«حروب الجيل الخامس»: شبكات التواصل والتجنيد الإلكتروني والـ «درون»

خالد عزب |

إنها تحدث الآن. وتجري معاركها بخفاء أحياناً، وبضجيج يصم الآذان في معظم الأحيان، على رغم أن أحداً لا يسميها باسمها مباشرة. أحياناً، تصدر تصريحات من قادة «حلف الناتو» والجيش الأميركي ونظرائهم في روسيا والصين، عن معارك سيبرانية لا تتوقف عبر الإنترنت، وتديرها مراكز قيادة باتت مستقلة بجيوشها، خصوصاً في الولايات المتحدة وروسيا والصين. ولكن، يجب التنبّه إلى أن الحروب السيبرانية Cyber Wars التي لم يتوقف الحديث عنها منذ مطلع الألفية الميلادية الثالثة، ليست سوى جزء من «حروب الجيل الخامس». ولم تكتمل معالم تلك الحروب إلا بعد النقاشات عن التدخل الروسي الإلكتروني في انتخابات الرئاسة الأميركية في 2016 التي أوصلت الرئيس الشعبوي دونالد ترامب إلى سُدّة الرئاسة، وهي نقاشات سرعان ما كثفت النقاش علانية في «الحروب الهجينة» Hybrid Wars وصولاً إلى «قمة هلسنكي» في تموز (يوليو) 2018 التي مثلت محطة غير متوقعة في حروب الجيل الخامس.


وفي الاستعادة، برز بُعد مهم في تلك الحروب المعاصرة، بعيد دخول ترامب البيت الأبيض. وفي عام 2017، وقبيل مغادرته منصبه وزيراً للخارجية، كشف ريكس تيلرسون عن صراع مباشر بين الأقطاب الأساسيّين للنظام العالمي الراهن عبر تأكيده أن بلاده تتعرض لـ «حرب هجينة» من روسيا، فكان ذلك سابقة استراتيجية في عالم ما بعد الأحاديّة الأميركيّة. ولا تخطئ العين أنّ كلمات تيلرسون شفت آنذاك عن إقرار بهزيمة واشنطن في تلك الحرب الحديثة التي صارت تُعرّف أميركيّاً وعالمياً بأنّها خليط من حرب استخباريّة - إلكترونيّة وتضليل إعلامي واسع. وفي قول آخر، عبرت كلمات تيلرسون عن أن واقع الحروب الهجينة يمثّل جزءاً وبعداً استراتيجيبن في حروب الجيل الخامس.

وذكّرت كلمات تيلرسون التي لم تخف مرارة يعانيها من نطق بها، ببيان مشترك صدر في مطلع 2017 عن «وزارة الأمن الوطني» و «مكتب الاستخبارات الوطنيّة» الناطق بلسان مجموع مؤسّسات ووكالات الاستخبارات، حسم أن الحكومة الروسيّة تدخّلت في الانتخابات التي أوصلت دونالد ترامب إلى الرئاسة.

«يجب ألا يكون أدنى لبس في ذلك: تدخّلت روسيا في انتخاباتنا... سيعودون في 2020، بل في 2018». تلك كانت كلمات جايمس كومي المدير السابق للـ «آف بي آي». وشكّلت آنذاك إقراراً صريحاً بنجاح روسيا في الحرب الهجينة التي رافقت انتخابات الرئاسة الأخيرة، الأمر الذي ربما مهّد لتدخل أوسع في انتخابات الرئاسة المقبلة أو انتخابات الكونغرس قبلها. ولا يكاد يكف الإعلام الأميركي، خصوصاً في معركته الطاحنة حاضراً مع ترامب، عن استعادة تلك الجولة من الحروب المعاصرة.

دور لضربات الـ «هاكرز»

هناك شقّان أساسيّان لتلك الحرب الروسيّة الهجينة، تمثّل أولّهما بوضوح في اختراق كومبيوتر «اللجنة الوطنيّة للحزب الديموقراطي» والاستيلاء على رسائل تتعلق بالمرشحة هيلاري كلينتون وتمويلها من «مؤسّسة كلينتون» (يقودها زوجها السابق الرئيس بيل كلينتون)، وتواطؤ قيادة الحزب معها لتكون مرشحة الحزب على حساب السيناتور بيرني ساندرز. وآنذاك، لعب تسريب تلك الرسائل دوراً كبيراً في تأليب جمهور واسع فقد ثقته في عموم المؤسّسة السياسيّة المتمترسة في عمق الدولة وحزبيها الكبيرين وأساليب عملهما التي تحوطها شبهة الفساد دوماً، إضافة إلى إبعاد شريحة شابة قلقة من التفاوت الاجتماعي وكانت ملتفة حول ساندرز. في ذلك المنحى، من المستطاع القول أن الحرب الهجينة تشمل هجمات واختراقات «هاكرز»، بالتالي هي جزء من حروب الجيل الخامس.

