مصر: جريمة «استثنائية» في دير تفتح ملف الخلاف الفكري داخل الكنيسة

قبة كنيسة مريم العذراء في القاهرة (أ ف ب)
القاهرة - رحاب عليوة |

ظلت قضايا الكنيسة المصرية لا تتعدى أبواب الكنائس والأديرة، ولا تتصدر عناوين الصحف سوى بكلمات تشدد على الوحدة الوطنية أو بأخبار تتعلق بعمليات إرهابية استهدفتها. تلك القاعدة كسرتها بعض القضايا المتعلقة برهبان أو قساوسة تناولها الإعلام في حدود ما هو متاح من معلومات شحيحة.


وتصدرت الكنيسة المصرية الأسابيع الماضية الأخبار في مصر، وباتت جريمة شهدها أحد الأديرة محل تداول النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والبسطاء في المقاهي، كونها جريمة غير مسبوقة حيث قتل رئيس دير داخل مقره، والجناة راهبان.

وعلى رغم إثارة الجريمة بكل حلقاتها المتسلسلة، حتى أنها تصلح للاقتباس السينمائي، كان لافتاً أن القضية لم تفتح باباً للجدل في إطار الجريمة فقط، لكنها كشفت عن طبيعة الخلاف الفكري داخل الكنيسة، بمدرستيه الإصلاحية والمحافظة، والتي لم يكن يعلم تفاصيلها كثيرون من عوام المسيحيين، فضلاً عن الرأي العام على عمومه.

ودير أبومقار الذي شهد جريمة القتل يقع في صحراء مصر الغربية في وادي النطرون، استقر فيه الأب متى المسكين (توفي سنة 2006) مرسخاً فيه مدرسته الإصلاحية التي تختلف مع المدرسة التقليدية المحافظة التي مثلها بابا الإسكندرية وبطريريك الكرازة المرقسية السابق البابا شنودة الثالث، حتى أن البابا فرض مساحات كبيرة من عظاته للرد على أفكار المسكين، ومنع عرض كتبه وترجماته في معرض الكنيسة.

يقول الباحث في شؤون الأقليات مينا ثابت لـ «الحياة»: «الخلافات بين مدرسة الأب متى المسكين الفكرية وبين مدرسة البابا شنودة موجودة إلى جانب الخلاف الطويل بين البابا شنودة على المستوى الشخصي وبين الأب متى المسكين، والتي ترسخت عبر تطورات تاريخية كثيرة، حتى أنه في عهد البابا شنودة ظلت كتابات الأب متى حبيسة داخل أسوار الدير».

ويضيف: «البابا تواضروس الثاني أظهر اتجاهاً وميلاً لإتاحة مساحة لكتب الأب متى والسماح لها بأن تدخل معرض الكتب القبطية. وعين رئيساً للدير من تلاميذ الأب متى هو الأسقف الراحل وكان يرسله ليمثل الكنيسة القبطية في شكل رسمي في كثير من المؤتمرات اللاهوتية».

واستُدعيت الخلافات الفكرية مع اليوم الأول للإعلان عن الجريمة في 29 تموز (يوليو) الماضي، في البداية من خلال نشطاء مسيحيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ثم توسعت رقعة تداولها إلى المقالات الصحافية والتقارير الإخبارية، فمع الوقت لم تكن ثمة مساحة لتجاهلها، أو الحفاظ عليها داخل جدران الكنيسة، خصوصاً بعدما كشفت التحقيقات عن تورط راهبين داخل الدير في قتل رئيسه الأنبا إبيفانيوس، والراهبان ضمن رهبان من تلاميذ البابا شنودة أرسلهم إلى «أبو مقار» في العام 2010، وذلك لتقويض تلك المدرسة داخلها وفق ما تم تداوله، علماً أن البابا الراحل لم يزر دير أبو مقار سوى في العام 2009 أي بعد ثلاث سنوات من رحيل متى المسكين.

