عبد المنعم رمضان: الخصومةُ حول أشكال الشعر غرضُها نفي الآخر

علي عطا |

صدر للشاعر المصري عبدالمنعم رمضان في القاهرة ديوانٌ جديد عنوانُه «الهائمُ في البرية» (العين)، وفي المناسبة أقامت دار النشر حفلة توقيع حضرها جمع من الشعراء والنقاد والمثقفين في مقدمهم أدونيس وجابر عصفور وشاكر عبدالحميد. ويأتي هذا الديوان الذي رسمت غلافه الفنانة اللبنانية نجاح طاهر، بعد ست سنوات على صدور آخر دواوين رمضان «الحنين العاري» (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، علماً أن ديوانه الأول «الحلم ظل الوقت الحلم ظل المسافة» صدر عام 1980، وتلاه «الغبار أو إقامة الشاعر على الأرض»، «قبل الماء فوق الحافة»، «لماذا أيها الماضي تنام في حديقتي»، «غريب على العائلة»، «بعيداً عن الكائنات»، «النشيد»، «الصعود إلى المنزل»، فضلاً عن سيرة ذاتية تحت عنوان «متاهة الإسكافي» (دار الآداب) وكتاب مقالات عنوانه «الشهيق والزفير» (المجلس الأعلى المصري للثقافة).


هنا حوار أجرته «الحياة» مع رمضان لمناسبة صدور ديوانه الجديد:

> بدا حضور أدونيس الندوة التي نظمتها دار «العين» احتفالاً بصدور ديوانك «الهائم في البرية» وليد مصادفة، لكنه مع ذلك أثار جدلاً لجهة أنه تحدّث في حضور الناقدين جابر عصفور وشاكر عبدالحميد عن قناعته ببؤس الجانب النقدي المواكب للشعرية العربية... كيف تنظر إلى ذلك الأمر؟ إلى أي مدى يمكن أن تشعر بالرضا أو عدمه، إزاء المواكبة النقدية لمجمل تجربتك الشعرية التي انطلقت قبل نحو أربعة عقود؟

- تاريخنا الثقافي الراهن جعل الناقد وسيطاً غليظ الشفتين منخور الأسنان غالب الوقت، ولم يستطع أن يجعله رائياً أو صانعاً أو مِحْوَلْجياً مثله مثل الشاعر، وكما ينبغي له أن يكون، لولا أن الناقد رأى الشاعر معذّباً بسبب ذلك، بسبب أنه الرائي والصانع والمِحْوَلْجي، في مرات قليلة استطاع تاريخنا الثقافي أن يقيم الناقد مقام الشاعر، أكثرها كان في الماضي، أيام كنّا منتجي ثقافة، أيام كنّا جماعة ثقافية، الأصح أيام كانت أرضنا تحت أقدامنا، وسماؤنا فوق رؤوسنا. ولعلنا سنظل نذكر بشغفٍ ما اسم محمد بن يحيى الصولي، الذي أوافق على اعتباره صاحب أول بيان حداثي في زمنه، وقد مهّد له ابن قتيبة ومحمد بن يزيد المبرد. عموماً إن أكثر ما يتعلمه الشاعر الآن، لن يكون إلا من الشعر ذاته، والخصومة القائمة بينهما: الشاعر والناقد، هي خصومة قطب وداعية، بخاصة أن ذاكرتنا تؤكد لنا أن الأطروحات حول الشعر، أعني الأطروحات الجديرة بالتقدير، قدّمها الشعراء أنفسهم، والباقي شروحات، وهذا لا يعني المفاضلة بين شاعر وناقد، وإنما يعني ضرورة الإشارة إلى جماعتنا، جماعة الثقافة العربية، والتي لم تعد قادرة على تقديم أي إسهام في ثقافة العالم وحضارته وعلومه، عقل العالم في الحقيقة يتشكل بعيداً عنا، ونحن نلهث خلفه، ونتشبث بظلاله، ربما لا نلهث، فنونُنا هي الوحيدة الجديرة بأن تنتسب إلينا، الوحيدة القادرة على أن تشبهنا، وبسبب هذا الخصام بين فن يشبهنا، وثقافة تشبه غيرنا، أصبح القليل من فنوننا، القليل الجميل، القليل النادر، أصبح مثل كائن مارق ومهجور، مثل كائن يتقدم علينا بخطوات في الغُربة، أغلبنا لا يراه، ولن يراه، بعضنا سينزعج منه، بعضنا سيظنه شبحاً، الأقلية فقط هي التي ستحسبه الباقي من هويتنا، ستحسبه حارس هويتنا، فبعد أن خانتنا السياسة والاجتماع، وتأخرنا عن العلوم جميعاً؛ الكيمياء والفيزياء والسيمياء والطب والاقتصاد، وضاعت مواردنا الطبيعية، وضاع الإنسان فينا، وفقدنا الأرض والسماء، أصبح الفن الجميل هو الوحيد الذي قد يدلنا على أنفسنا، الوحيد الذي قد ينبهنا إلى ضرورة الخروج من الحفرة المظلمة، الوحيد الذي قد يساعدنا على العودة إلينا. الحقيقة أنه منذ زمان طويل مات النقاد المؤسِسون. منذ زمان طويل جداً حاصرتنا هتافات النقاد المشغولين بالشرح والتفسير، فاستغرقتنا الشروح، وغرقنا فيها، هل نحن، أعني العرب، عيال في النقد، نعم نحن عيال في النقد وغيره.

