الفنون العمرانية ووظائفها في المدينة الإسلامية

(الحياة)
إبراهيم البيومي غانم |

ارتبطت نشأةُ «المدينة الإسلامية» بالتحولِ الجذري الذي أحدثه الإسلام في نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية. وكانت نشأةُ «المدينة» أو «المصر» مستندةً، في جوانب منها، إلى ظروفِ الفتح والتوسع الإسلاميين في العالم القديم، كما ارتبطت أيضاً - في جوانب أساسية منها - برؤية متكاملة لما يجبُ أن تكون عليه «الحياة الطيبة»، والعيش الكريم، في ظلال الشريعة ومقاصدها العامة.


وتجلى بعض معاني «الحياة الطيبة» في فنونِ التخطيطِ العمراني للمدينة وتقسيم أحيائِها، وفي تخصيص مساحاتها وساحاتها ومرافقها العامة وحصونها وأسوارها الدفاعية، وكذلك في توظيفِ الجماليات الهندسية وفنونها في تشييدِ الأبنية وتزيين تلك المرافق وتجميل الساحات العامة.

وقد اكتسبت «المدينة الإسلامية» شخصيتها وهويتها الخاصة بها من الرؤية العامة التي استندت إليها فنونها العمرانية. وثمة كثير من البحوث والدراسات التي حسمت القول بأصالةِ «المدينة الإسلامية»، وأنها تمتلك شخصيةً معمارية وجمالية وهوية ذاتية خاصة بها، ومستقلة عن غيرها من الطرز المعمارية والجمالية للمدن القديمة التي عرفتها حضارات ما قبل الإسلام: اليونانية، والرومانية، والهلينية، والفارسية. والمقصودُ بالاستقلاليةِ هنا: تلك السمةُ التي تجلت في: «المدينة الإسلامية المخططة والمصممة»، وليست المدينة التي كانت قائمةً قبل الإسلام وتمت أسلمتُها، أو إعادةُ صوغها وفق معايير إسلامية، ولا تلك المدينة التي نشأت بطريقة عشوائية، أو غيرِ مخططة؛ حتى ولو نشأت في ظل الدولة الإسلامية.

تتعينُ الإشارةُ هنا إلى أن خبراء تصنيف العلوم والفنون يدرجون «تخطيط المدن» ضمن أهم موضوعات «الفنون العربية الإسلامية» (يوسف العش: تصنيف العلوم والمعارف، 1979، ص 5 إلى ص 35). كما تتعين الإشارة أيضاً إلى وجود مصادر تراثية كثيرة تبرهن أصالة «المدينة الإسلامية» بالمعنى المشار إليه. وفي رأي رضوان السيد أن هناك أربعة أنواع رئيسية من الكتابة عن «المدينة الإسلامية» تُظهر شخصيتها وتعبر عن هويتها هي:

1- الكتابة التاريخية؛ وهي تتناول نشأةَ المدن مثل: الكوفة، والبصرة، وبغداد، والقاهرة وفاس ومكناس. وغالباً ما اقتصرَ مؤلفو هذا النوع من الكتب على مرحلةِ النشأة، ووصفِ الأقسام الرئيسية للمدينة عند تأسيسها، وأهم معالمها مثل: الجامع الكبير، ودار الإمارة، والسوق، والأحياء السكنية، والأسوار المحيطة بها، والربض المخصص للمصالح العامة. كما تتناولُ هذه الكتابة أشهرَ مؤسسي المدينة، وطريقةَ التفكير في تصميمها العمراني في شكل إجمالي.

2- الكتابة الجغرافية؛ وهي تتناولُ موقعَ المدينة، وفئات قاطنيها وأصولهم، وأهمَّ المواقع القريبة منها أو المتاخمة لها، وأنواعَ الأسواقِ والسلع التي تُباع فيها وتُشترى منها، وأشهرَ المدارس، ومن ارتادَها من طلاب العلم والعلماء من الجهات المختلفة.

3- الكتابة الفلسفية؛ وهي كتابةٌ مثالية، أو خياليةٌ تنشد وصفَ المدينة الفاضلة كما فعل الفارابي مثلاً. ويظهرُ في هذا النوع التَّأثرُ بأنماط التفكير الفلسفي اليوناني؛ في ما يجبُ أن تكون عليه المدينةُ كمستقرٍ حضري، تتحققُ فيه الفضائلُ والكمالات.

4- الكتابة الفقهية؛ وهي من أهم أنواع الكتابة عن المدينةِ في الحضارة الإسلامية. وقد كان الفقهاءُ معنيين بأمرين في شأن المدينة هما: التصور الأساسي لتكوينها العمراني، والأوصاف العملية لها في شكل مبدئي وفق معايير شرعية. وكانت لكل جماعةٍ من الفقهاء طريقتُهم في مقاربة مفهوم المدينةِ، وربطها بالسلطة ونشأة الدولة وزوالها. ويذهب رضوان السيد - ونؤيده في ذلك - إلى أن هذه الكتابة الفقهية هي التي تصورُ لنا حال المدينة الإسلامية أفضل تصوير؛ بين القرن الثالث الهجري والقرن الثاني عشر الهجري. (رضوان السيد، «مصائر المدينة والمدنية الإسلامية: المطالب المتجددة لفقه الحضارة والعمران»، في «ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان: الفقه الحضاري - فقه العمران» (مسقط: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 18 ـ 21 ربيع الثاني 1431هـ/3 ـ 6 نيسان/ أبريل 2010).

