مي المصري: خيارات محيّرة بعد سنوات «3000 ليلة» اللذيذة المتعبة

إبراهيم العريس |

تماماً كما حال معظم السينمائيات العربيات اللواتي يصنعن اليوم «مستقبل» السينما العربية وقد أخذن على عاتقهن تحقيق الشرائط الأكثر جدية وطموحاً، التي تؤمن بقاء هذا الفن في حياتنا، تشتغل في ذهن مي المصري اليوم، مجموعة لا حدود لها من المشاريع. ومن هنا، حين تحدثك الآن عن مشروع تشتغل عليه، لن يفاجئك أن تراها بعد أسابيع تنتقل الى الحديث عن مشروع آخر تماماً. وهذا من دون أن تهدأ لحظة خلال مطاردتها لعروض فيلمها الأخير «3000 ليلة» الذي أضحى أيقونة فلسطينية منذ عروضه الأولى قبل سنوات ثلاث. فإذا أضفنا الى هذا نحو سبع سنوات تكوّن فيها الفيلم كمشروع أولاً ثم كعمل قيد التنفيذ بين بيروت والأردن، يصبح المجموع عشر سنوات وأكثر! فمتى سيتّسع الوقت لكل الأفكار التي تمور في رأس هذه الفلسطينية الحسناء، التي يبقى شعارها الأول في السينما والحياة أن تبقى القبضات مرفوعة؟

عودة الى نابلس

«هذه المرة استقر رأيي على واحد من مشروعين سأحقق واحداً منها بالتأكيد: عمل روائي أحلم به منذ زمن عن الأديبة الفلسطينية اللبنانية مي زيادة، وآخر عن نابلس، مدينتي التي سبق أن صورتها كثيراً في شكل وثائقي، وأريد الآن أن أؤفلمها روائياً»، تقول المصري مبتسمة بشيء من الحياء المعتاد لديها حين تشعر أنها ليست واثقة كل الثقة مما تقول. فالسنين تمضي بسرعة. ومشروع نابلس يعيش في مخيلتها بل حتى في يوميات حياتها منذ عقود... «لنقل منذ زمن الانتفاضة الأولى، يوم حققت «جبل النار» وفيه بين أمور أخرى، مزج بين الواقع والذكريات...» هذا الفيلم، كما الذكريات نفسها التي تركها في مخيلة مي المصري، تحول هو نفسه، الى جزء من الذاكرة الخاصة/العامة. وهذه الذاكرة هي بالتحديد ما يشغل بال مي المصري منذ حين. وربما منذ تبيّن لها من خلال عروض «3000 ليلة» وردود الفعل التي جابهتها نقاشاً وعروضاً وتكريماً وتفاعلاً في أكثر من دزينتين أو ثلاث دزينات من بلدان ومدن عرض فيها الفيلم ونال ما نال من جوائز وتنويهات واهتمام، أن هذا النوع من السينما الفلسطينية لا يعود توثيقاً لجزء من فلسطين وحياتها وقضيتها، بل يصبح جزءاً أساسياً من تاريخ فلسطين وذاكرتها. ومن هنا، عاد الى ذكرياتها «جبل النار» الذي كان واحداً من أجمل وأقوى أفلامها الوثائقية... لكنه كان في الوقت نفسه تجوالاً في ذكريات المدينة وحياة سكانها تحت ضربات الاحتلال على إيقاع الانتفاضة الأولى.


حكايات نابلسية

«منذ ذلك الحين، تقول المصري، عايشت حكايات نابلسية كثيرة، وطرأت على حياتي تغيرات عنيفة - صارت بنتاها صبيتين مستقلتين بعدما كانتا طفلتين، ورحل عن عالمنا زوجها وشريكها في السينما والحياة اللبناني جان شمعون الذي، الى مطاردتها «3000 ليلة» تواكب في هذه الأيام، المناسبات اللبنانية والفلسطينية التي تقام لذكرى رحيله، وتراجع الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية لمصلحة أحداث تبدو اليوم أكثر مأسوية -، لكن نابلس ترسخت لديّ أكثر. ومن هنا، حتى وإن كانت حكاية مي زيادة تلح عليّ صبحاً ومساء فإن ذاكرة نابلس تلحّ أكثر. وبالتالي، ما إن أنتهي من آخر ضروب المواكبة لعروض وانتشار «3000 ليلة» حتى أنصرف الى مشروعي الجديد هذا»، تعدنا السينمائية التي تكاد تصبح اليوم إحدى دعائم السينما الفلسطينية والعربية، «ما يحمّلني أعباء أكثر» تقول متحدثة عن اتصالات يومية بها لتكون عضواً في لجنة تحكيم في هذا المهرجان، أو ضيفة شرف في ذاك، أو متحدثة عن السينما «النسائية» العربية هنا وهناك. وإذ تقول مي هذا تلفت نظرنا الى أنها في نهاية الأمر، «شغّيلة عمل وليس شغّيلة كلام».