> وجود قصيدة «مرثية مينا» التي نشرتها جريدة «الشروق» في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 في ديوانك الجديد، هل يمكن اعتباره مرثية لثورة تحمّستَ لها في حينه ومعك أحمد عبدالمعطي حجازي وحلمي سالم وحسن طلب وشعراء آخرون من أجيال مختلفة؟

- مساء الثلثاء 25 كانون الثاني (يناير) 2011 خرج الشباب في ما كان من الممكن أن يصبح ثورة، وارتبك النظام الحاكم وشرطته وعسكره وبرلمانه، وارتبك الواقفون على الأعراف يساراً ويميناً. إلا أنه منذ صباح الجمعة 28 كانون الثاني (يناير) 2011 رابع أيام الخروج، كانت كل الأجنحة الأقوى في مؤسسة السلطة وخارجها قد رتّبت أوراقها، ورسمت خططاً لاستثمار هذا الخروج في الذهاب بالأوضاع إلى ما آلت إليه في ما بعد. أعترف بعدم خروجي يوم 25 يناير. كنتُ أظن الأمر نزهة ثورية. أعترف أنني خرجت يوم 28 يناير مصادفة لأشاهد التظاهرة المارّة قرب بيتي، فتحمستُ والتحقتُ بها، وفجأة انفتحت شرفةُ أحلامي. الغريب أنني الآن أعتقد أن يوم خروجي صادفَ يوم تدبيرهم خطة اغتيال الأحلام، لكنني ساعتَها لم أفهم، لذلك استمررتُ في الخروج إلى ما بعد سقوط مبارك، ومع الوقت كنت قد بدأت الإحساس بأن ما أشارك فيه ثورة مغدورة، دلّت على ذلك بعض مقالاتي أيامها. بهذا المعنى أعترف بأنني لم أشارك في الأيام الثلاثة الأولى، أيام الثورة، ولكنني شاركت في الأيام التالية، أيام اغتيال الثورة، ولمّا فاجأني مقتل مينا دانيال في الساحة المقابلة لمبنى التلفزيون المصري (ماسبيرو)، اكتشفتُ أنني أذرف دموعي مبكراً على ذلك الحلم الذي سنفقده. وعندما قابلتُ في ميدان التحرير أختَ مينا بعد مقتله، واحتضنتُها، كنت أحتضن الحلمَ الضائع، لذا أظن أن هذه القصيدة بالنسبة لي هي مرثية الأحلام الضائعة، مرثية فقدان الفرصة في أن يعود الوطن شاباً في عمر مينا دانيال، أو عمر أخته.

