في الذكرى المئوية لتأسيس يوغوسلافيا: مشكلات المسلمين

غلاف الكتاب
محمد م. الأرناؤوط |

منذ أسابيع، بدأت الإصدارات تتوالى مع اقتراب الذكرى المئوية لإعلان تأسيس يوغوسلافيا في 1/12/1918، ومن ذلك الكتاب الضخم لمجموعة من المؤلفين بعنوان «يوغوسلافيا : تاريخ يوتوبيا»، ونشر في( أيار/ مايو) الماضي في بلغراد. وفي ما يتعلق بالمسلمين الذين لم يؤخذ برأيهم في انضمامهم إلى هذه الدولة بل لم يكونوا مرغوبين فيها، فقد ارتبطت بداية يوغوسلافيا بسنوات مريرة للمسلمين وانتهت كذلك مع الحرب في البوسنة في 1992 - 1995 وحرب كوسوفو في 1998 - 1999.


وتجدر الإشارة إلى أن عملية تشكيل يوغوسلافيا بحدودها الجديدة تمت بسرعة على حساب الإمبراطوريتين المهزومتين (النمسا - المجر والدولة العثمانية) في مقر الجمعية الجغرافية الأميركية خلال 1918 من جانب فريق العمل الكبير الذي شكّله الرئيس الأميركي ولسون لرسم خريطة جديدة للعالم تقوم على الدول القومية، وجمعت المسلمين في منطقتين مختلفتين لا يربط بينها سوى الإسلام البشناق في الشمال (البوسنة وصربيا وكرواتيا والجبل الأسود) والألبان والأتراك في الجنوب (كوسوفو ومكدونيا) أو «المناطق الشرقية» كما كانت تسمى.

ومن ناحية أخرى، كانت الدولة اليوغسلافية أُعلنت أولاً باسم «مملكة الصرب والكروات والسلوفين»، أي كأنها دولة لثلاثة شعوب فقط، لكن مؤتمر الصلح في باريس أرغمها على توقيع اتفاقية سان جرمان لحماية الأقليات الدينية (المسلمون واليهود). وعلى عكس الأقليات الأخرى (الألمانية والمجرية والإيطالية الخ) التي حظيت بالاعتراف كأقلية قومية، لم يتم الاعتراف بالمسلمين كمكونات قومية لها حقوقها (البشناق والألبان وسلاف مكدونيا) بالاستناد إلى حق تقرير المصير الذي أعلنه الرئيس ولسون، لكن كأقلية دينية مع أن المسلمين كانوا يشكلون حوالى 13 في المئة من سكان الدولة الجديدة.

لكن المسلمين في الدولة الجديدة لم يشعروا بأية فائدة لاتفاقية سان جرمان لحماية الأقليات الدينية، التي ضمنت لهم الحق في ممارسة شعائرهم ورعاية معابدهم ومنشآتهم الدينية والتعليمية الخ، بل كانت سنوات 1918 - 1925 سنوات «إرهاب دولة» لحملهم على ترك موطنهم والهجرة إلى الشرق ( تركيا). ففي البوسنة، جرت ملاحقة المسلمين في شكل علني ودموي في نهاية 1918 وبداية 1919، إلى حد أن وزير الداخلية آنذاك س. بريبلتشفيتش قال في تقرير رسمي: «إذا استمرت ملاحقة المسلمين فهذا يمكن أن يؤدي إلى نتائج وخيمة على العلاقات الداخلية في البلاد وعلى مكانة الدولة في العالم الخارجي». وفي هذا الوضع، بادر زعماء المسلمين إلى تشكيل حزب سياسي باسم «منظمة المسلمين اليوغسلاف» الذي فاز بـ38 في المئة من مقاعد البوسنة في الجمعية التأسيسية، ما منح المسلمين حماية من خلال تعاونهم مع الأحزاب الأخرى ومشاركتهم اللاحقة في الحكومات الائتلافية، وهو الذي وثقه المؤرخ البوسنوي عاطف بوريفاترا في كتابه المرجعي «منظمة المسلمين اليوغسلاف».

