تلاقي السوريين وتباعدهم: التمسك بالعروبة ورفض اللامركزية

محمد سيد رصاص |

في آذار 2016 تلاقت السلطة السورية مع «الائتلاف» «هيئة التنسيق» على رفض مشروع الفيديرالية المطروح عبر القوة الكردية الرئيسية، حزب الاتحاد الديموقراطي- pyd، وواجهتها «مجلس سورية الديموقراطية». القوتان المذكورتان تمثلان الجسمين الرئيسيين للمعارضة السورية السياسية. ظهر غريباً أن تتلاقى السلطة والمعارضة على رفض مشروع تطرحه قوة كانت في حال تأرجح بين خندقي السلطة والمعارضة، وهي على الأرجح بنت استراتيجيتها منذ بدء الأزمة السورية على استغلال هذه الأزمة من أجل تعويم المطالب الفئوية الكردية. عند السلطة وأغلب المعارضة السورية هناك مشترك كبير هو النزعة العروبية، وأيضاً الموقف من الثقافة الإسلامية والتشريع الإسلامي، حيث يشترك قسم كبير من الإسلاميين مع العروبيين، من الفرعين الناصري والبعثي، في رؤية تمزج العروبة والإسلام في قالب واحد، على رغم أن عبد الناصر وحزب البعث في دمشق كانا من أشرس من حارب الإسلاميين، كما أن تحالف عبدالناصر مع (الأزهر)، وتحالف حزب البعث مع الإسلام المشيخي الرسمي بفرعيه الأشعري (محمد سعيد رمضان البوطي وتلاميذه) والصوفي (الشيخ أحمد كفتارو وتلاميذه)، قد أعطى مكانة قوية للشريعة الإسلامية في مجال التشريع في القاهرة ودمشق، مما جعل تجربة العروبيين العرب في مسار متناقض ومختلف جذرياً مع تجربة قومية تركية مثلها كمال أتاتورك وتجربة قومية فارسية مثلها رضا بهلوي وابنه محمد في طهران بين عامي 1925 و1979، حيث كانت التجربتان قوميتين علمانيتين حاربتا الثقافة الإسلامية والإسلاميين واصطدمت بهم.


ما حدث في آذار (مارس) 2016 لم يتظهر في السياسة، لأن التمفصلات الرئيسية في تحديد الخنادق بين السوريين كانت متمثلة في الموقف من الأزمة السورية (في أسبابها والموقف من القوى المتصارعة وفي الموقف من الحلول المطروحة للأزمة). كان الشيء الأخير تكراراً للسبعينات والثمانينات عندما كانت المعارضة السورية لسلطة حافظ الأسد تشترك معه في «العروبة» و «قضية فلسطين» ولكن تختلف معه تجاه الوضع الداخلي. في الحقيقة بدأ التمايز أبعد من نطاق الوضع الداخلي بين السلطة السورية وقسم كبير من المعارضين السوريين، ابتداء من الموقف الذي اتخذه معارضون سوريون في تأييد صريح، أو مبطن، للغزو الأميركي للعراق ومن ثم احتلاله عام 2003، مثل رياض الترك الذي طرح نظرية «الصفر الاستعماري» وقوله إن «الأميركيين نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر» (مقابلة مع جريدة «النهار» في 28 أيلول- سبتمبر 2003)، وهو موقف لاقى تأييداً لدى كثيرين من الشيوعيين والماركسيين الذين كانوا في حال تحول نحو اتجاه «الليبرالية الجديدة». وحتى عندما تأسس «إعلان دمشق» في خريف 2005 فقد كانت واضحة فيه غلبة الليبراليين الجدد وأنه تجمع ظرفي لاستغلال لحظة أزمة واجهتها السلطة السورية مع واشنطن، وسرعان ما ترك عروبيو «حزب الاتحاد الاشتراكي» وماركسيو «حزب العمل الشيوعي» ذلك التحالف الظرفي على خلفية رفضهم المراهنة على المشروع الأميركي للمنطقة الذي لاقى تأييداً لدى الليبراليين الجدد والإسلاميين والأكراد في «إعلان دمشق».

