الإشاعات هاجس في مصر يستدعي تطوير آليات مواجهتها

القاهرة – هبة ياسين |

تزدهر صناعة الاشاعات وترويج الأخبار الكاذبة في أوقات الأزمات والمراحل الحرجة والانتقالية، وأزمنة التحول السياسي والاجتماعي، ولا يكون نشر معلومات مغلوطة من قبيل المصادفة، بل ثمة جهات تتعمد ترويج الأخبار التي تثير القلاقل والبلبلة، فتزييف الحقائق وتأويل الكلمات ليسا عملية جديدة بل يستخدمان كحرب نفسية وأداة لتحقيق أغراض سياسية عادة، يفاقمها عدم الرد الرسمي والتكذيب الحكومي فتتضخم مثل كرة الثلج، ويتم التعامل معها بوصفها حقيقة.


ولم تكن ظاهرة الترويج الممنهج للإشاعات جديدة على مصر، وهي إحدى وسائل الحرب النفسية التي تواجهها منذ نحو 8 سنوات، وما زالت تتعاظم حتى الآن، حتى صارت تقض مضجع الحكومة المصرية، وجاءت أخيرتها إشاعة قتل الأطفال وبيع أعضائهم أو انفجار طائرة، أو طرح بيض ورز وأسماك من البلاستيك تسبب السرطان، ما يؤجج مزيداً من القلاقل والبلبة في المجتمع.

وصار المواطن خلال هذه المرحلة مشوشاً، والكثير يتعامل مع تلك الأخبار على كونها حقيقة، لا سيما أن ثمة حالة من الاستقطاب الحاد التي تسود المجتمع تعززها حروب إعلامية غير مفهومة التوجهات في الداخل والخارج، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أم عبر مواقع وقنوات إخبارية مضادة.

وكشف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن مصر تعرضت إلى 21 ألف إشاعة خلال ثلاثة أشهر بهدف نشر البلبة والإحباط، لافتاً إلى أن الخطر الحقيقي الذي يمر بمصر والمنطقة هو خطر واحد يتمثل في تدمير الدول من الداخل عبر الضغط والإشاعات والأعمال الإرهابية وبث الإحباط، مشدداً على أهمية مواجهتها.

واتجهت السلطات الرسمية المصرية إلى محاولة مواجهة تلك الإشاعات، إذ بادر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بتكليف المتحدثين الرسميين للوزارات بضرورة التواصل المستمر مع مختلف وسائل الإعلام، مشدداً على ضرورة مواجهة الإشاعات التي تبث بصورة شبه يومية، وذلك عن طريق الإسراع بتوضيح الحقائق أولاً بأول، مؤكداً أن عرض الحقائق من شأنه هزيمة الشائعات.

لم يعد تجاهل الأخبار الكاذبة وسيلة لموتها كما كان في السابق، بل أضحى بمثابة ترسيخ لها لذلك تسعى الحكومة المصرية عبر عدد من الإجراءات إلى مواجهتها في مهدها. وحول خطة واستراتيجية الدولة لمواجهة تلك الشائعات أوضح المستشار الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء هاني يونس لـ «الحياة» أن بعض الوزارات اتجهت إلى إنشاء مرصد لمواجهة الإشاعات، بخاصة أن مصدرها الأول يأتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويضم مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري مرصداً يتابع الأخبار المفبركة والإشاعات، وتقوم آلية العمل في هذا المرصد على البحث عن أي إشاعة أو أخبار غير منطقية على وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، ويتم التحقق من مصادرها ومدى صحتها وانتشارها وتأثيرها، ومن ثم استجلاء الحقائق ومواجهة الأخبار المغرضة، ثم التواصل الفوري مع الجهة المختصة، لنفي أي أخبار مغلوطة، كما يصدر تقرير شبه يومي، يضم الإشاعات وتكذيبها وتفنيدها وتوضيح الحقائق كاملة للرأي العام. وأضاف يونس: «نعمل على توثيق هذا التقرير عبر شرح أسباب إطلاق مثل تلك الإشاعات، فيما نحرص على إصدار تقرير دوري منتظم يتعلق بأعمال الوزارات المختلفة».