> قرأتُ حواراً مع الشاعر جمال القصاص نشرته أخيراً جريدة «أخبار الأدب»؛ جاء فيه على لسانه أن جيل السبعينات هو آخر جيل للشعر... هل تتفق أو تختلف مع هذا الحكم؟ وما هو في تصورك الإنجاز الأهم لشعراء جيلك؟ وما هو الذي ما زال يجمعهم حتى الآن في ضوء أن السبل تفرّقت بهم على ما يبدو، وربما أيضاً الرؤى والانحيازات سواء كانت جمالية أو أيديولوجية؟

- لبيروت حقُ أن تزهو بأنها تقيم على البحر، وترى ما وراءه، وتتجدد وتغير ملابسها يومياً، وللقاهرة حق أن تزهو بأنها تقيم بين النيل والصحراء وتنظر إلى أقدامها، وتصرُّ على حماية ماضيها. في بيروت كل يوم يولد جيل جديد، وفي القاهرة يصرُّ كل جيل على أنه الأخير. في بيروت كتب محمود درويش قصيدة النثر، وفي القاهرة ناضلَ درويش بشعره الموزون. لا أقصد بالمقارنة التفضيل أو الذم، ولكنها إعادة نظر جعلتني أكره تلك الكلمات: الأخير، الخاتم، الخاتمة، الختام، لأنها في ظني تلبس مسوحاً دينياً، وتغلق المستقبل. جيل السبعينات لا يمكن أن يكون آخر جيل على المستويين، الواقع والأمل، أذكر أنه عندما أصدر أدونيس مجلته (الآخر)، بفتح الخاء لا بكسرها، وفي أثناء إعداده للعدد الثالث خريف 2011، طلب مني إعداد ملف لشعراء بعدي، فاخترتُ أربعة، كنتُ ساعتها أراهم مع غيرهم يطرحون فعلاً شعرياً مضافاً، وقدمتُ للقصائد بمقالة حاولتْ الاقتراب من حساسية تحمل ملامح تختلف عن ملامحنا، اتفق البعض على تسمية جيل هؤلاء الأربعة بجيل التسعينات، وهو أيضاً ليس الأخير، بعده ظهرت حساسيات أخرى تنشع أحياناً بهواجس الدوران حول صوت اللغة كفعل شعري متميز، وتنشع أحياناً بهواجس اصطياد نثر يكون أكثر إيغالاً في نثريته لبلوغ الشعرية عند الطرف الأقصى، وبينهم أسماء يمكن انتظار تجربتها بفرح إذا لم تتعثر: محمد منصور، عبدالرحمن مقلد، عبد الرحمن تمام، محمد رياض، أحمد عايد... إلخ.

> في رأيك: إلى متى سيستمر جدل قصيدة النثر في الشعرية العربية، بين مُقرٍ بمنجزها وبين مَن لا يراها شعراً، وأولئك الذين كتبوها بانحياز مشروط إذا جاز هذا التعبير، وأنت واحدٌ منهم وكذلك الراحل حلمي سالم، على سبيل المثال لا الحصر؟

- لم أعد قادراً على الاستمرار في التمييز بين شعر وشعر بسبب قالبه، فالقوالب في ذاتها لا تصنع الشعر، قصيدة النثر ليست ضمانة، وقصيدة الوزن أيضاً ليست ضمانة، الشعر في مكان أكثر سرية من تلك الأشكال الواضحة التي نتخاصم حولها عبثاً، الخصومة حول الأشكال تحدث غالباً بقصد نفي الآخر، بقصد احتلال الأفق دونه، والشعر لا يجب أن يكون خسيساً إلى هذا الحد، والشاعر على رغم كل ما سبق، هو في النهاية صانع أشكال أيضاً، ليتني أقابل رسول حمزاتوف ثانية، في المرة الأولى قلت له أنت تذكرني بيحيى حقي، طبعاً لم يفهم شيئاً من كلامي، في المرة المقبلة سأقول له: يا رسول، دافع عن إنائك بالخمر الذي فيه، وليس بالإناء وحده، إياك أن تَشْمت بالآنية المكسورة، يكفي أن تتركها خلفك للذكرى، أظنه سيفهمني تماماً هذه المرّة.