وأضيف - من جانبي - إلى تلك الأنماط نمطاً آخر هو نمط الكتابة السياسية؛ وهي التي تتناولُ المدينةَ من جانبٍ أساسي يتعلقُ بالرؤية العامة لبنائِها، والمعاييرَ العمرانية وفنونها التأسيسية التي يتعينُ أن تتوافر فيها من حيث المبدأ؛ باعتبارِ أن هذه المعايير جزءٌ من «السياسة الشرعية»، أو «الآداب السلطانية». وإلى جانب تلك الأنماط هناك: الكتابةُ «الآثارية» التي تتناول فنونَ التخطيط والعمارة والمنشآت الدينية والمدنية والعسكرية والمائية والفنون التشكيلية والتطبيقية، وهناك كذلك «الكتابةُ الاستشراقية» الحديثة حول المدينة الإسلامية، وما تثيره تلك الكتابة من جدالات لا تنتهي؛ بخاصة النقاشات في شأن أصالة المدينة الإسلامية، ومدى امتلاكها هوية ذاتية خاصة بها.

وتُعتبر كتب الآداب السلطانية والسياسةِ الشرعية، من أهم المصادر التراثية للكتابة السياسية التي تتضمن معاييرَ متعددة لفنون تخطيط المدن والأمصار وعمرانها وجمالياتها. وتتضمن تلك الكتب أيضاً كثيراً من النصائح وما يشبه «اللوائح الإرشادية» المتعلقة بكيفية إدارة المدينة ونظافتِها وتدبير مصالحها العامة. وقد نصحَ مؤلفوها أولي الأمر بأن يلتزموا تلك المعايير والإرشادات التي هي بمثابة «مواصفات قياسية» بحسب التعبيراتِ المعاصرة في فنون تخطيط المدن وإنشائها وتسييرها.

ما أفترضه هنا هو: أن فنونَ العمران وجمالياتِه كانت ركناً أساسياً من أركان تهيئة «المجال العام» للحياة الطيبة في المدينة، وجعلها في خدمةِ المقاصد العامة للشريعة. وأن نسقَ التفكير المقاصدي/ المصلحي؛ كان رافداً من روافد ارتقاءِ فن تخطيط المدن في الحضارة الإسلامية.

هذه الفرضيةُ ليست مبنيةً على مفهوم الفن السائد في المدارس الغربية وفق المرجعية الحداثية الغربية؛ ذلك المفهوم الذي يركز إما على تقليدِ الطبيعة ومحاكاتها، أو على نقل إحساس الجمالِ من الفنان إلى الآخرين، أو على القدرة على لفتِ انتباه الآخرين إلى ما يقدمه الفنان أياً كان ما يقدمه من حيث المقاييس الجمالية، وإنما تنبنى فرضيتي على مفهومٍ موسع للحُسنِ وضده القبحِ، وعلى مفهوم المصلحةِ وضدها المفسدة، وفقَ المعايير الأصولية والكلامية التي تؤكد في جانب منها أن: «كل أمر يلائمُ الطبع يطلق عليه الحُسْن، وما لا يلائمُه يطلق عليه القبحُ»، وأن المصلحة هي ما لا يخالفُ الشرع ويدركُه العقل، وأن «الفنَّ» بمفهومه الموسع أيضاً هو: «ما يقوم به الإنسان من الجمال» على نحو ما ذهب إليه قدماء العلماء ومنهم مثلاً: فخر الدين الرازي، في كتابه «المحصول» في أصول الفقه.

تحتاج قراءة تلك المصادر قراءةً منهجية لمعرفة مكونات الفنون العمرانية للمدينة الإسلامية وفلسفتها العامة إلى معرفة معطيات العالم الذي كان ينتمي إليه مؤلفوها، كما تحتاج إلى الانتباه إلى جدلية العلاقة بين مفهومي «العصبية» و «الترف»؛ حيث شكلت العصبية مركز القوة السياسية من جهة، وحيث شكل الترف «مظهر» تلك القوة من جهة أخرى، وحيث كان التنافس في العمران المديني هو الساحة الأساسية لإظهار تلك القوة وذلك الترف من جهة ثالثة.