ونعرف أن مي المصري سينمائية فلسطينية حائزة دبلوم دراسات (BA) من الإخراج والتصوير من جامعة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية عام 1981. وهي منذ عودتها الى الشرق الأوسط، وتحديداً الى لبنان منذ انتهاء دراساتها الأميركية، أخرجت وأنتجت، كما كتبت مع زوجها المخرج السينمائي اللبناني جان خليل شمعون عدداً من الأفلام التي نالت جوائز عالمية وعرضت في أكثر من مائة دولة في العالم.

بعد ذلك، استقلت في عملها الإخراجي والكتابي لتحقق أعمالها المتتالية: «أطفال جبل النار» (1990) الذي نال الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة الأفلام والبرامج التلفزيونية، بين جوائز أخرى، «حنان عشراوي امرأة في زمن التحدي» (1996)، «أحلام المنفى» (2001)، وهي كلها أفلام نالت عدداً لا يحصى من الجوائز العربية والعالمية. لتنتقل بعد ذلك الى السينما الروائية في فيلمها الروائي الطويل الأول «3000 ليلة»، الذي بعد متابعته عروضاً مهرجانية وعالمية، ستتبعه، كما يبدو، بعمل روائي تال.

الداخل والخارج

وهنا، في انتظار ذلك، نعود الى أسلوب مي المصري نفسه. فلئن كان النقاد قد تحدثوا عن أفلامها الوثائقية حديثهم عن أفلام السينما الروائية، لا ريب في أنهم اليوم، حيث بدأوا يشاهدون عملها الروائي الأول، أي «3000 ليلة»، أواخر العام 2015 حين افتتح عروضه العالمية الأولى في مهرجان «تورنتو» في كندا، باتوا يعكسون آية الحكم تماماً: فهم إذ يكتشفون للمرة الأولى صنعة مي المصري في الإبداع السينمائي في عمل روائي هو الأول لها في تاريخ سينمائي طويل، سيلاحظون أنها تتعامل هنا مع السينما الروائية تعاملها مع السينما الوثائقية، بدءاً من استخدامها، غالباً، ممثلين غير محترفين، وصولاً الى امّحاء الكاميرا التي تحركها بحذق وإتقان، أمام ما يحدث أمامها في تقـــشف مدهـــش يستغني عن كل ما هو متاح هنا من إمكانية الاشتغال على حركية الديكور وتحـــرك الممثلين وتتابع الأحداث.

فالأسلوب الذي اتبعته مي المصري هنا - وكما سبق أن أوضحنا في المدخل المخصص لها في «القاموس النقدي للمخرجين الصادر أخيراً عن «مركز دراسات الوحدة العربية» -، والمنتمي بوضوح الى أسلوبها في إنتاج الفيلم الوثائقي، يشي بأن المخرجة أرادت أن تترك الأحداث تصنع نفسها بنفسها والحوارات تتوالى كما لو كانت ارتجالاً... بحيث يبدو الأمر كأن الفيلم كله حقق من دون سيناريو مرسوم سلفاً. ومع هذا، كان للفيلم سيناريو، وسيناريو كتب طوال سنوات وإن انطلاقاً من مجموعة من الحكايات الجانبية الواقعية التي تدور من حول حكاية مركزية تؤكد المصري أنها حدثت فعلاً، وأكثر من مرة ومرات، نعني بها حكاية تلك المدرّسة الفلسطينية الشابة والحسناء، ليال، التي يقبض عليها الجيش الإسرائيلي «متلبسة» بجرم نقـل فتى فلسطيني اشتُبه بأنه «إرهابي» في سيارتها، فيما كانت متوجهة ذات صباح الى عملها وهي العروس المتزوجة حديثاً. تنكر ليال أنها كانت تعرف الشاب، أو أن لها أية علاقة بـ «الإرهاب»، ومع هذا تجد نفسها في المعتقل الى جانب مجموعات من السجينات الفلسطينيات والإسرائيليات، وتحت رقابة مجموعة من السجّانات اللواتي سيتبيّن أنهن أشد قسوة من السجانين الرجال.

