عدوّنا المشترك: العلاقة المُلتبسة بين «القاعدة» والقبائل اليمنية

ندوى الدوسري |

يُلقى أحياناً باللائمة على القبائل التي تُحمَّل، على نحو خاطئ، مسؤولية انتشار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب داخل اليمن. تزعم النظرة السائدة أن التنظيم المتطرّف ضارب الجذور في النسيج القبلي والاجتماعي في البلاد، وأن القبائل تؤمّن له حمايةً وملاذاً آمناً. ومنذ اندلاع الحرب اليمنية في أيلول (سبتمبر) 2014، فُسِّرت العلاقة بين التنظيم والقبائل من منظار مذهبي، من منطلق أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يحارب إلى جانب القبائل السنّية ضد الحوثيين الشيعة.


محافظة البيضاء هي من المناطق حيث ازداد نشاط تنظيم القاعدة في جزيرة العرب منذ أواخر 2014. ينخرط التنظيم في النزاع ضد جماعة أنصار الله الزيدية - الشيعية المتمرّدة المعروفة باسم الحوثيين، ما عزّز الاعتقاد بأنه أقام تحالفاً مع القبائل المحلية. واقع الحال أنه قبل النزاع في اليمن، ساهمت القبائل إلى حد كبير في تعطيل قدرة التنظيم على التوسّع وكسب النفوذ. لم يكن تعاطف القبائل المزعوم مع التنظيم هو السبب في انتشار الفوضى وتأجيج المظالم وهَتك الأعراف القبلية ومفاقمة الظروف التي أعطت تنظيم القاعدة مجالاً لكسب القوة، بل يُعزى ذلك إلى الهجوم الذي قام به الحوثيون والقوات الموالية للرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح على محافظة البيضاء.

إن الاعتقاد الخاطئ حول تعاون القبائل مع تنظيم القاعدة قد يعود إلى كانون الثاني (يناير) 2012، عندما استولى طارق الذهب، نجل أحد المشايخ البارزين في قبيلة قيفة في البيضاء، على القلعة التاريخية ومسجد العامرية وسط مدينة رداع (على بعد نحو 140 كلم أو 90 ميلاً جنوب العاصمة صنعاء) بمساعدة عشرات المقاتلين من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. طلب طارق الذي عاش في صنعاء طيلة حياته، المساعدة من التنظيم لاستعادة مكانته داخل عشيرة آل الذهب. وكان السبب أن علي، شقيق طارق الأكبر، حرمه وأشقّاءه الستة الأرض والثروة التي ورثوها عن والدهم الذي كان شيخاً للقبيلة قبل وفاته.

غالباً ما تُساق هذه الواقعة كدليل على الدعم القبلي لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وقد تعزّز هذا الاعتقاد بفعل زواج شقيقة طارق بأنور العولقي، رجل الدين المولود في الولايات المتحدة الذي كان ناطقاً باسم التنظيم قبل مقتله في هجوم بطائرة أميركية من دون طيّار في 2011. يقول البعض أيضاً أن التنظيم تمكّن من استغلال الخصومات داخل عشيرة آل الذهب في البيضاء لاختراق القبائل. الأكيد أنّ التعاون بين طارق الذهب وتنظيم القاعدة لم يكن نتيجة تقارب أيديولوجي. ففي الحقيقة، أتباع طارق، في معظمهم، لم يكونوا يؤدّون حتى واجباتهم الدينية. لقد تمكّن من استقطاب الدعم في أوساط القبائل بفضل قدرته على تسوية النزاعات والقضايا الصعبة المتعلقة بوجه خاص بالثأر القبلي، والتي تعتبر مشكلة مستشرية في رداع. ورأى تنظيم القاعدة أن تقديمه المساعدة إلى طارق لمعالجة هذه النزاعات القبلية المعقّدة سيعود عليه بالفائدة، أملاً منه بأن يكسبه ذلك دعماً محلياً. وهذا منح أيضاً دافعاً للتنظيم كي يقدّم خدمات لم تكن الحكومة والقبائل تؤمّنها للسكّان المحليين. حتى إن التنظيم أقدم أحياناً على دفع ديّة القتلى لتسوية الخلافات القبلية.

بيد أن طارق الذهب لم يكن يعبّر، من خلال تحالفه مع تنظيم القاعدة، عن رغبة قبيلته أو موقفها. ففي حقيقة الأمر، القبائل هي التي نجحت في إبقاء التنظيم تحت السيطرة في البيضاء وأجزاء عدة من اليمن قبل ذلك، إدراكاً منها للتهديد الذي يشكّله التنظيم المتطرّف. إلا أنها فهمت أيضاً أن التخلص منه يحمل في طيّاته اخطاراً جمة للنظام القبلي الهش الذي تسعى القبائل إلى الحفاظ عليه. والسبب أن أعضاء التنظيم يتحدّرون في شكل أساسي من قبائل محلية، ومن شأن اللجوء إلى القوة أن يتسبّب في نزاعات قبلية، وهي مشكلة تسعى القبائل في البيضاء ومناطق أخرى جاهدةً إلى معالجتها. لذلكن فضّلت القبائل التعويل على المفاوضات والضغوط في تعاطيها مع تنظيم القاعدة، إلى جانب معاقبة أفرادها الذين يؤمّنون ملاذاً للتنظيم. فالقبائل لا تلجأ إلى استخدام القوة ضد «القاعدة» إلا بعد استنفاد جميع الوسائل الأخرى.

هذا بالضبط ما حدث عندما تقدّم طارق الذهب ومقاتلو «القاعدة» باتجاه رداع. بادرت القبائل في المناطق السبع المحيطة بالمدينة إلى التحرّك على الفور لاحتواء الوضع وطوّق رجال القبائل المباني التي سيطر عليها تنظيم القاعدة في رداع. ونشرت القبائل عناصرها عند مداخل المدينة لمنع وصول تعزيزات إلى التنظيم من محافظة أبين. كما أنها أرسلت رجالاً لحراسة المنشآت الحكومية وشكّلت لجاناً لفرض الأمن في الأحياء. ثم أنشئت لجنة وساطة مؤلّفة من وجهاء القبائل للتفاوض مع طارق، وقد أقنعته في نهاية المطاف بالانسحاب من المدينة والعودة مع مقاتلي تنظيم القاعدة إلى المناسح، مسقط رأسه. وقد تبرّأت قبيلة طارق منه بسبب إحضاره المقاتلين إلى رداع، فخسر حقّه في الحماية وامتيازات أخرى كان يتمتّع بها كعضو في قبيلته.

لكن، حتى الوساطة لا تنتهي دائماً على خير. فبعدما ضاق حزام، الأخ غير الشقيق لطارق، ذرعاً برؤية مقاتلي تنظيم القاعدة في المناسح، واجه طارق بهذا الخصوص وأرداه قتيلاً. وفي اليوم ذاته، أقدم المقاتلون على الثأر لطارق وصرعوا حزام قتيلاً. وعندما أرسلت الحكومة قوة عسكرية في شباط (فبراير) 2013 لإرغام مقاتلي تنظيم القاعدة على الخروج من المناسح، تدخّلت القبائل لوقف الحملة بعدما تسبّب القصف في تدمير منازل في المنطقة. فقد تخوّفوا من أن تلقى مناطقهم المصير ذاته الذي واجهته محافظة أبين في منتصف 2012، عندما أفضت الجهود الآيلة إلى طرد التنظيم منها إلى وقوع دمار هائل ونزوح مئات آلاف المدنيين من المحافظة. وفي نهاية المطاف، أدّت وساطة أخرى إلى دفع قياديي تنظيم القاعدة من عشيرة آل الذهب، إلى مغادرة المناسح، وأعلن المسؤولون في الحكومة تحرير القرية من تنظيم القاعدة. حينذاك، انتقل معظم مقاتلي التنظيم إلى منطقة يكلا النائية والجبلية على الحدود مع محافظة مأرب.

* مقتطف من موضوع نُشر ضمن برنامج الإسلام السياسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط

الأكثر قراءة في الرأي