> كنتَ أحد الذين أقروا نشاطاً شعرياً موازياً لنشاط وزارة الثقافة في مصر، عبر ما أُطلِق عليه «الأمسيات البديلة»، التي واكَبت إحدى دورات ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي، وبعدها أقيمت ملتقيات عدة في ذلك الإطار «الاستقلالي»، ثم ما لبث أن انقسم منظموها على أنفسهم... ما هو تقييمك لأنشطة كهذه الآن، علماً أنك قلتَ سابقاً إنك مع الوقوف على مسافة من المؤسسة الرسمية بدلاً من القطيعة معها؟

- كنتُ أزعم لنفسي أنني لن أرى لوحة (الغذاء على العشب) إذا اقتربت منها جداً، ولاصقتها، ولن أراها إذا ابتعدت عنها جداً، ما سيجعلني حريصاً على ضبط المسافة، الضبط الذي يسمح بتعدد الخيارات داخله. ظننتُ أيامَها أنني على صواب، لكن انقضاء عشر سنوات على هذا الرأي جعله رأياً عتيقاً لا يصلح. الآن أظن أن ضبط المسافة ترفٌ وخذلان وحيلة ويأس، فالمؤسسات الرسمية لا تنتظر منك غير الذوبان فيها، انخفض جداً السقف الذي كان يسمح بضبط المسافة، انخفض إلى حد أنه يضعك بين خيارين اثنين، أحدهما أن تلتصق تماماً باللوحة لتصبح جزءاً منها، وهذه ميتة عصرية، والآخر أن تنكرها، لتصبح أنت خارج المشهد، وهذه ميتة عصرية أيضاً، فاختر ما شئتَ، اختر ما شئت.

> منذ سنوات طويلة تحرص على «جلسة الجمعة» في مقهى «زهرة الستان» في وسط القاهرة... هل يمكن القول إنها تحولت مع الوقت إلى مفرخة لأدباء جدد، وساحة نقاش لقضايا أدبية ما يجعلها أقرب إلى الصالون الأدبي، أم أنها لا تزال مجرد جلسة أصدقاء من أجيال مختلفة تتخذ طابعاً اجتماعياً؟

- أكاد لا أصدق أن تربيتي لم تتجمل، وأنها ابتدأت بعشق أوائل الأشياء، أول امرأة، أول أغنية، أول هزيمة، خذ بالك نحن بلا انتصارات، أول كتاب، أول فيلم، أول مقهى. ومع أول مقهى يمكنني أن أتذكر كيف جرّبنا الجلوس أحياناً في مقهى «ريش»، التي نؤنثها دائماً، ورأينا عن قرب يوسف إدريس وأمل دنقل وعبدالسلام محمد، لكننا هجرناها قبل أن نألفها، لثلاثة أسباب، أنها كانت أعلى من إمكاناتنا، وأنها كانت أكثر زيفاً على العكس من أحلامنا، وأنها كانت ذات جدران سميكة، وغير مرئية، مع أنها في ذلك الوقت كانت مقهى رصيف، لكن السبب المباشر الذي دفعنا بعيداً عن «ريش»، هو تحولها بعد اتفاقية السلام إلى مكان لا بد أن نعاديه، مكان أسود، سنتذكر سواده عندما تتحول ثانية بعد 25 يناير إلى مكان أكثر من زائف، أكثر من أسود، لذلك ومنذ اتفاقية السلام فررنا من «ريش» إلى المقهى الشعبي المحشور خلف «ريش» والذي كان يملكه الحاج أحمد، ويؤمه سبّاكو المنطقة ونجّاروها وحرافيشها. على مقربة من المقهى مسجدٌ بداخله قبر سيدي حمزة، كان عم أحمد يعتبر سيدي حمزة الذي كان لص غسيل، قطباً وهو مريده، وكل سنة صرنا نحتفل معه بمولد سيدي حمزة، عم أحمد يعلق مصابيح الزينة، ويركب حصاناً يتبختر تحته، المعلم والحصان، كنا الرواد الأوائل، صرنا مفتونين بالحكاية كلها، وبأزمنة المقهى المتتالية التي امتلأت بوجوه كثيرة، استمرت في الظهور أمامي كأطياف لا تموت، على رغم موت أصحابها، إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله وفاروق عبدالقادر وشوقي فهيم وإبراهيم منصور ومحمد البساطي ومحمد مستجاب وعبدالحكيم قاسم وعفيفي مطر وحلمي سالم، وأحياناً أمل دنقل عندما يفلس، وأحياناً قليلة فاروق شوشة عندما يصيع، إلخ إلخ. مقهى «زهرة البستان» بالنسبة لي ليس جِلسة أصدقاء، وليس صالوناً أدبياً، إنه نهر من أنهار الحياة، وهبَه الله كل ما يحلم به نهر صغير من الطبقة المتوسطة، الوحل والبعوض والربيع، لقد اهترأت مريلته الخضراء على صدره، ولم يعد يغادر مجراه، ليت محمد الماغوط ارتاده قبل أن يسخر منّا، ومع ذلك سأقول مثلما قال الماغوط: البستان هو المكان الذي أحبه، ولن أهجره حتى لو قطعتم لساني وفقأتم عينيّ، ففيه جالست أدونيس وسعدي يوسف وقاسم حداد وعلي حرب ومحمد علي فرحات وليانة وليالي بدر ونجاح طاهر وعالية ممدوح وخزعل الماجدي وأحمد المديني ومحمد بنيس ورشيد يحياوي ونبيل وجبار ياسين وسلوى وخليل النعيمي وفيديل سبيتي ومروان علي وليندا نصار وهاشم شفيق وعباس بيضون ووديع سعادة... إلخ إلخ. وفيه حاولتُ أن أجلس مع المازني، لكنه كان يجلس في مقهى «الحرية» في باب اللوق (وسط القاهرة)، كان يجلس وحيداً. أظنني في آخر عمري سأجلس في «زهرة البستان»، جلسة المازني، وحيداً، وحيداً هكذا.

