ظلم ذوي القربى أعنف وأشد على سوريات

الحلقة الأضعف أمام جبروت قيم يستند إليها المجتمع (أ ف ب)
دمشق - إيمان أحمد ونوس |

إن ما لاقته المرأة السورية على مدار سنوات الحرب السبع ولا تزال فاق الوصف والخيال حين تصدّت لصنوف القهر والذلّ والموت وهي تنزح عن بيتها ومدينتها أو قريتها، أو وهي تتلقى الصدمات المؤلمة والمُفجعة والصادمة خالية الوفاض إلاّ من صبرها وإصرارها على تعزيز هذا الصمود بأمل دفين يُدغدغ قلبها لحظة يأس تكاد تشلُّ قدرتها على الاستمرار، مثلما تدفعها باللاّوعي غريزة الأمومة والأنوثة التي ما كانت يوماً إلاّ دافعاً للحب والعطاء والتـــشبّث بالأمل والحياة من أجل أُناس هي وحدها المسؤولة عنهم حين هبوب رياح الموت والجوع والتشرّد والنزوح.


لقد قاومت غالبية السوريات مختلف أنواع قهر الحرب وذلّها، وولجنَ دروباً لم يعهدنها يوماً فيما مضى، فغصنَ في مجاهل أعمال كانت حكراً على الرجال في مجتمع تقليدي- ذكوري محافظ غير هيّابات أو آبهات لشتى صنوف الإتهامات الظالمة والباطلة التي طالت وتطال سمعتهن وأخلاقهن من بشر لا همَّ لهم سوى التقليل من شأن المرأة وإهانتها على رغم حاجتهم لها. أجل، تقبّلت المرأة كل هذا وتغاضت عنه من أجل أن تُكمل مشوارها ومسؤولياتها التي أرخت بظلالها على كاهلها حرب لم ترحم رجلاً ولا امرأة ولا حتى رضيع. وكل هذا مقبول في ظل ما يعيشه السوريون، لكن أن يكون الظلم والقسوة الأشد من الأهل والأقارب ممّن ساندتهم ومنحتهم بعض دفء وهي ترتجف من القرِّ، أو نسمة عليلة وهي تشتعل في الحرّ، فهذا ما لا يُغتفر لا إجتماعياً ولا دينياً ولا أخلاقياً، وما لا يُصدّقه عقل أو عاقل. ولنستمع إلى نماذج كانت ضحية ظلم الأهل والأقارب.

منى سيدة من ريف دمشق، نزحت وأسرتها وأطفالها إلى مناطق آمنة أقامت فيها بداية في مراكز الإيواء الحكومية. ولمّا لم تكن المعونات المُقدّمة تكفي مستلزمات أطفالها وبعضهم في المدارس، قررت العمل في إحدى الورش الصغيرة القريبة من مركز الإيواء، علّها تمنح من معها بعض الراحة وتلبية ما يرغبون ويحتاجون. ولأن منى صغيرة وجميلة إلى حدّ ما، كانت مطمعاً لذوي النفوس الضعيفة من الجوار الذين حاول بعضهم التحرّش بها مراراً، وبدّل أن يتصدّى أهلها لأولئك الطائشين، تصدّوا لها ومنعوها بداية من الخروج للعمل، وحين أصرّت على ذلك وأنها قادرة على حماية نفسها من المتطفّلين، نبذها أهلها وتركوها مع أطفالها في مركز الإيواء ليقطنوا مكاناً آخر، في الوقت الذي كانت في حاجة لهم من أجل رعاية أبنائها في غيابها، ما دفعها إلى الاعتماد على بعض الموجودين في المركز كي يقوموا مقام الأهل الذين كانت تمدّهم ببعض أجرها ليعينهم على تكاليف الحياة.