كان هناك معارضون سوريون كثر يشتركون مع السلطة السورية في رفض غزو العراق واحتلاله لكنهم ظلوا في المعارضة لأن الموضوع الداخلي هو الأساس عندهم، فيما كانت القوى المهيمنة في «إعلان دمشق» تختلف في رؤية الوضع الدولي والإقليمي والداخلي مع السلطة السورية. ربما كان انشقاق «إعلان دمشق» في 1 كانون الأول (ديسمبر) 2007 هو المفتاح لتفسير لوحة المعارضة السورية في الأزمة السورية البادئة في درعا في 18 آذار 2011 حين استمر مؤيدو المشروع الأميركي للمنطقة في فترة 2003- 2008 من المعارضين السوريين في مراهنتهم على الخارج الغربي الأميركي- الأوروبي، وزادت شهيتهم بحكم تجربة حلف الأطلسي عام 2011 ضد معمر القذافي، فيما كان المعارضون ضد ذلك التأييد في تلك الفترة هم أنفسهم الذين قادوا في فترة الأزمة السورية خطاً معارضاً يرفض الاستعانة بالخارج ويرفض العنف ولا يطرح شعار إسقاط النظام بل الخط التسووي.

كانت هذه التعارضات في المعارضة السورية هي التي منعت توحدها عام 2011، وحتى عندما دخلت أطراف خلاف 2011 في «الهيئة العليا للمفاوضات» عام 2015 فإن مفاعيل ذلك الخلاف كانت كامنة وأحياناً كثيرة معلنة أو قابلة للتفجر، وليس بعيد الاحتمال أن مراجعات المعارضين السوريين لعملية هزيمة المعارضة السورية في فترة 2011- 2018 ستكون محكومة بخريطة اصطفافات المعارضة السورية في عام 2011.

الدخول في مرحلة صياغة دستور سوري جديد، وهو ما توحي الكثير من المؤشرات الدولية بأنه هو سيكون واسطة الانتقال السياسي السوري نحو وضع جديد غير وضع ما قبل 18 آذار 2011 وليس «هيئة الحكم الانتقالي» التي طرحها بيان جنيف (2012) والقرار 2254 (2015)، سيظهر خريطة تلاقيات وتباعدات سورية مختلفة عن فترة الأزمة السورية، ومن المحتمل أن لوحة آذار 2016 سيتم تظهيرها من جديد عندما ستتلاقى السلطة والمعارضة على رفض «الفيديرالية» و «الحكم الذاتي)» و «اللامركزية السياسية» و «جمعيات المناطق». سيحصل الشيء نفسه عند التطرق لهوية سورية وعلاقتها بالعرب والعروبة، وعلى الأغلب سيتلاقى كثيرون من المعارضين مع السلطة السورية في رفض العلمانية وفي التلاقي على صياغة قريبة من دستور 2012 تجاه مكانة الشريعة الإسلامية. ستظل الخلافات متركزة بين كل المعارضين السوريين وبين السلطة على موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية الموجودة في دستور 2012، حيث يميل كثيرون من المعارضين نحو نظام مختلط بين الرئاسي والبرلماني على الطراز الفرنسي، أو نحو نظام برلماني على الطراز البريطاني. في مرحلة الانتقال ستكون هناك اصطفافات جديدة تجاه القوى الدولية والإقليمية التي اشتركت في الأزمة السورية سواء مع الموالاة أم مع المعارضة وتجاه أي وجود عسكري في شكل قواعد أو تسهيلات، ولن تكون نسخاً عن المواقف القائمة الآن. في مرحلة ما بعد الانتقال السياسي لن تكون خريطة الاصطفافات نفسها التي كانت في مرحلتي الأزمة والانتقال، حيث سيكون لاصطفافات يسار ويمين تجاه قضايا «العلمنة» و «التحديث التشريعي والقانوني» و «القضايا الاقتصادية- الاجتماعية» دور رئيسي في تحديد الخريطة السياسية السورية.

* كاتب سوري