شواطئ الجزائر... دولة داخل دولة

«الشاطئ ملك عمومي ولا يحق لأي شخص أو هيئة استغلاله»... كلام على ورق (الحياة)
الجزائر - أمين لونيسي |

يسيّطر «بلطجية» على شواطئ الجزائر مع حلول كل موسم صيف، فيفرضون إتاوات على رواد البحر ويغلّفون سلوكهم بحجج اجتماعية كالبطالة في ظاهرة تتكرر يومياً ضحيتها المواطن. ويرى متابعون أنها من مخلّفات «العشرية السوداء».


غرباء لا ينتمون إلى أية مؤسسة رسمية من المؤسسات المكلفة بالإشراف على الشواطئ في الجزائر، يعرضون معدّات البحر ويتنافسون على تقسيم الشاطئ إلى قطع متساوية بينهم، ما لا يترك أمام المصطافين خياراً إلا الرضوخ لمنطقهم وتسعيرتهم.

ففي شواطئ عين طاية وهرواة شرق الجزائر العاصمة، يجبر هؤلاء الباحثين عن الراحة والاستجمام على دفع ما قيمته 8 دولارات بدل ركن السيارة في مواقف غير شرعية، ولقاء ما يقدّمونه من «خدمات» كتأجير الكراسي والمظلات، وهو موقف محرج تعرّضت له عائلات وفق ما كشفته لـ «الحياة».

واقع يخالف المجانية

ويقول لفقير محمد الذي فرّ من حرارة محافظة ورقلة (جنوب) إلى مدينة عين طاية الساحلية شرق العاصمة، إنه دفع تكاليف إقامة باهظة في شقة خلال فترة الاصطياف وجهّز مستلزمات الراحة للاستمتاع بالسباحة وزرقة البحر، لكنه فوجئ لدى نزوله إلى الشاطئ وإقدامه على نصب مظلته ووضع كراسٍ بمنعه من طرف بلطجية دخلوا معه في مشاحنات بدعوى أن الشاطئ ملكهم وعليه الابتعاد عن الرقعة المخصصة لهم.

وأضاف المتحدّث أن هذا الواقع كان بعيداً من التعليمات التي أصدرتها السلطات، وتؤكّد مجانية ارتياد الشواطئ.

وتصدر وزارة الداخلية في شكل روتيني عشية كل موسم اصطياف تعميماً لولاة المحافظات الساحلية الـ14، تؤكد أن «استغلال الشواطئ المسموحة للسباحة يبقى حراً ومجانياً» ولا يجب أن يعرقل هذا المبدأ أي سبب كان أو أي صفة كانت، وعليه يجب إزالة كل لافتة تحمل عبارة «شاطئ خاص»، مع الأخذ في الاعتبار المتابعات القانونية المنصوص عليها في التشريع المعمول به.

لكن السلطات تركت «جملاً فضفاضة» استغلها بعض رؤساء البلديات تتعلّق بالأنشطة الممارسة على مستوى الشواطئ. ويوضح التعميم أنه «يمكن البلديات المعنية السماح بمزاولة أي نشاط على مستوى الشاطئ أو تفويضه عبر عقود امتياز ودفاتر شروط بهدف تحسين الخدمات». كما عيّن متصرّف إداري في كل شاطئ مفتوح، لمراقبة مجانيته والحدّ من نشاط الغرباء.

وتتساءل المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك عن معنى مبدأ «مجانية الشواطئ»، هل المقصود بها مجانية السباحة، أم مجانية الجلوس على الشاطئ أم مجانية دخول مجاله؟ مستغربة التناقض بين تصريحات كبار المسؤولين التي تشدد على «هذه المجانية» وبين الواقع المخالف.

ويعتبر مدير السياحة في ولاية الجزائر، نور الدين منصور، أن الشاطئ «ملك عمومي ولا يحق لأي شخص أو هيئة أن تقوم باستغلاله»، مشدداً على أن المجموعات التي تستغل الشواطئ حالياً ضمن نطاق ولاية الجزائر «لا تملك أي ترخيص قانوني»، وذلك منذ «تجميد حق الامتياز على الشواطئ قبل 3 أعوام»، داعياً الجهات المختصة إلى «اتخاذ التدابير والإجراءات الأمنية اللازمة لوقف نشاط الطفيليين».

لكن العربي مجيد، المدير العام لديوان تسيير حظائر الرياضات والتسلية في الولاية ، يوضح أنه ليس لمؤسسته «أية صلاحية قانونية لمراقبة الشاطئ والسهر على أمنها ووقف نشاط هؤلاء الأشخاص غير الشرعيين»، مؤكّداً أن الوالي المنتدب المختص إقليمياً «وحده من يملك صلاحية إصدار أمر يسمح بتدخل عناصر الدرك الوطني وحجز التجهيزات».

حين غابت السلطة

ويفسّر متابعون استمرار الظاهرة بعدما تسببت فيها بلديات ورؤساؤها، الذين يوزّعون التراخيص من دون منطق سياحي أو تجاري أو حضاري، فقانون الامتياز السياحي عقّد الأمور. وفي السابق، كان المراهقون والأطفال يستأجرون المظلات بسعر رمزي. ومنذ أن صدر قانون الامتياز على الشواطئ، عمّت الفوضى ودفع الجشع بالمستغلين إلى رفع الأسعار على هواهم، لأنهم وحدهم من يحق لهم استغلالها.

وفي الأعوام التالية اتضح أن هذه المهنة ثروة، فاقتحم الجميع الشواطئ مستخدمين القوة، ومنذ ذلك الحين لم يتم التحكّم في الأمر.

ويرى اختصاصيون في الشأن الاجتماعي أن استفحال ظاهرة الاستغلال غير الشرعي للشواطئ كانت من «مخلفات العشرية السوداء» إبان تسعينات القرن الـ20، حين غابت الدولة عن مناحٍ كثيرة في الحياة. فتمكنت مجموعات من بسط نفوذها باستعمال القوة بحجة أن أفرادها من أبناء المنطقة، محوّلة هذه الشواطئ إلى ما يشبه الملكية الخاصة. فراحوا يغلّفون سلوكهم بحجج اجتماعية كالبطالة، ووجدوا في هذه الفضاءات مناخاً خصباً لتحقيق الربح السريع وجني ملايين، من دون حسيب ومن دون دفع الضرائب.

وسعياً إلى وقف التجاوزات، دعت الجهات المختصة إلى تقديم شكاوى بحق المتحايلين. ونفّذت مصالح الأمن مداهمات عدة، وحجزت مظلات شمسية وكراسي وخيماً. بيدَ أن الأمور لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه في اليوم التالي.

وإزاء هذا الواقع، وجدت عائلات في الشواطئ الصخرية المنعزلة مقصداً للراحة ولغايات أخرى تجنبّهم الوقوع في أيدي البلطجية، إذ يرفض هؤلاء التوجّه نحو شواطئ تعكّر صفو متعتهم.

بينما المحظوظون أكثر قصدوا البلد المجاور تونس، على رغم تهديدات أمنية شهدتها مدينة بجندوبة الحدودية في تموز (يوليو) الماضي، نظراً لما تؤمنه شواطئ تونس من راحة وخدمات في مقابل مبالغ معقولة. وقد سجّل معدّل السياح الجزائريين إلى البلد الجار زيادة مقدارها 18 في المئة. وتعكس أرقام الديوان التونسي للسياحة إقبال عدد كبير من الجزائريين خلال النصف الأول من 2018. فقد بلغ عددهم 905053 سائحاً في مقابل 766 ألفاً خلال الفترة ذاتها من العام الماضي (زيادة 18.1 في المئة).