أمّا سناء أرملة الشهيد والتي لم تبلغ بعد الثلاثين من عمرها ولديها ثلاثة أطفال، فلقد استولى أهل الزوج على المعونات المالية المُقدّمة من الحكومة بما فيها راتب الزوج الذي يُفترض أن يكون لها ولأطفالها بذريعة أنهم المسؤولون عن رعايتها وأطفالها، لا سيما أن لوالدي الشهيد نصيباً من هذا الراتب، في الوقت الذي يُعاني فيه أهلها الفقر والمرض المُسيطر على العائلة لأسباب وراثية في بعضها، وبالتالي لا يمكنهم مساعدتها في أي شكل كان. بالتأكيد، فإن سناء تُعاني الفقر والحاجة، خصوصاً أنه ممنوع عليها مغادرة بيت الزوج وإلاّ تخسر أطفالها كما هددها أهل زوجها.

غير أن عبير التي طلّقها زوجها السكير فقط لأنها تحضه على العمل وترك المشروب من أجل أن تُطعم طفليها لا أكثر، لم تأبه لهذا الطلاق على رغم أن والديها ليسا على قيد الحياة، وإنما ستكون في رعاية إخوتها حين انتقالها إلى قريتها، وقررت العمل في أي شيء من أجل احتضان طفليها اللذين رفضاها بشدّة حين جاءت لتصطحبهما، وذلك بسبب تأثير الأب عليهما وخوفهما منه، فعادت خائبة تسبقها دموعها وقهرها على اغتيال أمومتها بعد طردها أشدّ طردة من بيت شيّدته بتعبها وكدّها وصبرها على زوج لا يهمه من الدنيا إلاّ زجاجة خمر يروي بها رجولته المريضة والعاثرة.

هيام سيّدة في الأربعين من عمرها اختفى زوجها أثناء المعارك في بلدتها التي هربت منها مع أولادها الأربعة إلى بلدة قريبة منها، ولجأت إلى أقاربها فيها، ولأنها لم تقبل بالزواج من أحدهم في حجّة حمايتها وأبنائها، اخترعوا لها تهمة أخلاقية جعلت حتى أولئك الأبناء ينبذونها لأنهم غير قادرين على التحليل والتمييز فيما تمّ اتهامها به، وما كان منهم ومن أقاربها إلاّ أن طردوها من البلدة من دون شفقة أو رحمة، فهامت على وجهها تنشد سكينة لن تصلها يوماً.

أمّا وفاء التي قُتل زوجها في الحرب ولديها بنتان، فقد قرر أهلها تزويجها بعد أن تترك الطفلتين إلى أهل والدهما، وحين رفضت قرار أهلها طردوها من البيت لأنها في رأيهم ستجلب لهم العار هي وابنتاها حين تكبران، فغادرت إلى أهل الزوج الذين رفضوا أيضاً استقبلها بذريعة وضعهم المادي الضيّق، وأنهم مسنون غير قادرين على رعايتها وحمايتها مع إبنتيها.

حين عرضنا هذه الحالات على الإختصاصية النفسية والإجتماعية نهى قالت: «في الحروب تتبدّل القيم والمفاهيم في شكل لا شعوري ناتج عن الصدمات المفاجئة، والخوف المقيم من أيّ أمر حتى لو كان بسيطاً. ولأن المرأة رمز الشرف من جهة، وضحية الحرب الأولى من جهة أخرى، فإنها الحلقة الأضعف أمام جبروت تلك القيم التي يستند إليها المجتمع، وأمام سطوة ذكورته التي لا ترى في المرأة إلاّ مصدراً للعار في ظلّ غياب الرجل عنها، وبالتالي تقع عليها صنوف العنف والاضطهاد كلها حتى في أمومتها بلا شفقة أو ضمير، وبلا إحساس بأن ما يقوم به الأهل تجاهها هو أشدّ أنواع الظلم والقهر الذي لا يمكن غفرانه في ظلّ الأزمات والكوارث والحروب التي تستدعي من الناس اللُحمَة والرحمة والتعاطف حتى مع الغرباء، فكيف بمن هي فلذة الكبد أو أم لأطفال أب قتل أو إختطف أو إستشهد؟