لكن وضع المسلمين في الجنوب أو «المناطق الشرقية» كان أسوأ من الشمال المكشوف بالنسبة الى بقية أوروبا، وهو ما يوثّقه الكتاب الصادر حديثاً للمؤرخ اسكندر حساني. فقد استفاد المسلمون في الجنوب (السنجق وكوسوفو ومكدونيا) من تجربة إخوتهم في الشمال (البوسنة) وقاموا في 17/12/1919 بتأسيس حزب سياسي باسم «جمعية المحافظة على حقوق المسلمين» برئاسة السياسي الألباني نجيب دراغا.

وعلى نمط البوسنة، فقد هدف المسلمون في الجنوب إلى تأسيس كتلة نواب لها مكانة في البرلمان اليوغسلافي تعمل على انتزاع حقوق المسلمين من خلال حاجة الأحزاب الكبيرة المتنافسة (الحزب الراديكالي الصربي، الحزب الديموقراطي الخ) إلى أصواتهم لتشكيل الحكومات الائتلافية. أما عن مطالبهم فتمثلت، كما في البوسنة، في المطالبة بحكم ذاتي يشمل الأوقاف والتعليم، واستعادة الجوامع والمدارس والتكايا التي كانت السلطات العسكرية قد صادرتها واستخدمتها لأجل حاجاتها العسكرية (مخازن عتاد الخ)، ومعاملة المسلمين في الجيش وفق حاجتهم إلى طعام خاص (حلال) وأئمة كما هو الأمر مع الآخرين، وإعادة الأراضي التي صودرت من ملاك مسلمين فقط بحجة الإصلاح الزراعي.

ومع المشاركة في انتخابات 1920 للجمعية التأسيسية، تحالف الحزب الجديد مع الحزب الراديكالي الصربي ليحقق فوزاً بحصوله على ثمانية مقاعد في الجمعية التأسيسية التي انشغلت فوراً في وضع دستور للدولة الجديدة. ومع حاجة الأحزاب الصربية إلى أصوات المسلمين في البوسنة والجنوب، لم يمرّ الدستور الجديد للدولة في 28/6/1921 إلا بفضل أصوات المسلمين وسط معارضة قوية من الأحزاب الكرواتية والسلوفينية بعد وعود من الحكومة الأولى برئاسة نيقولا باشيتش بالنظر في مطالب المسلمين.

ومع هذا النجاح الأولي، استقطب الحزب الجديد الذي أصبح صوت المسلمين في البرلمان اليوغسلافي، مزيداً من التأييد خلال 1922 مع تأكيد تعسف السلطات العسكرية في احتلال منشآت المسلمين الدينية منذ نهاية الحرب البلقانية (1912 - 1913). ففي المؤتمر الثالث للحزب في نيسان (أبريل) 1922، تم تأكيد أن «الجوامع استخدمت في كل مكان كمخازن للعتاد والمواد العسكرية الأخرى، ولم تعد إلى أصحابها الذين يحتاجون إليها، كما احتلت المدارس وتضررت ولم يعد في وسع الطلبة إكمال تعليمهم»، وأن للمسلمين حقوقاً بالتعلم في لغاتهم القومية، وهو ما ضمنته اتفاقية سان جرمان 1919 التي كانت شرطاً لعصبة الأمم للاعتراف بالدولة اليوغسلافية الجديدة.

