قرص مهدئ لتنويم الجمهور مغناطيسيّاً

ملصق الفيلم (الحياة)
القاهرة - أمـل الجمل |

يقول المخرج المصري خالد يوسف في بعض حواراته الأخيرة، أن فيلمه الجديد ”كارما“ يُناقش ”قضايا الفساد والطائفية، والتفاوت الطبقي الرهيب في مصر“، مثلما يرى البعض أن فيلمه هذا يُوجه ”انتقادات حادة للحكومة والسلطة“، فإلى أي حد يؤكد الفيلم نفسه هذه الأقوال؟! والحال أن المرء يتساءل: إذا كان الفيلم يحمل هذا كله، لماذا انفض عنه الجمهور رغم أن الفيلم قام ببطولته الفنان عمرو سعد الذي حقق إيرادات لافتة بفيلمه السابق ”مولانا“، ورغم أن الفيلم ضم مجموعة من الفنانين المميزين في فنون الأداء مثل زينة وخالد الصاوي ودلال عبدالعزيز وماجد المصري، ووجه آخر نسائي جديد من تونس واعد بنجومية كبيرة؟ لماذ رغم هذه الأسماء وتلك التيمة الممزوجة بالتوابل المعتادة - المميزة لسينما خالد يوسف - المترعة بكثرة الأحداث والإيقاع اللاهث والتشويق ما بين مطاردات وقتل وانتحار، وإعادة إحياء، وغموض، إضافة إلى مشاهد الحزن التي لا تدخر جهداً لجعل المتلقي يبكي، وغيرها من لقطات رومانسية وأخرى لا تخلو من خفة الظل والكوميديا، لماذا ظل الفيلم يحتل الترتيب الأخير في قائمة إيرادات شباك التذاكر من دون أن نغفل الدعاية المجانية له قبيل العرض بسبب محاولات منعه رقابياً - من دون إبداء أسباب رغم أنه كان قد سبق وحصل على التصريح الرقابي بالعرض - واستقالة لجنة السينما في المجلس الأعلى للثقافة احتجاجاً على المنع، ثم تصريحات رئيس الوزراء، وقرار وزيرة الثقافة. كيف لم تُؤثر كل تلك المشهيات والمغريات في ذائقة الجمهور لتجذبه إلى شاشات العرض؟

كل ذلك البؤس

لا شك في أن سيناريو الفيلم يُشير إلى بعض المظالم الاجتماعية، وإن لم يُوضح أسبابها الحقيقية، أو يناقش جوهرها. في الفيلم فقراء مطحونون لا يجدون ما يسد الرمق أحياناً، ولا ما يستر جثث أمواتهم، لكنه لم يقدم لنا إضاءة جديدة تقول لنا مَنْ المسؤول عن هذا الفقر والمرض والحاجة؟ هل حقاً هم الفقراء أنفسهم الذين اتهمهم بالكسل، ويصورهم طوال مدة الشريط إما كسالى نائمين يحلمون بالكنز الذي يعثرون عليه فجأة لينتشلهم من فقرهم، أو يجلسون في المقاهي، أو يمارسون البلطجة والخرافة والجدل للنصب على الناس، أو يُحاولون ارتكاب فعل الزنى، أو يُساومون على الغرائز للحصول على بعض المال حتى وإن ندموا عند الوفاة؟ لم يخبرنا الفيلم كيف وإلى أي حد لعب رجال الأعمال والسلطة والنفوذ والحكومة دوراً في مزيد من إفقار الناس؟ أو من هو المسؤول الحقيقي عن هذا التفاوت الطبقي المتزايد؟ أين فقراء خالد يوسف من المطحونين الحقيقيين الذين صورهم يوسف شاهين وهم يكدون ويتعبون، ويعملون «باليومية» يوماً وأحياناً يبقون عشرة أيام من دون عمل، فقط لأنهم عمال تراحيل؟ وهل حقاً حل مشكلات البطالة كلها يكمن في تعليم مهن يدوية للنساء، وهمة الرجال في إنجاز أعمال البناء؟! بهذه السهولة؟ ومن يُسوق لهم؟ هل سيتركهم الكبار وحيتان السوق وسماسرتها من دون استغلالهم؟ وماذا سيكون مصيرهم في ظل انهيار وشيك لسوق العقارات؟ وإذا كان حقاً الحب - كما يقول كاتبا السيناريو - هو المنقذ فماذا سيكون مصير ”وطني“ الشاب الصعيدي المسيحي الفقير المطحون بعد أن ماتت زوجته وحبيبته ”مدينة“؟ وعلى أي شيء يتم عقاب «وطني» بقتل أم طفلته؟ ولماذا اختار له المخرج أن يبقى حياً على فتات الكبار والحياة في المقابر؟!

