«سلال قمامة ذكية» في الحرب على هدر أطعمة بـ 100 بليون دولار سنوياً

لندن - منال لطفي |

لبوبي، وهي شابة بريطانية في مطلع العشرينات من العمر، علاقة مثيرة للإهتمام بالمقاهي قرب منطقتها شمال لندن. فهي لا تقصدها يومياً لشراء قهوة أو شطائر للإفطار، بل لتأخذ الطعام الفائض الذي لا يحتاجه المقهى. فهي تفعل ذلك لعدة أهداف في الوقت ذاته. أولها نشر ثقافة «تقاسم الطعام» التي باتت ظاهرة لدى جيل الألفية الجديدة في بريطانيا. وثانيها التصدّي لظاهرة إهدار الطعام التي تكلّف بلدها أكثر من 13 بليون جنيه إسترليني سنوياً. وثالثها نسج علاقات بينها وبين المنطقة التي تعيش فيها. فكما تقول بوبي: «هذا يشعرني بالتواصل والارتباط بالمجتمع الذي أعيش فيه. فأنت تلتقي دائماً بأشخاص جدد يتشاركون معك في القلق على مصير الأرض. هذا يشعرني أنني أصنع فارقاً».


فوفقاً للإحصاءات العالمية، فإن ثلث المواد الغذائية التي ينتجها العالم تنتهي في صناديق القمامة، إي 1.3 بليون طن من المواد الغذائية سنوياً، وهذا يكفي لإطعام بليون شخص.

وللقيام بدورها في حماية الأرض وسكانها، حيث تلقي بريطانيا وحدها سنوياً 7 ملايين طن من الطعام الصالح للأكل في النفايات، تستخدم بوبي موقع «أوليو» Olio على الإنترنت. وهو تطبيق بات يستخدمه آلاف الشباب، حيث يجمعون الطعام غير المرغوب فيه أو الفائض عن حاجة المطاعم والمقاهي في المناطق التي يعيشون فيها، ليبدأ بعد ذلك رحلة عبر الإنترنت تقوده إلى منازل أشخاص لا تربطهم صلة غير الخوف على مصير الأرض.

فبوبي مثلاً تأخذ الطعام غير المرغوب فيه أو الفائض من المقهى القريب من مكان سكنها، لكنها لن تأخذه كله لها، بل ستأخذ 10 في المئة منه. والباقي سُيوضع على موقع «أوليو» كي يستفيد منه آخرون.

تبدأ بوبي بأخذ صور للطعام، الخبز على أنواعه، والخضار، والفاكهة، أو الحلوى وتحمّل تلك الصور على الموقع. والذين يستخدمون «أوليو» ويريدون بعضاً مما أحضرته بوبي ويعيشون على مقربة منها، يطلبون منها الحصول على بعض الطعام المجاني ثم يحضرون ويأخذونه.

وليس فقط الطعام الذي يتم جمعه مجاناً من المقاهي والمطاعم هو ما يوضع على «أوليو»، فكثر ممن يستخدمون التطبيق يتقاسمون طعاماً إشتروه ولم يستهلكوه أو لم يعودوا في حاجة إليه. فقط يُحمّلون صور الطعام الذي لا يحتاجونه على الموقع ويعطونه إلى الراغب مجاناً.

ويدير فريق صغير موقع «أوليو» من شقة صغيرة في لندن، وهو مستخدم في 35 بلداً، غالبيتها أوروبية. وخلال العامين الماضيين تم تقاسم أكثر من 500 ألف سلعة غذائية على الموقع.

وليس هناك سمات عمرية محددة لمن يستخدمون الموقع، فهم يتراوحون بين شباب في مطلع العشرينات وصولاً إلى كبار السن. وعلى رغم أن كثراً منهم لا يتقاسمون الطعام لأسباب إقتصادية محضة، لكن القائمين على الموقع وجدوا أن حوالى ثلث من يستخدمون التطبيق في بريطانيا يقعون ضمن التصنيف الحكومي للفقراء.

لكن ليس الجانب الإقتصادي وحده هو الدافع لإستخدام الموقع لتقاسم الطعام مجاناً. فلدى كثر من مستخدميه ما يكفي لشراء خبز أو فاكهة، لكن الجانب الأخلاقي والبيئي هو ما يحرّكهم.

