خسائر الودائع بالليرة التركية وراء التخلي عنها

خسرت الليرة حوالى 40 في المئة من قيمتها منذ بداية السنة (أ ب)
دبي – يوسف محمد ضمرة |

على رغم التدابير التي أعلنتها أنقرة الأسبوع الماضي، يواجه الاقتصاد التركي أزمة انهيار الليرة، بعد أن قررت الولايات المتحدة تنفيذ تهديداتها بتشديد العقوبات على أنقرة بسبب رفض الأخيرة الإفراج عن قس أميركي.


يفرض التعامل مع فقدان الليرة التركية نحو 40 في المئة من قيمتها سيناريوات عدة للخروج من المأزق الاقتصادي، ولكن غالبيتها بخلاف ما تعهد به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل انتخابه، من تحسين مستويات معيشة الأتراك، إذ بدأوا يشعرون بالآثار السلبية المتمثلة في ارتفاع كُلف المعيشة وأسعار السلع والخدمات بسبب الخسارة التي تلقتها عملتهم أمام العملات الأخرى.

يتمثل السيناريو الأول في ضمان استقلالية المصرف المركزي التركي، ومنحه الصلاحيات كافة لرفع أسعار الفائدة. وكان المصرف يستهدف إبقاء التضخم عند نسبة 11.5 في المئة، لكن تدخل أردوغان كبّله ومنعه من استخدام أهم أداة نقدية تملكها البنوك المركزية، وهي عمليات السوق المفتوح التي يتم من خلالها رفع سعر الفائدة أو خفضه. وفي الحال التركية، رفض أردوغان منذ حزيران (يونيو) استخدام هذا النهج، وتدخل في استقلالية المصرف المركزي التركي، ووصفه بأنه «عدو لسعر الفائدة». وخلال الشهر الماضي، أبقى المصرف التركي على سعر الفائدة من دون تغيير، في مخالفة للتوقعات، لتفقِد الليرة التركية نحو 20 في المئة من قيمتها، وليصل التضخم إلى أعلى مستوى له في 14 عاماً بتسجيله 15.3 في المئة.

تلقت الليرة الضربة الثانية بعد تطبيق العقوبات الأميركية التي فرضها ترامب، في ظل معرفة المستثمرين بتأثيرات العقوبات من جهة، وتغوّل السلطة المحلية على المصرف التركي من جهة أخرى. ووفق أرقام المصرف التركي، فإن سعر الفائدة يصل حالياً إلى 17.5 في المئة. وكان المودعون أودعوا أموالهم في بداية السنة عند سعر 12.5 في المئة. وبافتراض بقاء التضخم على حاله، وهو أمر شبه مستحيل، فإنهم سيخسرون 5 في المئة من قيمة أموالهم المودعة بالليرة التركية. والمعادلة بسيطة تقوم على طرح سعر الفائدة من معدل التضخم، وبذلك يتبين أن سعر الفائدة الحقيقي الذي يحصل عليه المودع في نهاية السنة سيكون سالباً.

في إطار السيناريو الأول، بعد العقوبات الأميركية وتلقي الليرة التركية الوجبة الثانية من الخسائر، توقع المستثمرون إعلان حكومة أنقرة حزمة من التدابير لتخفيف تراجع الليرة. لكن نحو 3000 مستثمر لم يجد في تصريحات وزير الخزانة التركي وصهر الرئيس براءة البيرق، إشارات تنم عن استقلالية المركزي والتلميح إلى استخدام الأدوات الممكنة لضبط إيقاع التضخم المرجح أن يصل إلى 20 في المئة، مع استمرار التدهور في الليرة التركية. ويلاحظ أن وزير المال غير مخوّل التصريح عن السلطة النقدية (المصرف المركزي)، وفقاً للأعراف الدولية، لكنه كان خياراً ممكناً في ضوء سطوة الحكومة التركية على المصرف. وهكذا عادت الليرة إلى تسجيل الخسائر.

يتمثل السيناريو الثاني الذي أعلنته مصادر ألمانية، في توجه أنقرة إلى صندوق النقد الدولي. وبرغم إعلان الرفض التركي، فإنه يبقى خياراً شبه مؤكد، ويبدو الأقرب ربما قبل نهاية السنة الحالية، لأن دعم الحلفاء والإعلان عنه صراحة لم يخفض مخاوف المستثمرين والأتراك، فيما الصدقية التي يتمتع بها صندوق النقد الدولي أفضل لوقف نزيف الليرة أولاً. إن استمرار انهيار الليرة التركية يترتب عنه فقدان المواطن التركي قرابة نسبة الانخفاض من دخله الشهري، خصوصاً عند التوجه إلى الأسواق لشراء حاجاته.

وبرغم المماطلة التركية، فإن التوجه نحو صندوق النقد الدولي وفق برنامج ائتماني، على غرار ما فعلته الأرجنتين بخط ائتماني يقدر بنحو 50 بليون دولار، سيهدئ المستثمرين. في المقابل، فإن استمرار انخفاض الليرة سيؤدي إلى زيادة عبء الدين الخارجي التركي الذي يستحق جزء منه نهاية السنة، بينما تواجه شركات تركية مقترضة بالعملات الأخرى الإفلاس، وهو ما يقلق الأسواق الناشئة ويؤثر عليها في ظل سياسة المصرف الفيدرالي الأميركي المتمثلة في مواصلة رفع أسعار الفائدة وتعزيز جاذبية السندات التي يطرحها.

وفي ظل الأحداث المتسارعة، تلقت تركيا نبأ غير سار بإعلان خفض خفض التصنيف الائتماني السيادي لتركيا إلى درجة أعمق في الفئة غير الاستثمارية، مشيرة إلى تقلبات حادة لليرة، ومتوقعة أن ينكمش النمو الاقتصادي للبلد العام المقبل.

وفي ظل المشكلة النقدية التي تعاني منها تركيا، فإن مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي تنعكس على إيرادات الخزانة التركية التي تولَّد لديها عجز يزيد من معاناة الخزانة ويجبرها على زيادة الضرائب والرسوم، مما يضع صانع القرار التركي في موقف لا يحسد عليه لمعالجة الاختلالات التي بدأت، وستزداد مع الوقت.