القضاء يعاود فتح أبوابه للمرأة المصرية

القاهرة – أمينة خيري |

بين «هأو» و»هالله هالله» استقبل المصريون خبر تعيين قاضيات. وبين الاستقبالين ثقافتان متناقضتان ورؤيتان متفاوتتان وشعب واحد تتجاذبه أفكار تقف على طرفي نقيض. «هأو» التي تقال للسخرية والاستهزاء وبالطبع عدم الرضا والاعتراض يعتنقها أصحاب الفكر المحافظ الذي يصفه البعض بـ»الرجعي» حيث المرأة لا تصلح للعمل في سلك القضاء، وذلك لأسباب تتأرجح بين الثقافة المصنّفة للنساء كائنات درجة ثانية وتفسيرات دينية متشددة ترى المرأة القاضية أمراً مكروهاً. أما «هالله هالله» فيستبشر قائلوها ببداية الغيث المتمثّل في قطرة ترقية قاضيات ليصبح بعضهن رئيسات محاكم.


مسار مصر قبل نحو نصف قرن كان يسير نحو ريادة في خوض المرأة المصرية مضمار القضاء، لا سيما وأنها كانت قبل ثورة تموز (يوليو) 1952 وإبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وجانب من حكم الرئيس الراحل أنور السادات قد قطعت مشواراً كبيراً نحو المساواة وتحقيق الذات، بعيداً من عقد النقص والعراقيل الثقافية التي توضع بإسم العادات تارة والدين تارة أخرى.

إلا أن تمكين الإسلام السياسي والجماعات الدينية من مفاصل المجتمع المصري منذ أواخر تسعينات القرن الـ20، دفع المرأة إلى هاوية التصنيف باعتبارها مواطناً درجة ثانية. صحيح أن هذا الدفع ارتدى رداء دينياً أضفى عليه هالة من البهاء لا يخلو من دهاء، دفع النساء أنفسهن إلى التراجع واتخاذ مقاعد الدرجة الثانية طواعية، إلا أن أصواتاً وجهات قليلة ظلت باقية على عهد الإيمان بأن المرأة المصرية لا تقل عن غيرها من النساء اللاتي أصبحن رئيسات جمهورية ووزارة وغيرها من المناصب القيادية.

وتظل المناصب القيادية واختلاف الرؤى تجاه وجود المرأة فيها في جانب وحضورها على منصة القضاء في جانب آخر تماماً. يقول مجدي حسين (موظّف، 55 سنة): «تعمل المرأة وزيرة، مديرة، أسطى، لكن قاضية لا وألف لا. غير مقبول أبداً أن يتخاصم اثنان وتحكم بينهما إمرأة. هزلت»!

الأسباب التي يسوقها حسين للهزل المقصود تتراوح بين «الطبيعة التي تفرض على النساء عقلاً ناقصاً والتركيبة البيولوجية التي تجعل منها إما مصدراً للفتنة أو أماً لا يمكن أن تجمع بين تربية الأبناء تربية صالحة والعمل في مجال حساس ومهم كالقضاء يحتاج صفاء ذهن ورجاحة عقل وفصلاً تاماً بين المشاعر وبين القرارات العقلانية».

الأسباب التي يتحدّث عنها حسين تسمعها مئات المرات في الأماكن العامة وتقرأها آلاف المرات على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي. لكن الفريق الرافض عمل المرأة في القضاء لا يكتمل من دون عنصر المتشبّثين بتفسير ديني يمنع تقلّدها منصب قاضٍ.

وقبل أيام، فوجئ المصريون بخبر ترقية 16 مستشارة إلى درجة «رئيسة محكمة استئناف»، وهي أعلى درجات السلم القضائي. الصخب الدائر جاء معظمه من المناصرات والمناصرين لحقوق المرأة، سواء أفراداً أو جمعيات ومؤسسات أهلية ورسمية مختصة في هذا المجال.

المجلس القومي للمرأة بادر إلى تهنئة المستشارات الـ16 بالترقية التي لا سابق لها. وقالت رئيس المجلس القومي للمرأة مايا مرسي أن القرار يعكس عمق الإيمان بأهمية دور المرأة كقاضية، التي رسّخت أقدامها بمساهمتها المشرّفة وجهدها المخلص فى تحقيق منظومة العدالة. وأشارت إلى أن تعيين المرأة في الجهات والهيئات القضائية حق دستوري أصيل لها.

يُذكر أن المادة 11 تنص على أن «تكفل الدولة للمرأة حقها في تولّي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية».

الرجل الذي تجرّأ وقال، مازجاً الهزل بالجد، أن السبب الوحيد الذي يمكن أن يتقبّله في حال وجود المرأة في ساحة المحكمة أن تكون طالبة الطلاق أمام المحاكم أو إقترفت جريمة وتتم محاسبتها، قوبل بموجة عارمة من الشجب والتنديد من قبل سيدات جالسات معه بدءاً بزوجته وقريباته وانتهاء بصديقات زوجته. الجميع أكد أن المرأة التي وصلت إلى أعلى منصب في بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها، هي نفسها المرأة التي يحاول بعضهم أن يبقيها كائناً درجة ثانية غير قادرة على التفكير أو اتخاذ القرار أو الحكم على الأمور.

ويشير واقع الأمر إلى أن قراراً جمهورياً صدر في أواخر عام 2002 قضى بتعيين المستشارة تهاني الجبالي نائباً لرئيس المحكمة الدستورية العليا كأول قاضية مصرية، ما أثار جدلاً كبيرًا حينئذ. لكن بعد أشهر سكن الصخب، واعتاد المصريون وجود الجبالي في المنصب، ولو مضى التطور قدماً ولحق بها مزيد من النساء قاضيات ورئيسات محاكم، لاعتاد المصريون وجود النساء في سلك القضاء، إلا أن التطور توقّف أعواماً عدة عند هذا الحدّ.

وجاء عام 2007 ليشهد تعيين 30 قاضية، وبعد أشهر عيّنت 12 قاضية أخرى في مسابقة أجراها مجلس القضاء الأعلى. وسار مسار تعيين القاضيات ببطء شديد، يعزوه بعضهم إلى ميول بالغة المحافظة بين القضاة.

وكانت المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة أصدرت حكماً في طعن مقدّم في شأن حرمان المرأة من حقها الدستوري في التعيين في الجهات القضائية وهيئاتها، فأنكر على الدستور إلزامه الدولة تعيين المرأة في الجهات القضائية، وانتهى الحكم إلى منح المجلس الخاص في مجلس الدولة السلطة التقديرية للأخذ بمبدأ تعيين المرأة في وظيفة مندوب مساعد في مجلس الدولة، وهي أولى الوظائف الفنية القضائية في هذا المجلس، أو الالتفات كلياً عن الأخذ بمبدأ تعيين المرأة في هذه الوظائف الفنية القضائية، وفي اختيار الوقت الذي يرى فيه وفقاً لتقدير صلاحية المرأة لشغل هذه الوظائف.

وجاء في حيثيات الحكم أن الدستور لا يُساوي بين الرجل والمرأة، وأن المرأة لا تزال غير مؤهلة، وغير صالحة لشغل الوظائف الفنية (القضائية) في مجلس الدولة.

لكن ترقية المستشارة أمل عمار إلى درجة رئيس استئناف في محكمة استئناف قنا قبل أيام، أعاد بث أمل عودة المرأة المصرية إلى مكانتها التي أُنتقِصت على مدار نصف قرن، مع تمّني استمرار المسيرة لئلا تكون طفرة تعقبها عودة إلى المكانة الدونية المرتدية رداء عادات بالية وتفسيرات دينية ظالمة.