توجد في ألبانيا أقلية تركية من الحكم العثماني الطويل الذي امتد نحو 500 سنة إلا أن هذا الوجود للأقليات التركية يظهر كلما اتجهنا نحو الشرق وصولاً إلى تركيا، أي عبر كوسوفو ومقدونيا الشمالية وبلغاريا، كما يتدرج حجم هذه الأقليات كلما اتجهنا من الغرب إلى الشرق من أقل من 1 في المئة في كوسوفو إلى نحو 10 في المئة في بلغاريا.

ولكن النفوذ التركي لا يتعلق بحجم الأقلية بمقدار ما يتعلق بالدعم الذي أصبحت تحظى به هذه الأقليات بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا. فتركيا الأتاتوركية كانت ترحب بهجرة هذه الأقليات إلى تركيا لدعم «الدولة القومية» هناك، على أن الأمر اختلف مع «العثمانية الجديدة» كما عبّر عنها أحمد داود أوغلو في «العمق الاستراتيجي». فقد أصبح التوجه الآن يقوم على إبقاء هذه الأقليات ودعمها في مكانها وربطها بالتراث السلجوقي/ العثماني هناك لكي تكون داعمة للانتشار التركي الجديد من حدود الصين إلى ساحل الأدرياتيكي. وفي هذا الإطار، تضاعفت مرات عدة موازنة الوكالة التركية للتنمية (تيكا) وانصبت المساعدات لترميم كل ماله علاقة بالتاريخ العثماني في البلقان وتقديم المنح لالاف الطلاب الراغبين في الدراسة في تركيا....

في هذا السياق، بقيت هناك مهمة صعبة ألا وهي تعديل الصورة السلبية للحكم العثماني أو تغييرها في الكتب المدرسية والأدب والصحافة والأفلام. فنظرا لالى الوجود المؤثر للنخبة القومية العلمانية في المجال الأكاديمي والثقافي والصحافي تبدو صورة الحكم العثماني سلبية للغاية من الكتب المدرسية إلى الإصدارات الأكاديمية والروايات والمسرحيات. وفي هذه الحال، استثمرت تركيا في ربط الأقليات التركية بها وفي جذب جيل جديد للدراسة في الجامعات التركية لكي يعود وينشر صورة مختلفة عن الحكم العثماني.

في هذا تبدو حال نائب وزير الخارجية الكوسوفية والسفير الكوسوفي في جمهورية مقدونيا الشمالية شديدة الدلالة حول ما يتغير في هذا المجال. فقد كان جيرج ديداي (1954) على رأس حزب صغير (الحزب الليبرالي الكوسوفي) ودخل الحكومة مرات عدة نائباً لوزير الثقافة ثم الادارة المحلية، وأخيراً في أيلول/ سبتمبر الماضي نائباً لوزير الخارجية ضمن تحالفات الحكومة الحالية التي يقودها راموش خيرالدين وكان خير الدين، العلماني الذي يعترف جهاراً أنه لم يدخل جامعاً في حياته، تعرض إلى حملة شرسة من الصحافة الأردوغانية التي ركزت على شربه للخمر لأنه انتقد تصرف الأجهزة التركية بـ «خطف» ستة معارضين من أتباع الداعية غولن كانوا يعملون في كوسوفو من دون علم الحكومة الكوسوفية (انظر موقع «درج» 30/3/2018). ومن هنا لم يكن مستغرباً أن يقول نائب وزير الخارجية جيرج ديداي في مناسبة ما أن تركيا العثمانية كانت «شريرة» وتمثل أسوأ حكم بالنسبة للألبان (جريدة «زيري» 29/7/2018).

ولكن هذا التصريح الذي لا يختلف كثيراً عما هو موجود في كتب التاريخ المدرسية الكوسوفية، أثار عاصفة ضده من الأقلية التركية التي طالبت بتنحيته عن منصبه. فقد طالب مصطفي سربيتس- شينيك عضو البرلمان الكوسوفي عن الأقلية التركية رئيس الحكومة راموش خير الدين بإقالة نائب الوزير عن منصبه فورا وهدّد، إذا لم يتحقق ذلك، بالانسحاب من الائتلاف الحكومي ما يهدد الحكومة بسقوطها. وفي اليوم ذاته، نشرت الصحافة الكوسوفية أن مدير الشؤون الإقتصادية والمالية في بلدية بريزرن (مركز الولاية العثمانية التي تتمركز فيها الأقلية التركية) هدد برفع دعوى ضد نائب الوزير لـ «إثارة الكراهية» الاثنية (جريدة «كوها» 1/8/2018).

في هذه الحالة آثر رئيس الحكومة امتصاص احتجاج الأقلية التركية وعدم إغضاب الأقلية الكاثوليكية التي ينتمي إليها نائب الوزير (حوالى 3 في المئة)، فصدر قرار بتعيين نائب الوزير سفيراً لكوسوفو في جمهورية مقدونيا الشمالية. ولكن الحملة ضد السفير ديداي انتقلت الآن من أتراك كوسوفو إلى أتراك مقدونيا (حوالى 4 في المئة). فقد طالب حزب «حركة الأتراك» في رسالة مشتركة إلى رئيس الجمهورية جرجي ايفانوف ووزير الخارجية نيقولا ديمتروف بعدم قبول أوراق اعتماده لأن وجوده في جمهورية مقدونيا سيؤدي إلى «توتر العلاقات الإثنية في البلاد». ومن ناحية أخرى، ذهب هادي عثماني عضو الحزب الاجتماعي الديموقراطي الحاكم إلى وصف السفير ديداي بأنه «فاشستي»، ولذلك سيطالب رئيس الحكومة زوران زائيف بعدم قبول أوراق اعتماده (جريدة «كوها» 7/8/2018).

ومن الواضح أن «المواجهة» ستتواصل نظراً إلى ما يعنيه ذلك لكل معسكر. فبالنسبة إلى الحكومة الكوسوفية سيكون من المحرج جداً أن تقوم بسحب السفير، لأن ما قاله لا يختلف كثيراً عما هو موجود في الكتب المدرسية الكوسوفية، وهو ما يسمح بنقل «المواجهة» إلى مجال آخر (الكتب المدرسية). فقد طالبت الحكومة التركية منذ 2012 بمراجعة الكتب المدرسية الكوسوفية وحذف ما يسىء إلى الدولة العثمانية، وهو ما أثار في حينه معارضة كبيرة منعت الحكومة الكوسوفية من القبول بذلك.