إستراتيجيا في المغرب لردم فجوة الحماية الاجتماعية

الدار البيضاء - خديجة الفتحي |

في العام 2015، وجهت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي، ملاحظة إلى عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية السابق، أشارت فيها إلى: «نمو اقتصادي مضطرد، ولكنه لا يعم كل الناس، لماذا توجد لديكم فئات محرومة من النتائج الإيجابية للنشاط الاقتصادي»؟

يواجه الاقتصاد المغربي صعوبات مقلقة، سترخي بظلالها لا محالة على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية، ووفق مؤشرات اقتصادية سبق أن ساقها وزير المالية محمد بو سعيد الذي أقيل أخيراً، فإن ارتفاع العجز التجاري سجل 8.7 في المئة، إذ قفز خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام إلى 16.5 بليون درهم، كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية 33 في المئة، ما اعتبره بو سعيد مؤشراً غير إيجابي، لافتاً إلى أن هناك خسارة بنحو 13 بليون درهم بالمقارنة بالسنة الماضية، متوقعاً أن يرتفع العجز التجاري إلى 20 بليوناً، وقد أصبحت المديونية العامة 68 في المئة من الناتج الداخلي الخام، ما يعني أنها بلغت الخط الأحمر الذي حذّر منه صندوق النقد الدولي قبل أشهر.

ومع تصاعد مستويات المديونية، سعت الحكومة إلى خفض الإنفاق العام، الذي كان في العادة المحرّك الرئيس للنمو، وانطلقت في إلغاء الدعم الشامل للسلع والخدمات منذ حكومة بنكيران، مع سعيها إلى الحفاظ على العقد الاجتماعي، وذلك باتخاذ حزمة تدابير في هذا السياق كالتغطية الصحية الإجبارية للفئات المعوزة، وإحداث صندوق لدعم الأرامل، وبرنامج «تيسير» لدعم أبناء الأسر الفقيرة للولوج إلى المدارس وغيرها من الإجراءات والمبادرات والبرامج المتعلّقة بإصلاح شامل لمختلف المنظومات الاجتماعية، خصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، لكن انعكاساتها ستظل جد ضعيفة.


واستناداً إلى المندوب السامي للتخطيط، أحمد الحليمي، فإن «المغرب في حاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية في ميادين التعليم والتكوين (...) وتدبير الاقتصاد وإشراك الناس في الحياة العامة». وأوضح لـ «رويترز» أن «ثلث متخرّجي الجامعات المغربية لا يعثرون على وظائف بسبب ضعف النمو الاقتصادي وعدم تأهيل النظام التعليمي لهم على النحو الملائم».

وأضاف أنه على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة فشل حوالى 20 ألف متخرّج جامعي من أصل 60 ألف جديد سنوياً في الحصول على وظيفة. مشيراً إلى أن «التعليم من أكبر عوامل الفقر والتفاوتات الاجتماعية في المغرب»، معتبراً أن «قضايانا هي قضايا إصلاحات جوهرية».

وأصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (هيئة استشارية) تقريراً صادماً يكشف اختلالات أنظمة الحماية الاجتماعية المرتهنة لفترة الحماية الفرنسية، ويفيد أن ثلث العاملين لا يحصلون على تعويضات عائلية. كما يشير إلى أن أنظمة الرواتب تغطي حالياً ما يفوق الـ40 في المئة بقليل من اليد العاملة، ويغطي التأمين الإلزامي عن المرض النسبة ذاتها، حيث يفوق عدد الأشخاص المشمولين به الـ8.5 مليون شخص، وهكذا فإن حوالى 60 في المئة من اليد العاملة محرومة من الحماية الاجتماعية، وفق التقرير.

كما يؤكّد التقرير أن الفجوة في المغرب في مجال الحماية الاجتماعية ليست قدراً محتوماً، بل نتاج تضافر إكراهات متعددة، تتمثل خصوصاً في غياب رؤية سياسية مشتركة وإستراتيجية رسمية ونظام حسابي مندمج ونظام موحّد للمعلومات وللمحاسبة في ما يتعلّق بالأداء في مجال التغطية الاجتماعية، وتعدد المصالح التقنية الوصية وهيئات الرقابة، وضعف مستوى التنسيق بينها (رئاسة الحكومة ووزارات المالية والتشغيل والشؤون الاجتماعية، والأسرة والتضامن، والمجلس الأعلى للحسابات، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي...).