في بُعدٍ متّصل، استندت الحرب الروسية الهجينة، وفق ما بات شبه مجمع عليه، إلى تلاعب واسع بالرأي العام، شكّلت الـ «سوشال ميديا» أداته الأساسيّة. وبات معروفاً أن روسيا عمدت إلى التلاعب بشرائح واسعة وساخطة من الرأي العام عبر استغلال الهوامش الواسعة لحريّة الرأي (المبدأ الأعلى في الدستور الأميركي)، خصوصاً في مواقع الـ «سوشال ميديا» كـ «فايسبوك» و «تويتر» وشركات الخليوي والبريد الإلكتروني، بأساليب تضمنت شراء إعلانات سياسيّة ظهرت في تواقيت مدروسة، ونشر رسائل وتدوينات وتغريدات ضربت على أعصاب النزاع السياسي الحاد في البلاد عبر معلومات مغلوطة وأخبار مفبركة تتمحوّر حول كراهية الأجانب، والحساسيّة من المسلمين (هويّة أوباما مثلاً)، ورفض العولمة بوصفها إفقاراً لأميركا وإثراءً لـ «الخارج» والأجانب وغيرها.

وبرزت في سياق تلك الحرب الروسية الهجينة، سابقة في جعل الإعلام وحرية الرأي جزءاً مباشراً من الحرب، بعد أزمنة طويلة من كونهما ملحقاً بالمعارك، وهو أمر نتج من كون الـ «سوشال ميديا» تتيح وصولاً مباشراً وفورياً إلى شرائح واسعة من العقول المطلوب التأثير فيها. وفي اختصار، كرّس التدخل الروسي الإلكتروني مفهوماً أساسياً في حروب الجيل الخامس، قوامه أن الإعلام بأنواعه كلها والتأثير في الرأي العام، هو مكوّن رئيسي فيها.

والأرجح أنّ من تابع المسارات السياسية والإعلامية التي رافقت «قمة هلسنكي» بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، لاحظ الحضور الكثيف لظلال حروب الجيل الخامس فيها، بل إنها زادت حضوراً مع تصاعد حدّة النقاش الداخلي الأميركي بعدها، وصولاً إلى حاضر الحرب الجارية بين ترامب والصحافة الأميركية.

سلاح الـ «سوشال ميديا»

في قول آخر، توضح تلك المعطيات أن الحرب على القلوب والعقول (خصوصاً بالوسائط الإلكترونية كالـ «سوشال ميديا») صارت مندمجة تماماً مع الحروب الإلكترونية (ضربات الـ «هاكرز» وحروب الفيروسات الرقمية وسواها)، والمناوشات بطائرات الـ «درون»، إضافة إلى أشكال مألوفة نسبيّاً كالصراع بين الجيوش والمجموعات المسلحة التي تمتد حاضراً من أوكرانيا إلى سورية، مروراً بنيجيريا ومالي وليبيا وأفغانستان وغيرها.

وفي كتابه «حروب الجيل الخامس»، الصادر حديثاً عن «مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة» في أبو ظبي، يذكر الباحث شادي عبدالوهاب أن ذلك المصطلح ظهر نتيجة عوامل عدّة تشمل تراجع احتكار الدولة استخدام القوة المسلحة، وظهور التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة التي تعتمد على القيادة الكاريزمية أكثر من اعتمادها على العوامل المؤسسيّة، فضلاً عن اعتمادها على «الكيانات» الأيديولوجيات العابرة للحدود القوميّة في بعض الأحيان. ولعل المثل الواضح عن ذلك برز في سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من سورية والعراق وحكمها بداية من عام 2014 (تحت مسمّى «دولة الخلافة»). واتّبعت حركة «بوكو حرام» في نيجيريا أسلوباً مماثلاً في ذلك العام ذاته.

وتشمل عناصر تلك الحروب معطى التداخل بين أدواتها المتفاوتة نوعياً. ويعني ذلك أنها تعتمد على زيادة الترابط بين المشكلات الاقتصادية والتهديدات الأمنية المتأتية من الاعتماد المتبادل في الاقتصاد الدولي. وبذا، صارت إشكالات اقتصادية، مثل انقطاع أو وقف إنتاج السلع الأساسية، مصدر تهديد للأمنين الوطني والدولي. وتأتي في السياق عينه، ظاهرة صعود الولاءات البديلة، إذ أدت العولمة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى زيادة ميل الأفراد إلى نقل ولائهم من الدولة إلى قضايا معينة. وصار كثيرون منهم أكثر ارتباطاً بما يثار على شبكة الإنترنت، على حساب الاهتمام بالمشكلات الحقيقية لمجتمعاتهم. ويتمثل مصدر التهديد في تلك الظاهرة من ظهور ميول لدى بعض الأفراد إلى استسهال التطرف واستخدام العنف وسيلة للتعبير عن الرأي، حتى من دون التقدير المنطقي لعواقب أفعاله. ألا يسلط ذلك أيضاً بعض الضوء على ظاهرة التجنيد الإلكتروني لإرهابيين إسلامويين عبر الإنترنت؟