وعلى رغم الجهود الحكومية في تتبع الأخبار الكاذبة ونفيها، تبدو تلك الإشاعات أكثر انتشاراً ورواجاً من الحقيقة. وعن جدوى مثل هذه التقارير وسط طوفان الإشاعات وهل يجد أثراً أم تطغى الإشاعة على النفي، أشار يونس إلى أنه طالما يتم التعامل مع الإشاعات في مهدها ستأتي بالأثر الإيجابي ويمكن مواجهتها، لكن تلوح المشكلة عندما نتركها تتعاظم حتى يصدقها الجمهور، لذلك جاء تكليف رئيس الوزراء للمتحدثين بالتعامل مع ذلك، فكلما خرجت بيانات واقعية تتعامل بسرعة مع الإشاعة سيتم القضاء عليها على الفور.

قانون تداول المعلومات يحد من الإشاعات

وفي مقابل ازدهار الإشاعات تعالت الأصوات المطالبة بإقرار قانون لحرية تداول المعلومات الذي يتيح الحق في الحصول على البيانات من الجهات الرسمية وفقاً لما أقره الدستور، ما سيحد من انتشار الإشاعات ورواجها، ومنذ سنوات، ثمة مطالبات بإصدار هذا التشريع، فغياب المعلومات يجعل المجتمع بيئة خصبة للمعلومات الكاذبة.

وحول التجريم القانوني لمروجي الإشاعات والأكاذيب، يقول الخبير في التشريعات الإعلامية إيهاب سلام لـ «الحياة» إن القانون الأساسي الذي ينظم هذا السياق هو «قانون العقوبات» إذ يجرم ويعاقب على هذا الفعل، وهو تشريع عام ليس موجهاً لفئة بعينها، ويخاطب أي شخص على أرض مصر من أي جنسية أو مهنة، وثمة خطأ شائع أن مثل هذه القوانين تم سنها للصحافيين فقط. وأكد أن «فكرة الاشاعات ليست مستحدثة على القانون بل هي عقوبة قديمة ومشهورة ومنصوص عليها في قوانين عامة، بينها قانون العقوبات وقوانين خاصة مثل قانون الصحافة والإعلام التي تتعلق بالنشر، ويحق لأي شخص متضرر الشكوى منها، ويحرك الدعوى النائب العام كل حالة بحالتها، لكن ثمة إشكالية تكمن في الألفاظ المطاطية التي تحتويها تلك التشريعات.

وأضاف: «يحظر قانون الصحافة نشر إشاعات، فالصحافي مسؤول عن النشر أياً كان المصدر لأنه يفترض العمل وفق ضوابط بينها التحقق من صحة الخبر، وثمة ضرورة لتوخي الحذر عند النشر، فقد يقبل المحقق الخطأ من مواطن عادي، لكن لا يقبل من الصحافي الذي يتحتم عليه تحري الدقة والتدقيق والتوثيق».

وحول التخوف من إساءة استخدام القوانين سواء ضد صحافيين أو مواطنين، قال سلام: «قد يحدث ذلك نتيجة صعوبة التعريف الواضح للإشاعة وصعوبة توافر البيانات في شكل دقيق، وثمة إشكالية أخرى تتعلق بضعف وقلة المعلومات، ونواجه مشكلة حقيقية في صعوبة توافر البيانات، ما يوقع الصحافي على الرغم منه تحت وقع الضغوط المهنية، إذ يضطر إلى نشر معلومات غير مؤكدة، وهذا الأمر يرتبط بقضية أكبر هي تدفق وتوافر المعلومات وسهولة تداولها بسهولة سواء بين الجمهور أم بين المهنيين من الصحافيين، ومن ثم مثلما يتم التلويح بالعقوبة عند نشر إشاعة لا بد من أن تكون هناك آلية لتوفير المعلومة».