وقد أعدّ التقرير في سياق تنامي المطالب الاجتماعية ودعوة أعلى سلطة في البلاد إلى ضرورة تسريع ورش الإصلاح، لتقليص هوة الفوارق الاجتماعية، وتمكين أكثر الفئات هشاشة وفقراً من التمتّع بحقوقها الاجتماعية الدنيا، وإنجاح ورش التنمية البشرية.

ومباشرة بعد خطاب العاهل المغربي إلى الأمة بمناسبة الذكرى الـ19 لعيد العرش، باشرت وزارة الداخلية العمل لإنجاز مشروع معلوماتي متعلّق بإحداث «السجل الاجتماعي الموحد»، بهدف توفير قاعدة معلومات اجتماعية واقتصادية دقيقة وشاملة عن الأسر والفئات الهشة والفقيرة، للإفادة من الخدمات وبرامج الحماية الاجتماعية للدولة كالتغطية الصحية ودعم القدرة الشرائية ومساعدة الأرامل وغيرها من الفئات المعوزة.وتنكب وزارة الداخلية على إعداد المشروع بتنسيق مع بقية القطاعات الحكومية المعنية. ويعتبر الملك محمد السادس «السجل الاجتماعي الموحّد» مشروعاً اجتماعياً إستراتيجياً وطموحاً يهم فئات واسعة من المغاربة. وهو أكّد في خطاب العرش أن «هذا المشروع هو أكبر من أن يعكس مجرّد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي وسياسي».

ويتوخّى هذا النظام حلّ الإشكالات التقنية التي تشكّل عائقاً أمام تنفيذ نظام استهداف ناجع وفعّال، يمكن من إيصال الإفادة الفعلية من البرامج الاجتماعية إلى الفئات التي تستحقها، حيث سيشكّل «السجل» المنطلق الوحيد للولوج إلى كل البرامج الاجتماعية. وستحدد الحكومة الأرضية المناسبة لوضعه وتحديد شروط الأهلية للمستفيدين من حزمة البرامج، وذلك قبل الرفع التدريجي للدعم عن المواد والسلع المتبقية كغاز الاستهلاك المنزلي والدقيق والسكر.

وكلّفت الحكومة مكتب دراسات بريطانياً للإشراف على إحصاء الفقراء (في مقابل 1.279 بليون سنتيم، إلى 250 مليوناً حصل عليها خبير محلي بدل إشراف ومتابعة)، لإحداث السجل الوطني للسكان الذي سيكون عبارة عن قاعدة مركزية للبيانات الديموغرافية البيوميترية الخاصة بالسكان، ويشمل القصّر والأجانب المقيمين. وسيمنح كل فرد رقم تعريف واحداً، ما سيسهل عملية التحقق من الهوية وتفادي الغش والتزوير. وسيتيح السجل لمختلف المصالح والمؤسسات الإدارية الولوج إلى قاعدة البيانات لأجل تقديم خدمات إدارية أو اجتماعية للمواطنين والمرتفقين عموماً، وستسهّل خدمات إلكترونية من بُعد المعاملات المالية وترشيقها. أما السجل الاجتماعي الموحّد، الذي هو نظام معلوماتي مندمج، فسيستخدم كنقطة وحيدة لتسجيل طالبي الإفادة من البرامج المتوافرة، كونه يحتوي على معلومات عن طالب المساعدة وأسرته، والتي تستخدم دورياً لتصنيف الأسر استناداً إلى المتغيّرات «السوسيو- اقتصادية»، وتلك المرتبطة بظروف عيشها.

وتحقيقاً لهذه الغاية، اقترضت حكومة سعد الدين العثماني 100 مليون دولار من البنك الدولي في آذار (مارس) 2017. ويرى البــــنك أن البرنامج سيعود بالنفع وفي صورة أفضل على حوالى 9.3 مليون نسمة من السكان الأكثر حاجة.