زهور الإمبراطورية

ديمة الشكر |

هنا كل شيء يُوثّق ويُسجل في مدينة الكاميرات لندن. المسافة بين كاميرا وأختها قد لا تتعدى من الأمتار الثلاثين. وإن كنتَ في المحطة تنتظر الميترو، لن تفوتك الكاميرا، تتعقب خطوك، كمحقق علني ذي رخصة رسمية. أنت المراقب في بلاد أغاثا كريستي وجاك السفّاح. وأنت أيضاً من يفتح عينيه على اتساعهما لالتهام لندن. أثر الإمبراطورية في كل شيء: في الشاي رخيصاً أم باهظاً، هو هو يشي بالسرقة الأبدية من بلاد الهند والسند. وفي الزهور أيضاً، ربما أحلاها تلك المزروعة هنا، ذات الأصل الصيني، تتفتح ملء الأوج والأقصى، كقصيدة في الفخر، كعلبة سحرية من بتلات قويات مشعات بلون مثل لون بشرة الرضيع وقد امتلأ بالحليب الأنثوي.


سحرني لون الماغنوليا الصينية الزهري، كأنها تضيء ذاتها من بين الأوراق الخضر الغامقة الشبيهة بخميلة من ألف ليلة وليلة. وهي تختلف فعلًا عن الماغنوليا البيضاء، القليلة الانتشار في الشام وفي قصائد نزار أيضاً. لكنها أنّى وجدت تُعامل كتحفة حقيقية، إذ إن زهرة «المانوليا» كما نسميها، تبدو أقماراً قليلة في دغل شجرتها. ونظرًا إلى شكلها المنضم على نفسه، فإن رائحتها تنزّ وتسحرك لتقف قبالتها، لا تجرؤ على تقريب أنفك منها للتملي من عبيرها، فأنت تعرف كم هي حساسة، وقد تتناثر بتلاتها عند تلامس بشرتك ببشرتها. لذا، ابتكر أهل الشام المحتفين بالزهرة القليلة الانتشار والتفتح، طريقة أنيقة لطيفة لقطف المانوليا البيضاء: تحاط الزهرة بأوراق المحارم لتحميها من لمسة بشرية «قاتلة»، ثم تقص ساقها أصولاً، وتوضع في الماء ليسري أريجها في البيوت.

حين تذكرتُ أين قرأت أن أصل الماغنوليا الزهرية من الصين، صار تتبع الزهور في حدائق لندن وجنينات البيوت لازمة متواترة في كل المشاوير. وصلت الماغنوليا إلى الإمبراطورية في القرن الثامن عشر وفقاً لما قرأت في اللوحة المعدنية الصغيرة في «حدائق كيو الملكية»، وأنا مبهورة بشجرتها الكبيرة، ذات الأغصان القوية والمتباعدة، وبالطبع مئات الزهرات «الماغنوليات» المتناثرة في قلبها وعند حوافه، مثل كؤوس أو قناديل. وعرفت أن الماغنوليا ذات اللون الزهري الفاتح تسمى «الماغنوليا الصولانجية»، نسبة إلى عالم النبات الفرنسي إيتيين صولانج بودان الذي شهد ولادتها في قصره بفرومون قرب باريس.

لكن لم يلفتني تاريخ الوصول بقدر ما لفتني توارده لطائفة واسعة من الزهور والأشجار راحت تصل إلى الإمبراطورية منذ القرن السادس عشر وتواترت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث مهنة «المستكشف» الجوال حازت وقتذاك، رتبة أدنى إلى رتبة المبرمج ومحلل المعلومات و «الداتا» اليوم. فقررت أن أستنتنج : أينما وصلت حدود الإمبراطورية، سمحتْ لنفسها بأخذ كل شيء إلى الجزيرة، بل وتسميته وتصنيف أنواعه أيضاً. ثم قررت أن أوسع استنتاجي لأصم كل زهرة أراها في البيوت والحدائق اللندنية بأنها مجلوبة ولا ريب مما وراء البحار.

صارت مهمتي في المشاوير سهلة - وممتلئة بالأوهام تاليًا - إذ أعدت أولاً كل زهرة أعرفها إلى الشام. وإذ ارتبط الياسمين بالشام على نحوٍ بدا أبدياً نتيجة لخفّة الساحر الماهر نزار، لم ألمح نسخته اللندنية في البداية، فقد سبقتها زهور أخرى، تطابقت بين لندن والشام في الشكل والطبع إلا نتفةً.

أولى الزهور القرطاسيا والجيرانيوم (الخبيزة) والخزامى. إذ لا تختلف رسماً أو هيئة بين المدينتين إلا من ناحية الحجم، بخاصة الخزامى.

