تركيا تتجه نحو بدائل لمواجهة تراجع الليرة

كرم سعيد |

تتراجع العملة التركية (الليرة) بسرعة أمام الدولار الأميركي، على خلفية قرار واشنطن مضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة على ورادتها من الصلب والألمونيوم من تركيا، لتصل الخسارة إلى نحو 40 في المئة من قيمتها منذ بداية السنة. وتتزامن التوترات التركية- الأميركية مع تراجع ملحوظ للاقتصاد التركي، ما أثار مخاوف المستثمرين من احتمال تنفيذ الرئيس رجب طيب أردوغان تعهداته بإخضاع المؤسسات الاقتصادية، ومن بينها البنك المركزي لسلطته خصوصاً مع انتقاداته المستمرة لسياسة الفائدة. والأرجح أن التراجع الحاد في سعر صرف الليرة ليصل إلى 6,6 أمام الدولار أدى إلى تزايد المخاطر التي يواجهها الاقتصاد التركي، حيث تراجعت القدرة الشرائية لليرة، ومن ثم زاد معدل التضخم ليصل إلى نحو 14 في المئة ناهيك عن زيادة المديونية وتراجع التصنيف الائتماني لتركيا.


ولم تتمكن إجراءات البنك المركزي التركي الذي رفع الفائدة إلى 17,75 في المئة في التحايل على الأزمة، إذ أدى إصرار الرئيس التركي على التدخل في السياسة النقدية، وتعيين محافظ جديد للبنك المركزي مقابل إبعاد الوجوه الاقتصادية التي كانت تحظى بثقة المستثمرين إلى تصاعد المخاوف من بيئة التشغيل في تركيا.

في هذا السياق العام، ومع ضعف مردود الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التردي الاقتصادي، تسعى تركيا للبحث عن بدائل. والأرجح أنه في ظل تصاعد الخلاف بين أنقرة وواشنطن من جهة، ومن جهة ثانية تراجع موقع تركيا في الإقليم بفعل الانخراط السلبي في صراعاته، ترى تركيا نفسها أمام جملة من الخيارات لحلحلة تراجع سعر الليرة، ولعل أهمها محاولة تديين الأزمة، حيث كثف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من استثماره للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية والمقولات التراثية لتفسير الأزمة الاقتصادية. ففي خطابه في 10 آب (أغسطس) الجاري خاطبَ مواطنيه قائلاً: «إن كانوا يملكون دولارات، فنحن لنا شعبنا، ولدينا الحق، ولنا رحمة الله».

كما قد تتجه تركيا إلى استخدام عملتها في المبادلات التجارية الخارجية مع عدد من الدول التي تربطها علاقات تبادل تجاري كبير معها، من بينها الصين وإيران وأوكرانيا، إضافة إلى روسيا التي قررت إعفاء فئات من المواطنين الأتراك بينهم مقاولون ورجال أعمال من تأشيرات الدخول. وتجد تركيا بيئة خصبة لإقامة شراكة اقتصادية قوية حيث مشاريع نقل الغاز الروسي، فضلاً عن أهمية بعد العلاقات السياسية بينهما في ظل الاندفاع الروسي تجاه منطقة الشرق الأوسط. أيضاً تعمل أنقرة على توثيق العلاقة مع محيطها الأوروبي، عبر تخفيف بواعث التوتر، لا سيما على ضوء تطور الموقف الألماني الذي يعتبر تركيا حائط صد للأمن الأوروبي، وشريكاً موثوقاً به. ويشارة إلى أن وزير الاقتصاد والطاقة الألماني بيتر ألتماير، قال في مقابلة له مع صحيفة «بيلت أم زونتاغ» إن بلاده ترغب في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع تركيا. كما حذر من أن الرسوم التي فرضها ترامب على الواردات التركية، يمكنها أن تضر بالاقتصاد العالمي، معتبراً أنها حرب تجارية تقلل من النمو الاقتصادي وتهدمه، وتخلق عدم الثقة.

أما البديل الرابع، فيرتبط بتفعيل التعاون مع دول البريكس، وهي روسيا والبرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا، وكان بارزاً، هنا، حضور أردوغان قمة «بريكس» الأخيرة في تموز (يوليو) الماضي. وأثيرت تكهنات عن مساعي تركية للانضمام إلى المجموعة في أجواء عدم استقرار العلاقات التركية مع كل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وعلى صعيد ذي شأن تعتمد أنقرة في مواجهة تراجع سعر الليرة على تحويلات المواطنين الأتراك في الخارج بالدولار، لسد الفجوة التي أحدثها قرار الرئيس الأميركي ترامب بزيادة التعريفة الجمركية على الصلب والألومينيوم، كما وجه أردوغان دعوة جديدة إلى الشعب التركي لتحويل ما لديه من عملات أجنبية وذهب إلى الليرة التركية من أجل دعمها.

ويرتبط البديل الأخير بمحاولة احتواء الخلافات مع شركاء إقليميين ودوليين، حتى الولايات المتحدة، التي يبدو أن أنقرة ليس لديها استعداد لخسارة الدعم الأميركي لها على المستوى الاقتصادي، حيث تقترب الاستثمارات الأميركية في السوق التركية ما يقرب من 110 بلايين دولار خلال الفترة من (2000-2017)، ولعل ذلك ما دفع وزير التجارة التركي للقاء ممثلي الشركات الأميركية في السوق التركية، وتأكيد أن أزمة القس الأميركي، وهي ذات بعد سياسي لا ينبغي أن تنال من التعاون الاقتصادي بين البلدين، أو أن تؤثر على حجم المبادلات التجارية، والتي تقترب من 20 بليون دولار.

* كاتب مصري