> تصر على التعامل في أضيق نطاق ممكن مع السوشيال ميديا، وترفض أن تكون لك مثلاً صفحة على «فايسبوك»، فما هو السر وراء ذلك، علماً أنه يندر اليوم أن نجد مَن يتخذ موقفك هذا في ظل سطوة العالم الافتراضي حتى في إنتاج الشعر وتداوله، على سبيل المثال؟

- أعترف أنني أحب رائحة الورق، أحب ملمسه، أحب التماثيل في أماكنها، واللوحات على الحوائط، والقراءة في الكتب، أحب التجسيد كأنه قيامتي، وأخاف من التجريد كأنه فنائي، أحب أن أشعر برسوخي، برسوخ الفكرة، بالنظر إليها كأنني أنظر إلى شجرة، أحب أن أمشي تحت المطر، أن أقشر برتقالة، أن أتبع امرأة، وأن ألهث وراء صوت فيروز، لكنني أخاف من السوشال ميديا، من الفايسبوك، لأنني أخاف موت الأشياء، أخاف تحولها إلى ذرات، إلى نقاط ضوء، إلى فراغ ممتلئ بالشظايا، أحب أن أكون ذلك الرعوي جداً في مجتمع حديث جداً.

> عقب الدورة الأخيرة لملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي، علِمنا أنك كنتَ ضمن المرشحين للفوز بجائزتها، وتناثرت أقاويل عن أن اسم الفائز يحدد سلفاً، وأن قائمة المرشحين شكلية، خصوصاً أن منظمي تلك الدورة أعلنوا صراحةً أن الجائزة ستذهب إلى شاعر مصري، ما يعني تضييق أفق التوقع باستبعاد أسماء غير المصريين... كيف ترى ذلك الآن؟

- ليس هذا ما حدث، لم يرشحني أحد لنيل جائزة ملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي، الكل يعرف موقفي من جوائزهم، حتى أن الدكتور صلاح فضل عندما أعلن حماسته لتجربتي الشعرية وقرنها بطلبه مني أن أترفق وأقبل ترشيحه لي ولشعري لنيل جائزة الدولة التقديرية التي يصر على أنها تليق بي، أعلن ذلك ذات صباح أو ذات ظهيرة تخللت دورة ملتقى الرواية العربية التي كان يرأسها، أعلنه أمام كثيرين منهم اللبناني عباس بيضون والتونسي الحبيب السالمي والسوداني أمير تاج السر وآخرون، حتى أنني أجبته بأن زوجتي لن تستمر زوجة لي إذا قبلتُ الجائزة، وضحكوا جميعاً.