وبالنسبة إلى مارك، وهو أيضاً في العشرينات من العمر «هدر الطعام بالكميات الحالية خطر يهدد الكرة الأرضية تماماً مثل الإنتشار النووي والإحتباس الحراري. لأننا نستنفذ موارد الأرض ومصادرها بطريقة غير رشيدة ونلقي ملايين الأطنان من الطعام الصالح للإستخدام كقمامة سنوياً على رغم أن ذلك الطعام استهلكت فيه طاقة كهربائية، ومياه كثيرة، وأيدٍ عاملة، وتكنولوجيا». ويتابع مارك: «بالنسبة إلى الأجيال المقبلة نحن نترك لهم الأرض فقيرة الموارد ومستنزفة تماماً».

وإجمالاً تُلقي المقاهي والمطاعم حول العالم ما يقدر بنحو 100 بليون دولار سنوياً من مواد غذائية صالحة. وفي بريطانيا مثلاً، تلقي المطاعم والمقاهي أكثر من 20 في المئة من المواد الغذائية التي تشتريها يومياً بسبب عدم استخدامها.

وهذا ما شجّع على إطلاق تطبيق جديد آخر هو «صناديق قمامة ذكية» للحدّ من هدر الطعام. وتستخدمه في لندن حالياً مئات المطاعم والمقاهي لرصد المواد الغذائية الفائضة في نهاية اليوم. يسجّل العاملون فيها المواد التي لم يعودوا في حاجة إليها وتحديد وزنها ثم يدخلون مواصفاتها على تطبيق «صناديق قمامة ذكية» لإعادة تدويرها.

ويبدو الموقع أشبه بموقع «سوبر ماركت» حيث توضع صور للسلع ووزنها، من البيض، واللحوم، والخبز إلى الألبان، والفاكهة، والخضار. لكن التطبيق أدى إلى وقف هدر الطعام بنسب تترواح بين 50 و90 في المئة في الكثير من المقاهي والمطاعم. فالعاملون عندما يرون حجم ما كان يمكن أن يُلقى في سلال القمامة، على رغم أنه صالح تماماً للأكل، باتوا يبتكرون طرقاً لـ «إعادة تدوير» تلك المنتجات بحيث يُعاد استخدامها. وإذا لم يكن لها حاجة، يتم التبرّع بها.

الحرب على هدر الطعام إنتقلت أيضاً إلى السوبر ماركات الكبيرة في بريطانيا. فقبل أيام أعلن سوبر ماركت «ليدل» أنه سيوفّر صندوقاً من الفاكهة والخضار وزنه 5 كيلوغرامات بسعر 1.5 جنيه استرليني فقط، وذلك كجزء من تجربة جديدة تحت مسمّى «أفضل من أن تُلقى في النفايات».

ويحتوي الصندوق فاكهة وخضاراً لا تنسجم تماماً من حيث الشكل مع معايير الإتحاد الأوروبي، فبعضها أصغر أو أكبر من المقاييس المحددة لبيع الخضروات والفاكهة في السوق الأوروبية، لكنها كلها صالحة تماماً للأكل. وتأتي المبادرة في أطار مساعي «ليدل» للحدّ من هدر المواد الغذائية بـ25 في المئة خلال العامين المقبلين.

القائمون على هذه التجارب وغيرها دائماً ما يذكرون كلمة «الاحترام» في تلخيص الدوافع وراء مبادرتهم. فهدر الطعام بتلك الكميات يعكس عدم احترام للبيئة والمياه والأرض والموادر الطبيعية حولنا. وهو إهدار للوقت والمال والجهد أيضاً، فأنت حين تذهب لشراء طعام ثم تلقيه لاحقاً في سلة المهملات، تكون قد أهدرت عملياً وقتك ومالك وجهدك لتكبيد الأرض ومواردها خسائر فادحة. ومع هذا الوعي، عندما تلقي مجدداً مواداً غذائية صالحة للأكل في سلة المهملات، فكأنك تطلق النار على نفسك والأجيال القادمة من بعدك.