الى هنا، تكاد الحكاية تكون عادية تعيشها ألوف الفلسطينيات، لكن حال ليال تتفاقم وتتخذ فرادتها، حين يتبين لها في السجن أنها حامل في شهورها الأولى. غير أن حملها لا يشفع لها لدى السلطات الإسرائيلية، ولا حتى لدى معظم السجينات الإسرائيليات (وهنّ هنا سجينات حق عام، أي مجرمات وسارقات وبنات دور دعارة وما شابه) اللواتي تمتلئ نفوسهن حقداً على كل ما هو فلسطيني، فيكنّ داخل المعتقل أشد قسوة حتى من السجّانات. وليال، التي ستمضي في المعتقل شهور حملها الصعبة، وبعد ذلك حين تنجب طفلها نور ستحتفظ به طوال سنتين يسمح بهما القانون، ستجد تعاطفاً بالطبع من لدن رفيقاتها في السجن من الفلسطينيات، لكن حتى بين هاته السجينات، ستجابه ليال بالظنون والقسوة، ما يجعلها تعيش وسط أكثر من جحيم. هذا كله، من دون أن تلقى من «العالم الخارجي» أي دعم باستثناء دعم أمها لها، وباستثناء، دعم محاميتها اليهودية التي نراها في الفيلم منصفة مناضلة عادلة، ما يكسر صورة الأسود والأبيض ويعطي الشريط موضوعية يحتاجها. ولنذكر هنا أن ليال لا تلقى وهي في جحيمها، ولا حتى دعم زوجها الذي سيتخلى عنها تماماً، مقابل ممرض فلسطيني معتقل شاب يقبع في سجن الرجال المجاور، ويستعان به لشؤون المستوصف، ما يتيح له أن يتعرف بها ويشعرها بشيء من حنان تفتقده.

تفاؤل ما وسط الظلام

إذاً، كل «أحداث» الفيلم تدور على هذا الصعيد طوال أكثر من مئة دقيقة، تشعرك فيها كاميرا مي مصري بالانسداد التام لأي أمل ولأي حياة. إننا دائماً هنا في مكان مغلق، لا تغزوه فسحة من الشمس أو الضوء إلا لدقائق معدودة بين الحين والآخر، وغالباً بالاستعانة بنافذة تقف عليها طيور تعد بشيء من وعد الحرية، أو بالاستعانة بفناء السجن المجاور لفناء سجن الرجال... لكن عدا عن هذه الدقائق التي في إمكانها، بين الحين والآخر، أن تشي بشيء من التفاؤل وحب الحياة، تمضي ثلاث سنوات من حياة السجن، تتابعها كاميرا مي المصري كأنها كاميرا وثائقية تتابع حياة حقيقية في سجن حقيقي، يساعد على ذلك ديكور مميز أقيم على أنقاض سجن عسكري أردني وقديم وغير مستعمل، أعطى تلك الانغلاقية المكانية التي هيمنت على الفيلم ككل.

وكما كان متوقعاً على أي حال، شكّل هذا الفيلم انعطافة في حياة مي المصري وعملها، كما في تاريخ السينما الفسطينية. ومن هنا، يفرض نفسه سؤال يبدو لا بد منه: هل هناك للسينمائية الدؤوب حياة فنية حقيقية بعد تلك الليالي الثلاثة آلاف التي حملها عنوان الفيلم، والتي استغرقها العمل عليه... تقريباً؟ ونخشى أن يستغرق مثلها، الخروج من هذا العمل للوصول أخيراً الى نابلس... الى جبل النار؟