الرحالة والتواصل بين المشرق والمغرب

عصام السعيد |

صدر للدكتور الحسن الغشتول كتاب بعنوان «خطاب الرحلة المغربية إلى الحجاز». ود. الحسن أديب وباحث مغربي، حصل على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان في المغرب، وهو متخصص في النقد الأدبي. من أشهر أعماله «الأدب بين الإمتاع والالتزام» من إصدارات دار النفائس ببيروت في 2016، وكذلك «رحلة في آفاق المشرق والمغرب: رحلة ذهنية» صادر عن دار الحضارة للنشر بالقاهرة في 2007، وأيضًا «بين الفكر والنقد: مباحث نظرية وتطبيقية في مسالك النظر ووظائف التعبير» عن دار الكلمة بمصر عام 2013.


بدأ الدكتور الحسن كتابه بالإشارة إلى حديث الدكتور إبراهيم شحاتة حسن عن وثيقة مهمة من ملفات الوثائق البريطانية، حيث أشار الأخير إلى أن الصلات بين المشرق والمغرب بقيت وشيجة حتى في الظروف العصيبة، فقد أدرك الفرنسيون ضرورة تقديم نظام تعليمي لطلاب المغرب لتفادي طلباتهم للدراسة في بيروت أو مصر، بل إن جميع الصحف العربية تقريبًا بما فيها تلك التي تنشر في الجزائر وتونس وطنجة وتطوان قد منع تداولها في المحمية الفرنسية في المغرب. ومع ذلك، وعلى رغم استحكامات الرقابة من قبل سلطات الحماية، تطلعت أنظار المغاربة إلى الشرق منذ مطلع تاريخ الحماية. وفي عام 1916م نشرت صحيفة إفريقيا الفرنسية L’Afrique Française تقريرًا يفيد بمتابعة المثقفين المغاربة للثورة في الحجاز، ثورة الشريف حسين، بشغف كبير. ولو لم يكن بين العرب والمسلمين أساس روحي يعود إلى قرون، لهان على مخططات التقسيم والتفريق أن تذوّب لغتهم وثقافتهم، وتبدّل تاريخهم.

واستعاد دكتور الحسن أيضًا رأي عبدالله العروي، والذي انتقد اتجاهات المؤرخين الاستعماريين، مشيرًا إلى أن دافعها الحقيقي هو رفض صورة الحضارة التي قبلها المغاربة عن طواعية. حيث قال عبدالله العروي، «وبنفي فكرة التاريخ من ماضي المغرب وإبقائه في ميدان ما قبل التاريخ، يظن هؤلاء أنهم سيقضون على تلك الصورة الخاصة، أي الصورة العربية الإسلامية، لأنهم يتحسرون على إخفاق صورة أخرى؛ الصورة الرومانية».

وأشار الدكتور الحسن، إلى أنه من هذا المنطلق، واستجابة لهذه الروح، يجب أن نهتم بنصوص مثل نص مختصر رحلة الشهاب أو ناصر الدين على القوم الكافرين لأحمد بن قاسم الحجري الأندلسي أفوقاي، والرياحين الوردية لمحمد المكي الناصري، والنفحة الشمالية لمحمد الفاطمي الصقلي، ورحلة إتحاف الأخيار لإدريس الجعيدي، ورحلة محمد الصفار إلى فرنسا، والتحفة السنية لأحمد الكردودي، والرحلة الإبريزية لابي الجمال الفاسي، ورحلة محمد بنونة إلى فاس، وخلال جزولة للمختار السوسي. وأشار الدكتور الحسن إلى أهمية التعرف في هذه النصوص على أشكال التواصل بين المشرق والمغرب في الخطاب الرحلي الذي يجسد وجهًا جليًا من التواصل بين الإنسان وأرضه وتاريخه وقيمه المشتركة، حيث تستطلعنا في الرحلة معالم خطاب تتعمق فيه العرى بين العرب والمسلمين. فالرباط الذي شد المغاربة إلى الشرق هو رباط أدركوا مداه السياسي والأيديولوجي في وعيهم التاريخي. غير أن هذا الأمر ليس وليد التحولات التاريخية التي آذنت بها مرحلة آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بل هي نتاج انصهار بين مكونات وموروثات ثقافية وعرقية وحضارية متعددة، من أهمها الموروث الأندلسي.

أشار الدكتور الحسن إلى أنه ليس من العجيب أن ينتبه المستعربون الإسبان في هذا السياق إلى أنه لا سبيل لمعرفة تاريخهم من غير الرجوع إلى الحضارة الإسلامية. وأشار أيضا إلى أنه يكفينا النظر في الورشات العلمية لمديرية مدريد، وغرناطة، لننتبه إلى ما خصه الإسبان من اهتمام بمشاريع علمية كلف بالنهوض بها أساتذة وباحثون انكبوا على البحث في التصوف عند الغزالي، واهتموا بنشر كتاب النفس لابن رشد وترجمة الوثائق العربية الديبلوماسية، وواكبوا بالدرس التاريخي كتاب المقتبس لابن حيان القرطبي، ورسالة الشقندي في مدح الأندلس، وأعادوا طبع كتاب النحو العربي لفرانثيثكو كوديرا. واهتموا أيضًا بالقانون والمنشآت الإسلامية، واللهجة المغربية، والفن والآثار الشرقية.