وبالاستناد إلى ذلك، حقق الحزب نجاحاً كبيراً في انتخابات 1923 بعد أن فاز تقريباً بضعف المقاعد في البرلمان اليوغسلافي الجديد (14 مقعداً). ومع هذا النجاح، أخذ نواب المسلمين في البوسنة والجنوب يضغطون على الأحزاب الصربية للقبول بمطالبهم العادلة كشرط للتصويت على تشكيل حكومة إئتلافية برئاسة الحزب الراديكالي الصربي أو الحزب الديموقراطي الصربي. وفي المقابل، بدأ زعيم الحزب الجديد فرحات دراغا (1880 - 1944) بالانفتاح على المعارضة الكرواتية في الشمال، التي كانت تطالب بنظام فيديرالي ليوغوسلافيا عوضاً عن النظام المركزي الذي يهيمن عليه الصرب. وفي هذا السياق، تخطى رئيس الحزب فرحات دراغا «الخط الأحمر» بفك تحالفه الانتخابي مع الحزب الراديكالي الصربي واللقاء مع رئيس الحزب الفلاحي الكرواتي المعارض ستيبان راديتش في زغرب في 25/8/1924 الذي كان يعتبر المعارض الأكبر للنظام المركزي الذي يتحكم به الصرب في البلاد.

ومع هذا التطور، قرر الحزب الراديكالي الصربي الذي كان له تأثيره في مفاصل الدولة (القضاء والشرطة والجندرمة الخ)، شن «حملة إرهابية» ضد الزعيمين بعد الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد نتيجة لعجز الأحزاب الصربية عن تشكيل حكومة تفوز بغالبية برلمانية. وقد بدأ هذا «الإرهاب» المدعوم بقوى الدولة مع الحملة الانتخابية الجديدة في نهاية 1924، التي قرر فيها حزب «الجمعية» (كما أصبح يشتهر) بدخول الانتخابات وحده بعد فك ارتباطه مع الحزب الراديكالي الصربي، فقامت سلطة البلدية المدعومة بالشرطة والدرك بهدم «جامع بورمالي» في وسط سكوبيه في 17/11/1924، الذي بني في 1495م وكان يعتبر من أجمل الجوامع في البلقان، حتى أن صورته كانت تنشر على البطاقات البريدية آنذاك، دونما قرار رسمي من البلدية أو من أية جهة حكومية أخرى، وذلك في تحدّ كبير لمشاعر المسلمين خلال الحملة الانتخابية وتوجيه رسالة أنه لم يعد هناك من يحميهم. وحين نشرت جريدة الحزب في 19/11/1914 الخبر ووجّهت انتقاداً للبلدية والحكومة لعدم وجود أي مبرر أو قرار قانوني لهدم مثل هذا الجامع التاريخي، هاجمت قوة من الشرطة مبنى الجريدة وصادرت كل الأعداد وحطمت المطبعة دونما أن تبرز أي قرار رسمي لذلك. وقد تصاعد هذا «الإرهاب» باعتقال زعيم الحزب فرحات دراغا في 30/1/1925 بتهمة القيام بـ «نشاطات معادية للدولة» تعود إلى ما قبل تأسيس الدولة اليوغسلافية وترهيب المرشحين والناخبين التابعين لـ «الجمعية»، كما تم لاحقاً اغتيال الزعيم الكرواتي راديتش داخل قاعة البرلمان اليوغسلافي.

في ظل هذا «الإرهاب»، صوّت لـ «الجمعية» بالكاد 4680 ناخباً لم تكن كافية للحصول على مقعد واحد في البرلمان اليوغسلافي الجديد، وهو ما حقق أهداف «إرهاب الدولة» بالتخلص من هذا الحزب وصوته المعارض والمدافع عن حقوق المسلمين في الجنوب، ما أدى إلى خيبة واسعة للمسلمين هناك واضطرارهم للهجرة خارج البلاد (تركيا)، وهو ما سمح لأجهزة الدولة بهدم المزيد من الجوامع والمنشآت الدينية للمسلمين بحجة «تحديث» المدينة، وهو ما كان يدفع بالمزيد من المسلمين إلى الهجرة إلى تركيا حتى 1966 حين أصبح المسلمون أقلية في «جمهورية مكدونيا» التي تشكلت في 1945 ضمن يوغوسلافيا الفيديرالية.