القرطاسيا لا تتحول ولا تتبدل حين تتغير جغرافيا مكانها، وتوحي أيضاً بأن ألوانها تخصها ولا تخص الطقس: بيضاء، زهرية، بنفسجية أو زرقاء لا يهم، ستنمو مكتفية بذاتها وامتلاء شكلها، مزهوة متخايلة كطاووس. زهرتها كرةٌ مرصوصة من الأزهار المتوسطة الحجم الخالية من التدرجات ولو وجدتْ. أوراقها كبيرة الحجم نسبياً، وقليلاً ما رأيتها تيبس وتذبل. كأنها تطلع فجأة وتختفي فجأة. فكرتُ أن أسميها «الزهرة المنبتة»، ثم عدلت عن الأمر لأنها لا تدخل قلبي لا شامياً ولا لندنياً

أما الجيرانيوم/ الخبيزة، فمتواضعة وكريمة حيثما وُجدت، تنتشر في كل مكان في المدينتين: لندن والشام. تجدها على الشرفات وحواف النوافذ، وقرب السياج حجرياً كان أم معدنياً. بلونها الأحمر على حافة البرتقالي، تجلس في مكانها كوصيفة مهملة فاتها أن تبدل ثوبها. تُعامل الجيرانيوم كتحصيل حاصل، كأنها من نوافل النبات، إن كان له من نوافل. والناس في الشام تتسلى وقت العصر وقهوته، بنتف أوراقها اليابسة وهي لا تزعل بل تفوح رائحتها اللاذعة بهاراً خجولاً. وهي كريمة إذ تقاوم تقلبات الفصول، وتعطي الزهر أنى استطاعت، وأكثر وتزيد.

وهي أيضاً أليفة، جارة الود اللطيفة، تطالعك في كل مكان وإن كان جديداً قد سكب تجهمه للتو، تقول لك برقة أنا تحصيل الحاصل أنا، أنا نبتة الطفولة التي لم ينهرك أحد حين قطفتها. كنتُ في بيتك من قبل، وها أنا أؤنس رحلتك اللندنية.

الخزامى اللندنية مفاجأة مفرحة، إذ هي تنتشر كما النار في الهشيم، لا يهمها أين تزرع، فكل مكان مكانها: في المتنزهات والغابات، في البساتين والروض، في المروج والحدائق، في مداخل المباني، في الحديقة الخلفية، في ممرات المكاتب، في ردهات الفنادق، على حواف النوافذ، لصق الأسوار الحجرية الواطئة، وراء زهور على مد النظر، عند أقدام الشجر، على أجنحة الغيم، فوق رؤوس العصافير، تحت عربات الأطفال، قبل الإشارة الضوئية، بعد الكنيسة القوطية، عند كل المحطات، على ظهر السناجب، فوق شبكات العناكب، حول أعناق الكلاب، على قبعات اللندنيات، وحتى في فناجين الشاي. أما اللون فأخاذ، من ليلكي شاحب موشح بغيم شفيف، إلى بنفسجي مشعّ متكحل باليم. هي أطول من الخزامى الشامية، وربما أقصر من أختها الفرنسية. لا تنمو فرادى البتة، بل كسرب ملتمٍ ملتئمٍ حول أفراده. تميل كلها معاً، إلى الجهة ذاتها، تحني رقبتها بدرجة الزاوية ذاتها. ورائحتها تفوح بقوة حين تحفنها وتفرك أصابعك بها، وتتضوع بخفر، إذ تضعها في جيوبك وحقيبتك. زهرة لندن بامتياز ومن دون صخب ولا انتباه ولا بهرجة.

تأخرت فعلاً لأنتبه للياسمين اللندني. فطريقته في النمو عادية، خلافاً للياسمين الشامي الذي يذوب منحنياً على الدرابزين، إلى حد أنك تتخيل أن الياسمين لا يوجد إلا شجراً مقوّساً حانياً

على روحه ملتصقاً على جوارحه كما يليق بخميلة. الياسمينة اللندنية تلتصق بالجدران، وتجلس في الأحواض، ولا تحتل حيزاً كبيراً. لعل عهدها في البلاد قصير، هكذا استنتجت من تصرفها.

ثم اقتربت منها، فوجدتها تطلع زمرة زمرة لا فرادى مطلقاً، فلا يصح فيها قول أقمار بيض أو نجوم من غيم كشأن الياسمين الشامي. أثارت سيقانها الخمرية فضولي، فبحثت عن أصلها، واتضح أن اسمها اللاتيني Jasminum polyanthum، يعني الياسمينة الكثيرة الزهر. واتضح أيضاً أن موطنها الأصلي الصين وبورما. أمسكت بسلسلة قطع الدومينو، حيث كل قطعة تأخذك إلى أخرى، فعرفت أن أصل لفظ ياسمين فارسي، ومعناه زهرة الزجاج، قلت لنفسي: لفرط هشاشتها البادية لا لصلابتها الخافية. وعلمت أن لها أزيد من مئتي صنف وصنف، وأن تلك المنتشرة في حواري الشام وحدائقها المنمنمة وأرض دورها الشهيرة، هي المسماة الياسمينة الإيبرية، فرحت بما عرفت، إذ كلُ شيء أندلسي، شامي الأصل بالضرورة. وقيل أن الياسمينة العطرية وصلت إلى أوروبا من طريق موازٍ للأندلس. فمن غير صقلية أخت الأندلس؟ كذا، فإن زراعتها في الجزيرة الجنوبية المثلثة، عبّدت طريقها صوب أوروبا، فالكتب تقول أن النورمان العرب زرعوها في صقلية. وعلمت أن الياسمينة اللندنية التي تلتصق بالأسوار القرميد ظهرت للمرة الأولى في القرن السادس عشر في كتاب وليم تورنر، الطبيب والمصلح ومؤرخ النبات.

وصلت الياسمينة اللندنية إذاً منذ عهد غير قصير كما ظننت. اقتربت منها وفكرت: تطلع اللندنية كقطيع إن كنتٓ واصفاً لئيماً، وتطلع ضمّات ضمّات إن كنت واصفاً ضعيفاً، كمنبتٍ عن مكانه، يستحي أن يقول أي شيء، فما بالك بوصف الزهور؟