إن المدينة - حسب إدراك أغلب كُتَّاب الآداب السلطانية والسياسة الشرعية - عبارةٌ عن كائن عضوي حي. يتألف من أجزاء شديدةِ الترابط، مع أنماط سكن واتصال وأمكنة وجماليات عامة، ومؤسسات متداخلة ومتبادلة التأثير؛ تنتج معاً ثقافة الحياة المدينية. وأن المقصد الأساسي لفنون المدينة العمرانية وجمالياتها هو: تهيئة البيئة المدينية للحياة الطيبة بمفهومها القرآني. وفي هذا السياق، اكتسب «المسجد الجامع» أهميته في البنية التكوينية للمدينة، وغالباً ما كان «المعمار المسجدي» بحد ذاته آيةً من آيات الجمال وفنونه وزخرفته المبهرة. وكان المقصدُ من هذه المركزية المسجدية بوسط المدينة هو: إظهارُ أهمية المرجعية الدينية في الحياة الاجتماعية. لهذا، رُوعي في التخطيط العمراني أن يكونَ الوصولُ إلى هذا المركز يسيراً على الجميعِ من جميع الجهات.

وغالباً ما تمت إحاطة المسجد الجامع بالأسواق والخانات ووكالات التجارة، وأحياءِ طوائف أصحاب الحرف المختلفة. وكان المقصدُ الأساسي من ذلك هو: إظهار ارتباط شؤون الدنيا بالدين، وأنه لا فصلَ بينهما، وأيضاً التنبيه - من خلال مشهد بصري يدركه العامةُ والخاصة بيسر وسهوله في المجال العام - والسلوك القويم، وتقوى الله، ومراقبة النفس؛ عبر الالتزام بأداء العباداتِ في الجامع، وفي مقدم هذه العبادات: «الصلاة» التي وصفها القرآن الكريم أنها: «تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي».

ومع التطورِ العضوي للمدينة الإسلاميةِ واتساعِها بعد المراحل الأولية لتأسيسها، انتظمت مسالكُ الذهاب إلى قلبِ المدينة والإياب منه عبر الشوارع الكبيرةِ، وعبر الشوارع الضيقة النافذة وغير النافذة، والأزقة المغطاة التي أُطلق عليها اسمُ «السقائف» في بعض البلدان، بخاصة في مناطق الأسواق، وذلك بقصد حماية المارة ورواد السوق وبضائعهم من حرارة الشمس ومن المطر. وخضعت تلك الشوارع - في كل الأحوال - لمقاييس وظيفية؛ من حيث سعتها وحرية المرور، والسلامة المرورية فيها أيضاً، حفاظاً على الأنفس والأموال، وهي من كليات الضروريات الخمس.

وشغلت «النظافة العمومية» موقعاً مركزياً في صميم التكوين العمراني للمدينة الإسلامية. وتعتبر النظافة قاسماً مشتركاً في قواعد العمران المديني وفنونِه التي تحدثت عنها كتب الآداب السلطانية والسياسة الشرعية بلا استثناء؛ وذلك لما للنظافة من أهمية مركزية متعددة البعد في الشؤون الحياتية: الجمالية والعبادية والصحية والبيئية. وتؤكد دراساتٌ عدة أن: عنصر المياه ساهمَ مساهمة بارزةا في تحقيق أغراض النظافة العمومية والخصوصية أيضاً، ولا تزال آثار الأبنية المائية ومرافقها التي كانت مخصصة للنظافة ماثلة في مدن كثيرة، منها: صنعاء، قرطبة، القاهرة، غرناطة، حلب وفاس. وقد بلغت مدينة «فاس» على سبيل المثل في عهد المرينيين قمة جمالها المعماري، «واشتهرت بحيويتها وأخلاق سكانها، فكانت مبانيها حسنة الهندسة؛ جميلة وأنيقة»، وكانت الحمامات العامة هي «زينة المباني المرينية». وتؤكد دراسات أخرى عزلَ أماكن الحرف الصاخبة والملوثة البيئة والخطرة في مناطق خاصة؛ حرصاً على السلامةِ العامة في أغلبِ المدنِ الإسلامية. وسهر المحتسبُ على النظام والنظافة العامة في المدينة.

إن مراعاةَ تلك الشروط في تأسيس المدن استلزمَ تطبيقَ معايير جمالية متنوعة. وكان من شأن تطبيق تلك المعايير: توفير ضمانات لا غنى عنها لسلامةِ الصحة النفسية، والاتزان العقلي لسكان المدينة؛ فالمشاهد الجميلة، والألوان المتناسقة، والمساحات الخضر، والزهور المبهجة، والموقع الملائم للهواء النقي، وما شابه ذلك مما ورد في بعض كتبِ الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، أو في «معايير» البناء في كتب البُنيان؛ كل ذلك كان من شأنه أن يؤثر إيجاباً في المزاج النفسي العام؛ بخلاف مشاهد التلوث والقبح والفوضى والضجيج والعشوائية التي تضر بالصحة النفسية، وتشجع على العنف وارتكاب الجرائم، ومن ثم إلحاق الأذى بالنفس، والمال، والنسل، والعقل، والدين في آن واحد؛ أي إهدار المقاصد العامة للشريعة في جملتها، أو في أغلبها.