روسيا مطمئنة إلى «صلابتها» ولو عرقل الاقتصاد طموحاتها

موسكو - سامر الياس |

في الذكرى العشرين لأقسى أزمة اقتصادية عانتها روسيا في تاريخها الحديث، يستبعد جميع الخبراء والمحللين إمكان حصول أزمة كبرى أخرى، على رغم العقوبات المفروضة على موسكو، منذ الأزمة الأوكرانية وضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، وتأثيرها سلباً في سعر صرف الروبل وتراجع معدلات النموّ.


وتصعب مقارنة المؤشرات الحالية للاقتصاد الروسي مع تلك المسجّلة قبل 20 سنة، لكن مشكلات هيكلية في هذا الاقتصاد، واعتماده المفرط على صادرات النفط والخامات، يمكن أن تسفر عن تكرار أزمات عانتها روسيا عامَي 2008 و2014، لكنها استطاعت الخروج منها بخسائر أقلّ، نتيجة الخبرات والدروس المتراكمة، وصعود نخب جديدة مطلعة على قواعد السوق الحرة. وفي المقابل، ما زال الاقتصاد «عقب أخيل» طموحات روسيا، على رغم تصاعد دورها السياسي والعسكري في العالم، في العقدين الأخيرين.

أغسطس الأسود

في 17 آب (أغسطس) 1998، أعلنت روسيا عجزها عن دفع ديونها المترتبة على سندات الخزينة، البالغة 72 بليون دولار، وأشهرت إفلاسها، ما سبّب تراجع سعر الروبل إلى نحو ربع قيمته وإفلاس مصارف، مع ارتفاع سعر الفائدة على الاقتراض وحدوث أزمة سيولة حادة شكّلت هزة إضافية سرّعت تآكل الطبقة الوسطى في البلاد، وارتفاع التضخّم من 11 في المئة عام 1997 إلى 84 في المئة أواخر 1998.

وأدى ذلك إلى تراجع مستوى معيشة الروس بنحو 26 في المئة، وانكماش الاقتصاد إلى ثلث حجمه قبل الأزمة، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي 150 بليون دولار، بعدما كان 450 بليوناً قبل الأزمة. كما ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 200 بليون دولار.

وكشفت الأزمة ضعف الاقتصاد الروسي في مواجهة الأزمات العالمية، واعتماده شبه الكامل على عائدات الطاقة والخامات. فبعد أزمة «النمور الآسيوية» عام 2007 وتراجع سعر النفط إلى نحو 9 دولارات للبرميل، ظهرت ملامح الأزمة التي فاقمها افتقار المسؤولين عن السياسة الاقتصادية والنقدية إلى الخبرة، إذ إن معظمهم يجهل قواعد الاقتصاد الحرّ ودرس نظريات الاقتصاد السوفياتية التي لم تتضمّن حلولاً لمشكلات مشابهة.

وبدا واضحاً أن صنّاع السياسة النقدية والمالية في روسيا استفادوا من انهيار 1998، لدى تعاملهم مع الأزمة المالية الاقتصادية العالمية عام 2008، و «هزة» عام 2014 إثر فرض الغرب عقوبات على موسكو.

وخرجت روسيا بخسائر أقلّ، إذ اعتمدت «وسادة أمان» برفع احتياطها من العملات الأجنبية إلى أكثر من 600 بليون دولار عام 2008، استخدمت معظمه لدعم الشركات الكبرى ومنع انهيار القطاع المصرفي. لكن الأزمتين كشفتا اعتماد الاقتصاد الروسي على عائدات الطاقة التي تؤمّن للخزينة أكثر من ثلثَي وارداتها، والحاجة إلى إصلاحات سياسية وقانونية تدعم النموّ الاقتصادي.

واقع جديد

ومع زيادة الحديث عن أن العقوبات الأميركية الجديدة قد تسبّب أزمة حادة، مشابهة للتي شهدتها روسيا عام 1998، يجمع الخبراء على استحالة تكرار ذاك السيناريو، أياً يكن طابع تلك العقوبات.

وتشير رئيسة قسم التحليل في «ألفا بانك» ناتاليا أرلوفا إلى أن «الموازنة لا يتهددها أي خطر، ووُضِعت على أساس 50 دولاراً لسعر برميل النفط». وأضافت أن «لا خطر يهدّد قدرة الحكومة على دفع ديونها، لأن سندات الدين الحكومي الروسي مغطاة بالاحتياطات النقدية من العملات الأجنبية».

ويذهب أبرز الاقتصاديين في «بي كي أس» فلاديمير تيخاميروف إلى أن الحديث عن عجز عن الدفع ليس ممكناً بالمطلق «ولو فرضت واشنطن عقوبات على سندات الدين الحكومي الروسي وبدأت حملة بيع من المالكين الأجانب». ويلفت إلى «تغييرات جذرية في قواعد الموازنة، والسياسة النقدية والائتمانية»، مشيراً إلى أن «المصرف المركزي الروسي لم يعد مضطراً لإنفاق بلايين الدولارات من أجل تثبيت سعر صرف الروبل، كما في الماضي».

وعملياً سبّبت العقوبات الأميركية على روسيا في تراجع الروبل أكثر من 7 في المئة في مقابل الدولار منذ مطلع الشهر. ومع احتمال تشديد العقوبات، لتطاول القطاع المصرفي وحظر رحلات شركات الطيران الروسية، عاد الحديث عن أزمة 1998.

ومع عدم استبعاد حرب تجارية واقتصادية تمسّ الاقتصاد الروسي، نتيجة قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن مؤشرات الاقتصاد الروسي لا تنذر باحتمال انهيار ضخم، مثل عام 1998. وتفيد أرقام رسمية بأن احتياط روسيا من العملات الأجنبية يتجاوز 460 بليون دولار، في مقابل 15 بليوناً عام 1998. كما أن حجم الناتج المحلي الإجمالي وفق القدرة الشرائية كان 806 بليون دولار عام 1998، في مقابل 3749 بليوناً أواخر 2007، فيما الدين الحكومي لا يتجاوز 11.8 في المئة من حجم الاقتصاد، أواخر 2017، في مقابل 144 في المئة مطلع 1998.

واضح أن روسيا تعيش واقعاً اقتصادياً جديداً، يمنع تكرار إفلاس 1998، لكن العقوبات الغربية تعطّل تحقيق معدلات نموّ مرتفعة، علماً أن التغييرات السياسية والاقتصادية الكبرى لن تمحو من ذاكرة الروس شبح الأزمات المتتالية.