ولأن جائزة الدولة التقديرية لا يتقدم إليها الشخص نفسه، بل تقوم بترشيحه إحدى الجهات المنصوص على صلاحيتها للترشيح، مع اشتراط أن يقدم الشاعر المرشح إقراراً بموافقته على قبولها إذا مُنحَت إليه، لذا فإن الدكتور صلاح فضل أعاد طلبه ذات مكالمة تلفونية معي، بأن أوافق على توقيع الإقرار فيما ستكون بقية الإجراءات واجباً عليه وعلى أقرانه، أحكي ذلك للفخر ربما، وأحكيه لأدلل على أنهم يعرفون جميعاً أنني خارج جوائز الدولة، لذا لا يمكن أن يفكروا في ترشيحي لجائزة ملتقى القاهرة للشعر العربي، الالتباس حدث بسبب رسالتي إلى صديقي عباس بيضون، والتي أيّدت فيها اعتذاره عن عدم المجيء للمشاركة في لجنة تحكيم المؤتمر، ونشرت الرسالة فيما أظن بملحق «الأخبار» أو بملحق «النهار»، وذلك على إثر ما شاع وذكره أشخاص موثوق بهم، في أن الجائزة تتجه إلى شاعر بعينه، وأن لجنة التحكيم لجنة تسويغ لهذا الترشيح، الآن أعود لتحية عباس بيضون على اعتذاره.

> هل تنوي العودة مجدداً إلى «متاهة الإسكافي» لتواصل سرد سيرتك الذاتية نثراً؟ هل ستكرر تجربة العمل المشترك مع نجاح طاهر علماً أنها أهدتك غلاف ديوانك الأخير؟

- عندما شرعنا في صناعة هذا الكتاب ذي الغلافين، كنّا صديقين في الفن، تشكيلية وشاعر، أعترف الآن بأنني اعتقدتُ دائماً أن الفنون الأخرى، الرسم والنحت والرقص والسينما وصوت فيروز والموسيقى والمسرح، إذا نفذت إلى قلب الشاعر، جعلت أسراره غابة أكثر فتنة، وجعلت شعره فاكهة محرمة، هذا الاعتقاد ألزمني بأن أتشبث بصناعة الكتاب ذي الغلافين، والذي تصوّره كلانا، نجاح طاهر وأنا، السبيل الوحيد القادر على إيصالنا إلى مدينة إيثاكا، أنا على متن (المتاهة)، ونجاح على متن (الهجر)، انتهينا من صناعة الكتاب قبل وصولنا إلى إيثاكا، هل وصلنا فعلاً، عندما انتهينا سألتُ نفسي: هل كنّا مثل شخصين عابرين لحظة اقتربنا من حدود المدينة، هل كنا مثل شخصين عابرين لحظة لمسنا خشب بوابتها، وهل كان الحراس طبيعيين عندما منعونا من الدخول، ما الذي ينقصنا ما دام كفافيس وفى بوعده وأعطانا التأشيرة بأن الرحلة أهم من الوصول. بهذه الأسئلة وبالإجابات الغائمة اقتنعنا أننا أنجزنا الأهم، وقررنا العودة، الفنانة إلى مرسمها، والشاعر إلى دفتره، لولا أنني ما زلتُ أظن استمرار رغبتي في التعرف إلى بيوت إيثاكا وطيورها، وأن ذهابي منفرداً قد يتيح ذلك لي، لهذا أعتقد أنني سأضيف فصولاً جديدة إلى متاهتي، تعينني على الإقامة في إيثاكا، آملاً في أن أنعم بصحبة كفافــيس، وفي استعادة القاهرة التي فقدتها، وفي الإجابة على السؤال الغائب، ما الذي يجمعنا: إيثاكا وكفافيس ونجاح طاهر وأنا.