والسؤال في ظل طبيعة الدير والجريمة: «هل كان الخلاف الفكري دافعاً للقتل داخل الكنيسة المصرية؟». الإجابة لا نستطع الجزم بها، خصوصاَ أن الدافع الأساسي للقتل، وفق ما صرح به الراهب المجرد (من الرهبنة) إشعياء المقاري خلال التحقيقات هو سخطه على البابا في طريقة تقسيمه الهبات داخل الدير، وخلافات سابقة، لافتاً إلى أنه دشن «غروباً» على موقع التواصل الاجتماعي «واتس آب» يضم 33 راهباً داخل الدير (مجمل رهبانه فوق المئة)، دأبوا خلاله على الهجوم على رئيس الدير. وأضاف الراهب في اعترافاته أمام جهات التحقيق، وفق ما نقلته وسائل الإعلام المحلية، أنه وراهباً آخر حاول الانتحار عقب الجريمة وهو فلتاؤس المقاري، كمنا لرئيس الدير ليلة تنفيذ الجريمة أثناء الخروج من قلايته (حجرة معيشة الراهب) وضربه بقطعة حديد مجوفة طولها حوالى 90 سم وتزن 2 كيلو غرام على رأسه 3 ضربات متتالية، فيما كان الراهب الآخر يراقب الطريق، وعقب الجريمة عمد إلى إخفاء أداة القتل في الدير، ثم عاد إلى حجرته.

لكن تقريراً نقله موقع «المصري اليوم» حول اعترافات الراهب أمام النيابة أشار إلى وقوع جريمة القتل بسبب «تصاعد الخلافات بينهم والتي وصفت بأنها خلافات «عقائدية» ومالية حول توزيع التبرعات التي يتلقاها الدير وعدم الطاعة».

ورداً على سؤال حول موقع الخلاف الفكري من الحادث، بعدما ثبت تورط الراهبين في قتل رئيس الدير، قال ثابت: «نعم هناك خلاف، لكنه احتمال ضمن الاحتمالات، وقد يكون الدافع لمن ارتكب الجريمة هو دافع فردي خاص بمن ارتكب الواقعة نفسها».

ورأت الباحثة في شؤون الأقباط وفاء وصفي، في تقرير نشرته مجلة «روز اليوسف» الحكومية (4 آب - أغسطس الجاري) إن الأنبا إبيفانيوس «كان يمثل الاتجاه المستنير في الكنيسة القبطية، فهو يتحدث 5 لغات حديثة ويعرف اللغات القديمة، إذ يتقن القبطية ويتحدث ويكتب بها، بالإضافة لليونانية التي كانت تساعده في قراءة علم الآباء وترجمته في شكل صحيح... أما عن علاقته بالبابا، فكان هو حائط الصد بينه وبين من يحاربون فكره المتجدد، إذ كان يدعمه بالإجابات الكتابية التى لا يستطيع أحد أن يشكك فيها». ونقلت وصفي عن أحد الخدام الذين تتلمذوا على يد الأب متى المسكين وهو الدكتور مدحت ثابت قوله: «إن ما حدث فى دير أبومقار، لا يصنف قتلًا لأسقف، ورئيس دير، وراهب ناسك زاهد، ولكنه محاولة مفعمة بغلًّ وكراهية لاغتيال فكر مستنير يهدد ساكني الظلمة في وجودهم وكيانهم».

وفيما يجد الدافع الفكري احتمالية وجيهة عند قطاع من المسيحيين، يرفضه آخرون مؤكدين عدم وجود أبعاد فكرية وراء الجريمة، وأحد هؤلاء رئيس الاتحاد المصري لحقوق الإنسان نجيب جبرائيل، الذي شدد في تصريحات إلى «الحياة» على أن القضية هي لراهب ابتعد عن حياة الرهبنة وانغمس في الدنيا والتجارة حتى انتهى الأمر إلى الجريمة غير المسبوقة في تاريخ الكنيسة.

وأضاف جبرائيل: «الخلاف بين الأب متى المسكين والبابا شنودة الثالث هو خلاف فكري حول الممارسات وليس خلافاً عقائدياً. الخلافات بين المدرستين لا يمكن أن تتطور إلى قتل أو أن تكون دافعاً إليه». وحول نطاق انتشار مدرسة الأب متى المسكين داخل الأديرة يقول جبرائيل: «هي موجودة طبعاً في أماكن أخرى غير دير أبو مقار الذي يعد الحاضن الرئيس لها»، فيما يرى الباحث في شؤون الأقليات مينا ثابت أن من الصعب حصر مواطن انتشار أفكار الأب متى المسكين أو نطاق جغرافي لها، قائلاً: «الأمر ليس مذهباً مختلفاً أو عقيدة أخرى، لكنه طريقة في التفكير». وتابع: لكننا نستطيع أن نقول إن جموع المسيحيين متأثرون بأفكار قداسة البابا شنودة؛ لأنه ظل بطريريك المسيحيين لأكثر من 40 سنة، وله كتابات كثيرة وعظات أكثر، وتتلمذ على يديه الكثير من الكهنة والآساقفة.

