أصداء الأزمة التركيّة في الأسواق النامية

جايمس ماكينتوش |

ليس انهيار العملة التركية كارثة محلية فحسب نجمت عن سياسات اقتصادية غريبة أو هجينة ولا عن الانزلاق الى مواجهة مع الولايات المتحدة. فهو (الانهيار) تحذير للمستثمرين في الأسواق النامية الأخرى. فإجراءات تحسين الحوكمة الاقتصادية في هذه الأسواق أقل تماسكاً مما يحسبون. وحمل نمو الاقتصاد التركي الطويل المستثمرين على حسبان أن ثمة تغيراً مؤسساتياً راسخاً وثابتاً، لكن حين تحولت طفرة النمو الى إخفاق أو إفلاس، انبعثت السياسات القديمة نفسها في حلة جديدة. ولا شك في أن الجيش التركي ليس اليوم من يوجّه الدفة في تركيا، غير أن الرئيس التركي ينزلق أكثر فأكثر الى الاستبداد وعاد الى الاستراتيجيا السابقة وقوامها إلقاء اللائمة على مؤامرات خارجية عوض الصدوع بالآلام التي تقتضيها معالجة المشكلات المالية العميقة الجذور.


وتتردد أصداء ما جرى في أسواق نامية أخرى في حوادث تركيا اليوم. فبعد أن نزل بها الإفلاس في نهاية التسعينات، نسقت بلدان الأسواق النامية خطواتها. وفي عقد العام 2000، أُطلقت يد البنوك المركزية، وأُرسيت الديموقراطية، وازدهرت التجارة وادخرت عملات أجنبية لجبه أخطار هرب رؤوس الأموال. وراهن المستثمرون على استمرار مساعي تعزيز المؤسسات، وصارت الأسواق النامية «أسواق نمو» في لغة كثير من المديرين. وبرزت في 2013 مكامن ضعف في الإجراءات الاقتصادية الكلية المنتهجة، وبدأ قادة أقبلوا على الديموقراطية الغربية ينعطفون الى الاستبداد. وظهر ضعف المؤسسات التي حمت حكم القانون وحقوق الإنسان والسياسات المالية من أهواء السياسيين، وعجزها عن الوقوف في وجه قادة نافذين. وتركيا هي خير نموذج على إخفاق المؤسسات، على رغم أن شوائب مماثلة ظهرت في غيرها من الدول النامية. ففي الهند، أقبل الزعيم الشعبوي على التدخل في البنك المركزي، وعدلت الصين القوانين لتمديد ولاية الزعيم الشيوعي الى ما لا نهاية، ومالت الى الاستبداد أكثر مما درجت عليه. وفي الفيليبين، رفض الرئيس تقييد القتل بقيود قضائية. وقطّع قادة شرق أوروبا، وعلى رأسهم بولندا، القيود المؤسساتية إرباً، في وقت صارت روسيا منارة المستبدين في العالم.

وليس الفشل المؤسساتي ما يفضي الى شلل اقتصادي فحسب. ويقول روشير شارما، صاحب «بروز الأمم وسقوطها» وكبير الخبراء الاستراتيجيين في مورغن ستانلي، أن الأداء الاقتصادي متشابه في الديموقراطيات والأنظمة الاستبدادية، ولو أنه في الديموقراطيات أكثر ليونة. وحين تكون المؤسسات ضعيفة، تتعثر الدول في المضي قدماً حين تجبه الضغوط، ويصيبها التراجع الاقتصادي إصابة بالغة، وهذا ما تعيشه تركيا اليوم. فالمؤسسات الأقوى قد لا تحمي من الضربات إذا كانت تعاني عجزاً كبيراً في الحساب الجاري، في وقت تتعاظم قوة الدولار، غير أنها (المؤسسات الأقوى) تصمد في وجه العاصفة وتتعافى بوتيرة أسرع.

لكن، هل الأسواق النامية تتراجع وتنهار؟ الجواب هو لا عموماً. فالأسواق النامية لا تجمعها وحدة حال، وثمة تباين بين حوكمتها الاقتصادية. فثمة دول كثيرة تسير القهقرى. لكن في غيرها من الأسواق النامية، صمدت المؤسسات مع تداول السلطة، إثر فضائح فساد، على ما حصل في البرازيل وماليزيا وجنوب أفريقيا. والتزمت إندونيسيا سنناً اقتصادية صارمة. وحتى الهند في عهد الشعبوي نارندرا مودي، مضت في إصلاحات اقتصادية كانت عصية على أسلافه من القادة. واليوم، تراوح أسواق نامية مكانها، ومجموعة منها تتراجع. وعلى الأمد القصير، تجبه الأسواق النامية ضغوطاً ناجمة عن انبعاث قوة الدولار، فتتضرر دول عجزها في الحساب الجاري يفاقم اعتمادها على التمويل بالدولار - وفي صدارة الدول هذه تركيا والأرجنتين. وتباطؤ النمو في الصين يلحق الضرر بالدول التي تعتمد على تصدير السلع. ومعدلات الفائدة الأعلى قيّدت السعي الى الربح السريع، وهذا السعي حمل المستثمرين على الاستثمار في سندات أسواق نامية عالية الأخطار في أعوام التيسير الكمي الذي التزمه الاحتياطي الفيديرالي الأميركي.

* عن «وول ستريت جورنال» الأميركية، 14/8/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي