سحر طه رسمت وطناً من الموسيقى والأحلام

بيروت – رنا نجار |

رافقت ثيمة الحنين إلى الوطن الفنانة والناقدة سحر طه (1963) التي رحلت في أحد مستشفيات ميتشيغان الأميركية بعد صراع مع المرض، منذ تركت مسقط رأسها العراق وانتقلت إلى لبنان حيث درست الموسيقى وتزوجت رفيق الدرب الاعلامي سعيد طه الذي كان طبيبها وحبيبها وصديقها حتى الرمق الأخير. تركت سحر العراق جريحاً بعدما نالت رسالة ماجستير في إدارة الأعمال، وانتقلت إلى لبنان الجريح في عزّ الحرب الأهلية لتتزوج من سعيد طه بعد حب كان مثالاً لغالبية المثقفين والفنانين ومن عرفهما. لكن العراق بقي في لكنتها وقلبها وفنّها، وكانت أغانيه التراثية ومقاماته الحزينة ترافقها في كل حفلة وكل لقاء وكل أغنية. وقلّما أحيت سحر طه السمراء الجميلة ذات الشعر الأسود الطويل، حفلة، أو غنّت في أمسية رسمية أو خاصة من دون أن تؤدي أغاني في حب العراق الذي حملت همّه في صوتها الشجيّ ومسيرتها وألحانها الراقية. ويذكرها المتابعون للنشاط الموسيقي في بيروت كلّما صدحت بأغنية «على جنح غيمة، على ضوء نجمة، إلهي أعدني إلى وطني عندليب»، أو أغنية «على شواطئ دجلة مرّ يا منيتي وقت الفجر»، ولا سيما أغنية فؤاد سالم «يا طير رايح لبلادي مشتاق لأهلي الطيّبين مشتاقلهم صرلي سنين مشتاق لكل الأحباب لكل شارع لكل باب، مشتاق لأهلي وأطفالي ولترابك يا وطني الغالي»... وهي قالت ذات مرّة: «لا أخفي أني وجدت نفسي وأكدت هويتي بالأغنية التراثية الشعبية الفولكلورية العراقية بخاصة، والعربية بعامة، إلا أن القصائد حازت اهتمامي فكانت ملاذي الأكثر أماناً، وليس سراً أني أدين بتوجهي إليها، للشاعر الراحل رياض فاخوري، حين غنيت من كتابه عام 1999، وقدمنا للجمهور أمسيات عديدة إلقاءً وغناءً». وهي أصدرت مجموعة من الألبومات الغنائية جميعها باللهجة العراقية. وتركت بعض الألحان الخاصة كما قدّمت العديد من الأمسيات في لبنان وخارجه وأنجزت ألبومات عدة بين 2001 و2011، أبرزها «بغداديات» (مع مواطنها عازف العود عمر بشير) و «أغان من التراث العراقي» (تسجيل حيّ ــــ 2003) و «ودّعت بغداد» (تسجيل حيّ ــــ 2005)، إضافة إلى عملها الأخير الذي لحّنت فيه قصائد من الشعر الصوفي وحمل عنوان «أعشقك أنت» (2011).


وفي سنة 2016 أصدرت كتاب «من القلب إليهم: ومضات من حياة فنانين- الجزء الأول»، تضمن بعضاً من سيرة أهم الفنانين الذين تركوا بصمة في فن الغناء واللحن. وكانت أصدرت كتاباً في العام 2005 بعنوان «مقامات عراقية- يوميات الاحتلال الأميركي للعراق» (دار الريّس ــــ 2005).

رسمت سحر طه العروبية، وطناً جميلاً في مخيّلتها، وطناً فيه حب وصداقات وثقافة عالية بدل الوطن الذي احتّله أهل الدار ومن أتوا من خارجها. جعلت من لبنان وفلسطين وسورية والإمارات والبحرين وكثير من الدول العربية التي غنّت لها وتحدثت في مؤتمراتها وشاركت في فعالياتها، أوطاناً بديلة ودافعت عن وحدتها وعن سيادتها. كانت فلسطين بوصلتها للتحرّر، وسورية عشقها الأبدي. رسمت وطناً من الألحان الناضجة (أكثر من 30 لحناً) وعمارات من الأشعار والقصائد، وشوارع من المقالات النقدية (في جريدة المستقبل والشرق الاوسط) في فن الموسيقى والأدب والشعر والتشكيل، ولوّنت شبابيك هذا الوطن بالمعرفة والانفتاح على الثقافات الاخرى، أما الأعمدة فكانت ما تركته من أعمال على رغم كل الظروف التي مرّت بها. كان الألم عندها ولادة والتحدي جزء من يومياتها، فكانت تردّد دائماً أن «الحياة هي أجمل ما وهبنا اياه الله، لذا تستحق العيش على رغم آلامها، ولولا الآلام لا نشعر بحلاوة الأيام الجميلة ولحظات السعادة».

لكن هذه المرأة الصبور التي نقلت للعرب صورة جميلة عن غناء تراث بلدها، توفيت بعيدة من مسقط رأسها وولعها وخزّان معرفتها الخاص، كما توفيت بعيدة من الوطن البديل الذي بنته مع سعيد طه واستطاعت في زمن قصير أن تبني فيه صداقات ومعارف وتعلّم أبناءه العزف على العود الذي كان رفيق دربها الثاني. لكن هناك في ميتشيغان، كرّمتها الولاية بوضع صورتها على طابع بريديّ، ويا ليت بلدها كرّمها باستعادة الطمأنينة والحب والسلام، فكانت رضيت لأنها إنسانة زاهدة في الحياة، قنوعة، تشعر بالآخر وتتعاطف مع المساكين وخصوصاً مرضى السرطان الذين لا يملكون المال للعلاج. فهي خصّصت صندوقاً من نسبة المبيع في ألبومها الاخير للتبرّع لهؤلاء بجزء من العلاج. مريض يداوي مريضاً.

هزمت السرطان 3 مرات، وتحدّته منذ 2003 بالموسيقى التي لطالما قالت إنها مخلصها والتي أثرت إيجابياً بها ومنحتها القوة لمقاومة المرض ومجابهة الموت، خصوصاً الصوفية منها التي اتّجهت إلى تأديتها في الفترة الأخيرة مع ألبومها ذي الطابع الصوفيّ «أعشقك أنت» الذي لحّنت أغانيه بنفسها. لقد جعلها السرطان نشطة كأنها تسابق الزمن، لكنه قتل أحلاماً كثيرة أرادت تحقيقها.