وهكذا وضعت جريمة مقتل الأنبا إبيفانيوس الكنيسة في محور اهتمام الرأي العام، مع تسلسلها على نحو مثير، بداية من مقتل الأنبا في 29 الماضي، ثم تجنيزه في 31 الماضي عقب تشريح الجثمان، في مراسم تقدمها بابا الإسكندرية وبطريريك الكرازة المرقسية البابا تواضروس الثاني وبدا عليه التأثر الشديد حتى أنه بكى خلالها قائلاً: «كنت أستشيره بنفسي»، لافتاً إلى أن الأنبا الراحل مثّل الكنيسة في أكثر من 20 مؤتمراً دولياً، موجهاً رسالة إلى رهبان دير أبو مقار بعدم التواصل مع وسائل الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وغداة الجنازة اجتمع مجلس شؤون الرهبنة برئاسة البابا تواضروس الثاني وأصدروا 12 قراراً «لضبط الرهبنة» وأرجعوها في ضوء «مقتل الأنبا إبيفانيوس»، لتدعم تلك القرارات شعوراً لدى الرأي العام بأن الجاني أو المشتبهين من داخل الكنيسة، وكان أبرز تلك القرارات حظر تدشين أديرة جديدة إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، وحظر تواصل الرهبان مع الإعلام أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو التورط في أية معاملات مالية، وحذّرت المخالفين من تجريدهم من رتبهم الكهنوتية.

لكن ذروة الأحداث، كانت في 5 آب (أغسطس) الجاري، حينما أصدرت الكنيسة قراراً بتجريد الراهب إشعياء المقاري أحد رهبان الدير من رتبته، وعودته إلى اسمه العلماني وائل سعد، لمخالفته حياة الرهبنة، وهو ما أثار جدلاً آنذاك، مع الربط بين تجريد الراهب وبين جريمة الأنبا إبيفانيوس، ما دفع الكنيسة إلى إصدار بيان في اليوم ذاته توضح أن قرارها تجريد الراهب ليس له دخل بقضية مقتل الأنبا وإنما لمخالفات أخرى، لافتة إلى أنه سبق وخضع لتحقيقات من لجنة شؤون الرهبنة في ذلك الشأن. وكان المجني عليه قرر قبل شهور من الجريمة إبعاد إشعياء عن الدير نتيجة مخالفاته لكن الراهب جمع توقيعات من رهبان آخرين وأرسلوها إلى البابا تواضروس لالتماس عدم تنفيذ النقل، وهو ما استجاب له البابا.

وعلى رغم أن أياماً قليلة عقب التجريد أثبتت صحة الشكوك الأولى حول الجريمة، جاءت محاولة انتحار الرهب فلتاؤس المقاري، غداة تجريد إشعياء، بقطع شرايين يديه ثم إلقاء نفسه من الدور الثالث، لتدعم الشكوك وتزيد الإثارة آنذاك، خصوصاً أن الراهب المجرد والآخر الذي حاول الانتحار صديقان، ومن تلاميذ البابا الراحل شنودة، وأدخلا إلى الدير معاً في العام 2010.

يبقى التساؤل، كيف تعامل المسيحيون مع الجريمة؟ بالطبع مثّلت الجريمة حالاً من الصدمة لدى المسيحيين، وكان ميل قطاع عريض منهم منذ البداية إلى اعتبارها جريمة إرهابية، وأخذوا يربطون بينها وبين إعدامات صدرت في حق قيادات في جماعة «الإخوان المسلمين»، المصنفة إرهابية في مصر، سواء في تحليلات نشرت في مواقع إخبارية قبطية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن مع تطور الأحداث، وثبات البابا تواضروس، ورغبته التي بدت واضحة في تقديم الجاني إلى العدالة أياً ما كان، ومع رسائله في عظته قبل ساعات من حبس النيابة الراهب والتي قال فيها «اطمئنوا أديرتكم ثابتة»، وتشديده على أنه «لا مصلحة لأحد في التستر على مخطئ». تراجعت حدة المواقف.

ويشير المحامي الحقوقي نجيب جبرائيل لـ «الحياة» إلى أن القضية خلفت تطاولاً من البعض على الكنيسة، قائلاً: «حضرت نحو 3 ساعات من تحريات الأجهزة الأمنية داخل الدير، وأؤكد التعامل بمنتهى الرقي مع الرهبان وعدم النيل من مكانتهم الدينية أو حياتهم الخاصة».