ويرى الدكتور الحسن أنه من الطبيعي أن يسير المستعربون الإسبان في اتجاه الانفتاح على الثقافة العربية، حيث انفتحت المدرستان بخاصة مدرسة مدريد على أعلام كبار في مجال الدراسات الإسلامية في العالم، وهكذا استدعت الباحث الأميركي المعروف فون غرونبان من جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1952م. لإلقاء محاضرة في موضوع: «المظهر العام للحضارة الإسلامية» «Le Profil de la Civilisation Musulmane» في قاعة العروض والندوات في المجلس الأعلى للأبحاث العلمية في مدريد.

وأضاف الدكتور الحسن في هذا الصدد أن المدرستين قد احتفتا بأعلام الثقافة والفكر العربيين من أمثال عميد الأدب العربي طه حسين، لما كانت تجمعه مع علمائها من علاقات ود واحترام، خصوصًا ما كان بين العميد وشيخ الاستعراب الإسباني الحديث إميلو غارثيا غوميث الذي كان دائمًا يذكر بامتنان وشكر وعرفان ما بذله معه العميد من مساعدة أثناء إقامته في مصر من أجل الدراسة وتعميق معارفه وثقافته في اللغة العربية وآدابها خلال الثلث الأول من القرن الماضي ما بين 1927 و 1928، فكان غوميث يرد هذا الجميل بكل ألوان الشكر والترحيب كلما زار العميد إسبانيا واتصل به.

وقد تبين للدكتور الحسن أن المجال الحضاري الذي تأسس فيه الخطاب الرحلي مجال مشترك، تمتزج فيه الرؤى وتتعدد المواقف والآراء والقيم، باختلاف زوايا النظر وتباين مواقع الوجود السياسي والجغرافي.

وحصر الدكتور الحسن في حدود هذا النطاق المنهجي النماذج التي ينبغي دراستها في مرحلة تاريخية تمتد منذ أواخر العصر السعدي إلى بداية القرن العشرين، فالمدى التاريخي لهذه الدراسة هو العصر الحديث الذي يرتبط بازدياد الأطماع الغربية التي أخذت تقوى في مقابل تراجع ميزان القوى العالمية لمصلحة أوروبا بصورة تدريجية، فبعد أن كانت دولة الإسلام قوة لا تقهر تداعت على المسلمين الأمم وصاروا يقدمون التنازلات تلو التنازلات، وأصبحوا يتفاوضون مع الجائرين عليهم من أجل أجزاء من أرضهم. ولفت الدكتور الحسن النظر إلى أن المتتبع لتطور بعض الصيغ والأساليب والمصطلحات التي وردت في كتب التاريخ يلاحظ كيف أن الموازين تغيرت، بعد أن تراوحت نبرة الكثير من المؤرخين والكتاب العرب ولغاتهم الواصفة للغرب بين الشدة واللين والانكسار، لتستحيل استحالة تاريخية يسوّغها منطق الضغط التاريخي، وتلبس العبارات حلية خاصة تتوشّى بلغة التحاور والاحترام. فكان طبيعيا جدًا أن تتغير جملة من المفردات والمصطلحات في الخطاب السياسي المخزي في المغرب مثلًا، منذ تصاعد حدة أزمته مع دول الغرب الاستعماري انطلاقًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وابتدعت في هذا السياق مصطلحات جديدة بدلًا من التسميات التقليدية، فمن ذلك أن لقب الطاغية الذي كان استعماله تقليديًا في كتب التاريخ لم يعد متلائمًا مع طبيعة الظروف الجديدة، كما تسرّبت تسميات أوروبية وأقحمت في الخطاب العربي، وأصبح تداولها جزءًا من ميثاق التخاطب السياسي.

وعلى رغم مما سبق ذكره، لم يستطع الدكتور الحسن أن ينكر ما كان لبعض المراحل التاريخية التي شهدها المغرب، والتي أعقبت مسلسل التراجع والانحسار التاريخي العام والذي تعود أصوله إلى مرحلة تفكّك أوصال الدولة المغربية في أواخر الحكم السعدي، من قدرة على توفير شروط الاستقرار السياسي، واستعادة مظاهر القوة التي كانت مفقودة.

