سؤال الأمن والاستقرار إذ يؤجّل الحاجة إلى الديموقراطية

موسى برهومة |

كلما أمعن العالم العربي في أزماته وانشطاراته التي لا يبدو أنّ هناك نهاية منتظرة لمآلاتها، ينكشف حنين غامض إلى زمن الطغاة الذي كانوا يحكمون بلادهم بالنار والفساد والحديد، قبل ثورات الربيع العربي التي انحرفت في غالبيتها عن مساراتها، وبيّنت عن عفن تاريخي عمره أكبر من عمر الدول ذاتها، ويبدو أنه متوارث في الجينات السياسية لأهل الحكم والناس على حد سواء.


ليبيون يحنّون إلى معمر القذافي حنينَ المحبّ الولهان، وعراقيون، بينهم يساريون وشيوعيون، يترحّمون على زمن «القائد» صدام حسين، وكذا الأمر مع زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، وعلي عبدالله صالح. ولا يختلف الأمر كثيراً مع من يعتبرون بشار الأسد خياراً ومخلّصاً لضمان عدم ضياع سورية وتمزيقها، كأنّ «سورية الأسد» الآن جنة غنّاء عامرة بالاستقرار والعيش الرغيد!

الديموقراطية التي كانت شعاراً أولياً رفعته ثورات الربيع الأولى لاستعادة العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، تتأكّل الآن، بعد جني ثمرات خريف عصف بالعالم العربي، وأرهقه واستنزفه اقتصادياً، وجعل «ثوار» الربيع العربي عاطلين من العمل والأمل في وقت واحد، وبدت العودة إلى استنهاض الديموقراطية، أو في الأقل الانفراج الديموقراطي أمراً عصياً، لأنّ الفتق صار أكبر من قدرة الراتق، وهذا ملمح يثير الخطر في اتجاهات كثيرة، أوّلها ما يلاحظه المراقب من طمأنينة بعض الأنظمة التي روّجت لخيار الاستقرار أو الدمار، فأقنعت شعوبها بأنّ الخبز مقدّم على الديموقراطية، بل ذهب بعض التائهين إلى هجاء الديموقراطية باعتبارها منصة لخراب البلدان وتدمير العمران.

بيْد أنّ الملمح الثاني الذي يمكن التقاطه في هذه القنطرة الملتبسة من حياة العالم العربي، أنّ ما مِن أحد تعلّم أنّ الأمن تلزمه، على المدى البعيد، تنمية اجتماعية واقتصادية تجعل هجّائي الديموقراطية، أو عدم الميّالين إلى اعتناقها سبيلاً للحل، يشعرون بأنّهم في منأى من الحاجة والفاقة والحرمان والقلق من المستقبل، وهي مؤشرات تعصف بغالبية البلدان العربية التي يشكل الشباب عصبها الرئيسي.

ويقود هذا الملمح إلى آخر ثالث يتجلّى في انفصال السلطات العربية الحاكمة عن الواقع، وعدم إصغائها العميق للبراكين الموّارة تحت جمرة ربيع مخطوف لم تنطفئ جمراته، إذ يبدو أنّ تلك السلطات تبصر الرماد فقط، ولا تعلم أنّ أي عاصفة مقبلة قد تعيد الحريق، وربما على نحو أعنف. فماذا فعلت الأنظمة كيلا تدفع بلدانها إلى ثورات تنتقل الآن شراراتها بالعدوى، ولن يسلم من نيرانها أحد، إلا من حصّن نفسه بخطط واضحة واستراتيجيات قريبة وبعيدة المدى، لانتشال الشباب العربي من أنياب البطالة التي تدفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة، وتترك السواد الأعظم منهم فريسة التطرف والفوضى والعدم، لا سيما حين لا يبقى للإنسان ما يخسره، وتلك لحظة انفجارية عنيفة لطالما حذّرنا منها ولا نزال.

لا يتعيّن، وهذا ملمح رابع، أن يعلو سؤال الأمن والاستقرار على الحاجة إلى الديموقراطية، لأنّ الأخيرة هي المولّد الحقيقي للأمن والاستقرار والعدالة والكرامة والتقدم والرفاهية. الدول لا تدار بعصابة أو نخبة متحكمة، ولا تمكن السيطرة عليها إلى الأبد من خلال نظام عائلاتي أو عشائري أو طبقي يستثني الجميع من المشاركة في صناعة المستقبل.

حصة كل مواطن في بلده وفق مبادئ العدل هي التي تحمي الأوطان من العواصف مهما كانت عاتية. ويمكن المرء أن يستطرد في هذه النقطة ويولّد أفكاراً كثيرة منها، لكنّ الخشية من الوقوع في الإنشاء والبلاغة والوطنيات، تحول دون ذكر ما أضحى معروفاً ومتداولاً، وفي متناول من يريد أن يعرف كيف قامت الحضارات، وكيف أصبحت في ذمة الأفول!