تفجيرات الأردن الإرهابية: الحواضن المحلية للتطرف

موسى برهومة |

محطات عدة لا يمكن المراقب ألا يقف عندها، وهو يعاين التفجيرات الإرهابية التي ضربت الأردن في الأيام الأخيرة في مدينتي الفحيص والسلط. وأهم هذه المحطات ما كشفته التحقيقات الأمنية الأولية من أنّ متسبّبي هذه العمليات ممن ألقي القبض عليهم، لا ينتسبون إلى تنظيم «داعش» أو إلى أي تنظيمات إرهابية أخرى، على رغم تعاطفهم مع هذه التنظيمات وتبنيهم خطاباتها.


وفي سياق البناء التراكمي للأحداث وأسبابها ومغذيات التطرف، لا يتعين تجاهل مناسبة التفجير الأول في مدينة الفحيص، وهي مدينة تسكنها غالبية مسيحية، وجاء التفجير في أيام مهرجان المدينة الثقافي والفني. ولا بد من عطف هذا الأمر على طلب فتوى تقدم بها نائب إسلامي في البرلمان الأردني (عن جماعة الإخوان المسلمين) إلى دار الإفتاء بخصوص كون مهرجان جرش (الذي يسبق مهرجان الفحيص) حلالاً أم حراماً!

ويترافق مع هذه المحطات، تنامي المعارضة الدينية المتشدّدة لدى قطاع واسع من الأردنيين لأنماط الحداثة ودعوات التنوير والدولة المدنية، حيث يخوض معارضو هذه الأنماط حرباً ضروساً تتجلى عبر منصات «السوشل ميديا» ضد ما يعتبرونه مساساً بقواعد الفكر الديني لديهم، ناظرين إلى الدولة المدنية باعتبارها دعوة صريحة «إلى الإلحاد والانحلال الأخلاقي والعلمانية وهدم عقيدة الأمة».

وثمة، في محطة لافتة، من يرى أنّ التفجيرات الإرهابية هي رد فعل ضد أشكال الاعتداء على الوجدان الوطني، ويستذكرون حادثة السفارة الإسرائيلية في تموز (يوليو) العام الماضي، بعدما قتل حارس في السفارة أردنييْن، ما أدى إلى احتجاز اثنين من طاقم السفارة الإسرائيلية، ولكن سرعان ما أفرجت عنهما السلطات الأردنية، وجرى نقلهما إلى تل أبيب حيث استقبلهما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، استقبال الأبطال، مؤكداً في تصريحات نقلها الإعلام: «لقد عملتما في شكل جيد وبرباطة جأش، وكنا ملتزمين بإخراجكما. أنتما تمثلان دولة إسرائيل، ودولة إسرائيل لا تنسى ذلك ولو للحظة».

ومن بين المحطات القديمة الجديدة أنّ الدولة الأردنية لا تمتلك استراتيجية واضحة لمحاصرة الفكر الديني المغلق الذي يعد أماكن تخصيب نموذجية للتطرف والتزمت، فالفكر السلفي منتشر في شكل واسع في المدارس والجامعات ومراكز تحفيظ القرآن التابعة لجماعات إسلامية، بعيداً من السيطرة المركزية لجهاز الدولة، وفي هذه المراكز، كما لفتت الناشطة الأردنية زليخة أبو ريشة، يجري تلقين الأطفال أفكاراً متطرفة. ودعت، عبر صفحتها في «فايسبوك»، رئيس الوزراء الأردني، إلى زيارة تلك المراكز، وطرح أسئلة على الأطفال:

- هل الغناء في الإسلام حلال أم حرام؟

- هل تهنئة المسيحيين بأعيادهم حلال أم حرام؟

- هل الترحّم على الأموات (النصارى) حلال أم حرام؟

- ما رأيكم بالمرأة غير المحجبة؟

وفي حين يتقبّل المجتمع، في شكل عام، إرسال أطفاله إلى مراكز ومخيمات لتحفيظ القرآن، تجدهم غير متحمسين بالدرجة ذاتها لإرسال أبنائهم لتعلّم الموسيقى أو الغناء أو الفنون بعامة، وهذا يعود إلى تقصير الجهاز الرسمي في الدولة الذي يتجاهل خطورة الفكر المتزمت الذي لا يمكن نزع فتيله إلإ من طريق الانفتاح وزيادة جرعة الثقافة والفنون في جسد الدولة والمجتمع من أجل تقوية مناعتهما.

وتتصل بالأمر الأخير ملاحظة جديرة بالتوقف عندها مليّاً، وتتعلق بغياب كلمة «ثقافة» من كتاب التكليف الذي بموجبه أوكل العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، لرئيس وزرائه الجديد عمر الرزّاز، تشكيل حكومة جديدة، كما خلا رد الرئيس المكلف من أي تعبير له صلة من قريب أو بعيد بالثقافة والفن، وفعل الرئيس الأمر ذلك في خطابه الذي نال بموجبه الثقة في البرلمان. هذا مؤشر إلى كيفية إدارة الدولة الأردنية ملف التطرف والأفكار المتزمتة، وهذا يدل أيضاً على غياب العقل الاستراتيجي الكلي للدولة. ولعل هناك من يعتقد أنّ «مشروع النهضة الوطني الشامل» يمكن تحقيقه بالإنشاء والرطانة اللغوية، والاستمرار في رعاية الجهل والانغلاق والخرافة.