وأشار سلام إلى أن الدولة أحرزت أخيراً تطورات في آليات مواجهة الأخبار الكاذبة، إذ تصدر مؤسسات الدولة بيانات رسمية أولاً بأول، بعدما كنا ننتظر أياماً وأسابيع من دون أن يخرج مسؤول لتكذيب الإشاعة ما يثير حالة من الجدل، وبالتالي ينتشر الوقوع في الخطأ.

مواقع التواصل تتفوق على وسائل الإعلام الكلاسيكية

كان ينظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها منصات للدردشة والتنفيس الاجتماعي، لكنها مع تنامي أعداد مستخدميها الذي بلغ بليونات الأشخاص حول العالم، ومع التطورات التكنولوجية التي يشهدها العالم تجاوزت تلك المواقع دورها الاجتماعي، وأصبح يتم التعامل معها بوصفها وسيلة إعلامية لتناقل الأخبار وبثها، ما عزز ما يمكن تسميته بـ «صحافة المواطن»، فكل ما يحتاجه هو هاتفه الذكي ومنه يتحول مراسلاً من قلب الحدث، وهي الظاهرة التي راجت بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في العام 2011.

فقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية وأداة لتداول الأخبار، يستخدمها الصحافيون أنفسهم وسيلة يستقون منها الأخبار، إذ تبوّأ (فيسبوك) الترتيب الأول في تفضيل استخدام الصحافيين له في متابعة الأخبار، مقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي الأخرى.

وبينما يشهد العالم أحداثاً وتحولات كبرى حلت منصات التواصل الاجتماعي مصدراً أولياً ورئيساً لروادها في الحصول على المعلومات ومتابعتها، في ظل البطء النسبي لوسائل الإعلام التقليدية مقابل السرعة الآنية للمنصات الإلكترونية التي أضفت تغطية حيوية وآنية من قلب الأحداث.

وعلى رغم الاتهامات التي تواجه مواقع التواصل الاجتماعي كونها سبباً رئيساً في ترويج الأخبار الملفقة، إلا أن تلك المنصات ما زالت تأتي في مقدمة المصادر الإخبارية للملايين حول العالم، خصوصاً أن القائمين عليها يسعون إلى تطوير الآليات التي تعمل بها لإضفاء مزيد من الصدقية على المحتوى الذي يبث عبر مجموعة من الإجراءات.

وأشار تقرير صادر عن «رويترز» للدراسات الصحافية التابعة لجامعة اكسفورد، والذي أجرى دراسة تشمل 26 دولة، بينها دول أوروبية، إضافة إلى أستراليا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل، إلى أن هناك ميلاً لمصلحة نمو الفضاء الرقمي كمصدر أساسي للمعلومات قياساً إلى سائر الفضاءات. وتراوحت نسبة الذين يعتمدون على المنصات الإخبارية كمصدر للأخبار بين 25 في المئة من تتجاوز أعمارهم 55 عاماً، و64 في المئة لمن تراوحت أعمارهم بين 13 و24 عاماً.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 49 مليوناً يستخدمون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في مصر، فيما يوجد 64 مليون جهاز هاتف محمول له القدرة على الدخول على الإنترنت. ويحل «فايسبوك» على رأس ترتيب استخدام المصريين لوسائل التواصل الاجتماعي يليه «يوتيوب»، ثم «واتساب» فـ «ماسنجر»، ثم «انستاغرام» و «تويتر»، وأخيراً «غوغل بلس».

وأكدت دراسات بحثية تراجع اعتماد العالم العربي على وسائل الأخبار التقليدية، مقابل تزايد الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي. وأشارت إلى أن أكثر من ثلث المواطنين العرب يستخدمون هواتفهم الذكية للحصول على مستجدات الأخبار عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.