«بذور الحرب» من حلب إلى القطب الشمالي

قيس قاسم |

في مدينة حلب السورية يوجد أحد أكبر بنوك الأصول الوراثية النباتية في العالم، ويعد كنزاً عالمياً للبشرية جمعاء. بسبب الحرب اضطر المركز الدولي المشرف على حفظها وتحسين نوعها (إيكاردا) الهجرة الى لبنان مع عدد كبير من موظفيه السوريين، وبهذا انتقلت البذور السورية ورعاتها الى المنافي. الوثائقي التلفزيوني الألماني عنها، يواكب رحلة الانتقال الإجبارية في بلدان عدة ويقدم فكرة عن بنوك البذور وماذا تعنيه للبشرية وكيف هددت الحرب الأهلية في سورية عمليات حفظ عشرات آلاف البذور النباتية ونسخها.


في سهل البقاع، حيث تتم عملية إعادة زراعة البذور المُرحَلة من مركز حلب واكمال عمليات نسخ بذورها ثم نقلها إلى بنك سفالبارد في شمال النرويج، تحدث علي شحادة العالِم الزراعي، السوري المختص، والموظف في بنك «إيكاردا» لحفظ البذور عن تجربته لمعد البرنامج: «عام ٢٠١١ وعندما استشعرنا بالخطر المحتمل على البذور، قمنا بتسريع عملية نقل النسخ الإحتياطية إلى بنك القطب الشمالي».

قصة العالِم السوري تشبه قصص كثيرين من اللاجئين الذين اضطروا لترك بلادهم الى دول أخرى ومع الحزن الذي يختزنه يشعر بأن عمله في المكان الجديد يكمل ما بدأه. «كانت وظلت مهمتي إنسانية تتعلق بتحسين نوعية البذور وحفظها ذخراً للبشرية، واسهاماً علمياً في مكافحة الفقر والجوع في العالم، عبر توفير بذور نباتات محسنة النوعية قادرة على مقاومة الأمراض وملوحة الأرض».

دورة حـــفظ البذور وتحسينها تمر بمراحل كثيرة ومعــقدة وفي النهاية تشكل جزءاً من الموروث الإنساني، كما تقول ماريانا يزبك مسؤولة البنك الزراعي في لبنان. «سهل البقاع جزء من الهلال الخصيب، المنطقة التي شهدت الولادات الأولى للنبات في العالم، وبذورها انتشرت في كل الأصقاع وساهمت في تطور واستمرار الوجود البشري».

يعرض الوثائقي ما تعرض له مركز «إيكاردا» في حلب من قصف وما لحق به من أضرار نتيجة المعارك، وكانت هي وراء قرار إدارته بنقل البذور واعادة استنساخها في البقاع الللباني. وعنها يقول العالِم السوري: «رغم الظروف الصعبة والحرب نجحنا في نقل ١٥ ألف نسخة الى النرويج وفي نهاية عام ٢٠١٥ نقلنا أكثر من مئة ألف عينة اليها.

في منطقة سالفبارد المتجمدة، يقابل معد البرنامج العالِم الزراعي كاري فاولر، ويأخذه في جولة بين أقسام البنك شارحاً له خلالها العملية التبادلية الدقيقة للحفاظ على البذور الجارية بين لبنان والمغرب والنرويج. «رائع العمل الذي قام به مركز «إيكاردا» في حلب ولبنان والمغرب، وأيضاً بنك سفالبارد الذي وفر لبعضها ما هو مخزن عنده من بذور مجمدة تعويضاً عن النسخ المهددة بالزوال».

يوضح العالم شحادة الفرق بين ما يقوم به مركزهم وبقية المراكز والبنوك: «عملنا لحفظ البذور من دون مقابل، مجاني عكس بقية البنوك التي تفرض احتكارها لها لأغراض جيوسياسية».

يعرض الوثائقي التلفزيوني أسباب ظهور فكرة حفظ البذور والأخطار التي تهدد الزراعة في العالم وتشير المعلومات التي يقدمها، إلى أن التهديد الحقيقي والأكبر للبذور المحفوظة يأتي عن طريق الإنسان؛ من خلال حروبه وصراعاته السياسية. ويقدم أمثلة على الخسارات الكبيرة التي تعرضت لها البنوك المحلية للبذور في العراق وأفغانستان وفي ثاني الأسباب تأتي الكوارث الطبيعية كالفيضانات التي شهدتها الفيليبين أخيراً، ودمرت مخزوناً كبيراً من بذورها.

يرافق الوثائقي المختص الزراعي أحمد عمري في رحلته من سهل البقاع إلى القطب الشمالي وأيضاً خلال زيارته أحد المعارض الدولية المعنية بالزراعة وحفظ البذور، ويستمع إلى آرائه بالدور الذي يقوم به. «مهمتنا مستقبلية بامتياز، فما أنقله اليوم الى الشمال ربما سيعود قريباً الى دول منطقتنا المتضررة بسبب الحروب مثل: العراق وأفغانستان وسورية. سيحتاج فلاحوها بذوراً لإنبات مزروعاتهم وسنقوم حينها بتوفيرها لهم من المخزون لدينا في سالفبارد».

بعد تسجيله فرحة العاملين في البنك الدولي في منطقة القطب الشمالي بوصول الدفعة الجديدة من البذور السورية اليهم، ينقل الوثائقي من البقاع مشاعر العالِم شحادة: «عندي حلم العودة الى بلدي سورية والمساهمة ثانية في زراعة البذور التي تركناها خلفنا هناك». يرى شحادة في البذور رمزاً للمستقبل وللأمل وهو بذلك يتشاطر مع كثير من العاملين في حقل علمي قلما يتم الالتفات إليه كما فعلت قناة «آرتي» بعرضها الوثائقي التلفزيوني «بذور الحرب».