وذكر الدكتور الحسن أن تخصيص هذه الدراسة بالفترة التي تمتد إلى زمن النهضة العربية، والتي كان من بوادرها ظهور ملامح اليقظة المغربية في العصر الحديث، يتيح لنا أن نتمكن من معرفة طبيعة اتصال الرحالة المغاربة بأوروبا للكشف عن مدى قدرتهم على تأسيس خطاب يعكس الرغبة في تحاورهم مع منجزات الحضارة الغربية. وأشار إلى أنه ما من شك في أن مرادنا يتقاطع منهجيًا في هذه الحال، مع بعض الدراسات التي اهتمت بموضوع الرحلة من هذه الزاوية التي تؤهل الناظر إلى استثمار منطق موازن تحكمه رؤية تقيم اعتبارًا خاصًا لجدل الثنائيات المنبثقة من التباين القائم بين حضارتين متجاورتين. فمن هذه الدراسات، الدراسة التي قامت بها نازك سابا يارد بعنوان: الرحالون العرب وحضارة الغرب في النهضة الحديثة: الصراع الفكري والحضاري. وتقول الباحثة في مؤلفها المذكور إنها اختارت أدب الرحلة في القرنين التاسع عشر والعشرين، «لأنه من أهم الفنون التي صوّرت احتكاك العرب بالغرب، وما نتج من هذا الاحتكاك من مؤثرات صدمت الذهنية العربية والمجتمع العربي، وأدت إلى صراع سياسي واقتصادي وفكري وحضاري، لا يزال من الأسباب التي تقلق الهوية العربية حتى اليوم». وذكر الدكتور الحسن أن الباحثة اكتفت في حكمها بأن ذكرت أن الصراع الفكري والحضاري قد تجلى في أدب الرحالين، لأنهم لمسوا عن كثب الفوارق بين الحضارتين العربية والأوروبية. وأشار الدكتور الحسن إلى أن الباحثة عنت بلفظة «الصراع»، الإحساس بالمفارقات الفكرية بين الأنا والآخر، وهذا يتضمن وفق قولها مبدأ تنازع الأضداد، كما يتضمن حيرة المواقف بين الثابت والمتحوّل، بين الموروث الأصيل والمجتلب المقتبس في مختلف مناحي الحياة ونظم الفكر. وأشار الدكتور الحسن إلى أن عمل الباحثة والذي لا تنكر قيمته الببليوغرافية يظل باعثًا على النظر التحليلي الذي يفحص الظواهر الحضارية والنفسية والثقافية، من زوايا تسمح بتعانق تخصصات شتى وتضافرها للكشف عن حقيقة مسألة الحوار، من منطلق تأكيد أهمية آثار الذاكرة التاريخية للرحالة وقدرتها على توجيه خطابه على نحو معين، مع لزوم استحضار شكل الكتابة بوصفه مفصحًا عن شكل من أشكال الوعي.

وأضاف الدكتور الحسن، إننا لنجد صورًا معبرة عن تلك المفارقات الفكرية التي تحدثت عنها الباحثة، في رحلات مثل «الرحلة الإبريزية إلى الديار الإنجليزية»، لأبي الجمال محمد الطاهر بن عبد الرحمن الفاسي 1285ه، و «الرحلة السنية للحضرة الحسنية بالمملكة الإصبنيولية»، لابي العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الكردودي الكلالي الفاسي 1318هـ – 1900م، فهما عنوان لمفارقات عدة كامنة بين ما يعزى إلى القرون الماضية للمدنية العربية وعالم أوروبا الذي «بدا يأخذ بمظاهر المدنية العصرية، بواخرها وقطاراتها وأسلحتها ومصانعها وتنظيماتها المدنية والعسكرية». فالرحلة الإبريزية هي «إحدى الرحلات الأولى التي سجلت اتصال المغرب بالحضارة الحديثة الأوروبية، قبل أن تنتشر معالم هذه المدنية باختراعاتها المبنية على الطاقات الجديدة، من بخار وكهرباء، واستعمالها في آلات كثيرة متنوعة في وقت كان المغرب لا يعرف عن هذا الانقلاب الجديد شيئًا».

وذكر الدكتور الحسن أن مما يميز الرحلة الإبريزية أيضًا، الصدق في الإعلام الذي نعدّه مفتاح الخطاب الرحلي عند آبي الجمال، خصوصًا لما صرح بدهشته أمام الغرائب التي رآها، وقرن ذلك كله بسنة الله وقدرته. حيث أن هذه الغرائب كانت بعيدة عما ألفه، ولكنه تفهمها ووصفها بدقة ووضوح، وأرجع الأشياء كلها إلى القدرة الإلهية، فهو يقول إنها وإن كانت غريبة فقدرة الله صالحة لذلك.

أما الرحلة الثانية، أي التحفة السنية، فيقول الدكتور الحسن إنها تعبير عن موقف السلطان الحسن الأول في انفتاحه على العالم الغربي. وأضاف إلى ذلك أنها تعكس النوايا السياسية من أجل الاقتراب من المجتمع الإسباني بخاصة وعقد حوار مع الغرب بعامة، ولكن من دون إسراف في تتبّع خطى الأخر. وأضاف الدكتور الحسن تعليقًا على هذه الرحلة، أن هذا الخطاب الرحلي لا يخلو من نبرة الاعتزاز بالذات المسلمة.