يُبرز الفيلم انحلال القيم لدى رجال الأعمال، فلا يقدم نموذجاً واحداً جيداً منهم سوى أدهم المصري رجل الأعمال الذي تتم مساومته - في جملتي حوار عابر - على بيع القناة والصحيفة التي يمتلكهما للدولة لمنعه من طرح آرائه السياسية، وهو يخضع للابتزاز بأن يشتري مساحة من الأراضي في المدن الجديدة. لكن أدهم نفسه مليء بالفساد، وهو مرتم في حضن الدولة يفعل ما يُطلب منه لتحقيق أحلامه ومشروعاته، ومنها ما يتعلق بمنطقة على ضفاف النيل يقطنها الفقراء، وهو ليس لديه اعتراض على إلقاء هؤلاء الفقراء في النيل لتحقيق حلمه. فهل عندما يقول الفيلم في جملتي حوار من أصل ساعتيه، أن رجل الأعمال هذا - الفاسد أصلاً - ممنوع من طرح آرائه السياسية، ممنوع من امتلاك جريدة أو قناة فضائية من دون أن نرى مشاهد مجسدة درامياً لسبل التضييق والحصار الحقيقي، فهل تكون هذه سينما تناطح الدولة والسلطة؟! وهل يمكننا أن نتعاطف معه ونصدقه؟ إن الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، ومواقع التواصل الاجتماعي تقول أكثر من هذا بكثير، فأين التميز والاختلاف والجديد؟ أين ما هو سينمائي عند خالد يوسف؟!

في المنطقة الآمنة

المحاولة الوحيدة التي كان يمكن أن تكون جديدة - سينمائياً - هي حكاية زواج المسلم بمسيحية، لكن الفيلم لم يجرؤ على مناقشتها بل أخذ يلف ويدور حولها، وتم تصوير ذلك على أنه وهم في خيال البطل الذي أُصيب بحالة من الإنكار. حت إشكالية الفتنة الطائفية لم يقدر الفيلم على الاقتراب منها، وهو بالتالي لم يلمس المحظور، لم يناقش ما لم يعد خفياً وما طرحته بجرأة لا نظير لها فضائيات وصحف عدة، وأفلام وثائقية.


لعب خالد يوسف في المنطقة الآمنة، مثلما جعل التعرض للقهر ينبع من جماعة كل ديانة فمحاولة قتل ”وطني“ - أو أدهم عندما عاش في دور «وطني» - تم على يدي الخال، والتحرش الذي تعرض له رجل الأعمال أدهم - حتى لو تم استبداله بوطني من دون علم الناس - وحرق أملاكه عند إشاعة تنصيره تم على أيدي المسلمين، كل واحد تعرض للقهر من أبناء دينه لا أبناء الدين الآخر. فأين ما هو معروف من توظيف الدين والفتنة الطائفية سياسياً لإلهاء الناس وتوجيه أنظارهم عن الواقع المر ومشكلاتهم الحياتية.

صحيح أن الفيلم يتشح برداء الجدية، ومواجهة الفساد، لكن في مقدورنا أن نرى أنه رداء مخادع يُظهر خلاف ما يُبطن، ويروج لأفكار جدلية عقيمة، قافزاً من فكرة إلى أخرى من دون مناقشة. ترى، أفلا يجعل هذا منه فيلماً يبث أفكاراً تلعب دور المهدئ أو المنوّم المغناطيسي؟ إننا هنا أمام شريط سينمائي يُعيد إنتاج أفكار السينما المصرية القديمة (سينما عهد الملكية) التي كانت تختتم كثيراً من أفلامها بالنهاية المأسوية للأغنياء والفاسدين سواء بالموت أو الانتحار أو السجن أو فقدان الأحباب والأهل كعقاب إلهي، وظلت لسنين تروج لفكرة أن المال ليس مصدر السعادة، بل هو منبع للشقاء. أو ليس من حقنا هنا أن نرى «كارما» يعيد طرحه بصورة أشد لؤماً، حيث جميع رجال الأعمال والفاسدين تم عقابهم بالفيلم، ورجل الأعمال الذي يمتلك كل شيء من مال وشهرة ونفوذ وسلطة لم يكن سعيداً مع أن الواقع يشهد بخلاف ذلك. ثم يأتي حوار البطلة الفقيرة المعدمة «مدينة» ليؤكد أن الفقير يمكن أن يكون سعيداً رغم الحاجة والفقر. وهو كلام يتضمن مغالطة كبيرة لأنه يجعل الأمل الذي يساعد الناس على تحمل الفقر ممثلاً في حكاية حب معزّية. لكن الحب وحده لا يُغني ولا يُسمن من جوع، الحب ينتحر على أرض الواقع إن لم يجد الخبز.

بالمنطق الذي يصدره لنا خالد يوسف - «كما تدين تُدان» - يحق لنا أن نتساءل لماذا قُتلت «مدينة» وهي الفقيرة المطحونة التي حاولت إسعاد زوجها، وإنقاذ حماتها؟ هذه الإدانة مقابل ماذا؟ هل مقابل لحظة ضعف بسبب عدم وجود فلوس لشراء الدواء لحماتها؟ هل هذه هي الكارما التي يقصدها خالد يوسف؟! والطفلة البريئة ”كارما“ بأي ذنب قُتلت؟ وإذا كان موتها في حادث الطائرة عقاباً لوالدها رجل الأعمال الفاسد أدهم المصري فما ذنبها وهي الطفلة البريئة؟! وأين الكارما من ذلك؟

لم يناقش الفيلم قانون الكارما في شكل صحيح، ولا من مختلف جوانبه الحقيقية التي قد تخدم إنسانية الإنسان، وتفيده في حياته، لكن مخرجه استخدم ذلك القانون لخدمة أغراضه وأفكاره، فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن؛ إذا كانت فكرة خالد يوسف صحيحة، فلماذا يزداد الفاسدون في مجتمعاتنا، والعالم؟ لماذا يزداد كثير من الأغنياء توحشاً ويزداد الفقراء فقراً؟