ثورة الذكاء الاصطناعي إشكاليّة لكن مصطلحاتها متداولة بقوة

يجهل الانسان عقله ومشاعره لكنه يحاول صنع آلات تعقل وتحس! (موقع «ستانفورد إيديو.اورغ»)
غسان مراد |

«إنّها أول كاميرا رقمية تعمل بالذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence عند التقاط المشاهد» (إعلان عن أحد الأدوات الذكيّة في العام 2018). «إنه أول خليوي يضم رقاقة تعمل بالذكاء الاصطناعي» (إعلان عن هاتف ذكي في العام 2017). «إنها أول رقاقة إلكترونية لكومبيوتر مكتب و «لاب توب»، تعمل بالذكاء الاصطناعي» (إعلان لشركة عملاقة في صناعة «مايكروشيب» في العام 2015).


ماذا تقول تلك الإعلانات التي باتت تتهاطل بغزارة تفوق أمطار الـ «مانسون» الذي أغرق الهند أخيراً، بالأحرى كيف نقرأها؟ هناك مروحة من المقاربات لقراءة السيل المتصاعد عن الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة. وتتوزع تلك المروحة بين من يرى أن ثورة الذكاء الاصطناعي حدثت وتفجرت وانتشرت وصارت موجة يجب اللحاق بها.

(بين مزدوجين، بالنسبة إلى بعض العرب، لا يعني ذلك سوى إنتاج الكلام والمزيد منه عن الذكاء الاصطناعي، من دون التفكير للحظة بما ينتجه العرب فعليّاً في علوم الذكاء الاصطناعي وأدواته وآلاته)!

في مقلب مغاير، هناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي خطر داهم، بل يظهر أحياناً كأن الإنسانية بدأت تخاف على حالها مما تصنعه بيديها، بل كأن الأمر يتعلق بحال من الاستلاب حيال ذكاء الآلات! وتالياً، هناك من يبدي قلقاً وجودياً من تطور تقني يؤدي إلى صنع الآلات تشبة الإنسان في تفاعلاته، فيما الإنسان لم يفهم بصورة وافية ذكاءه وإدراكه، إضافة إلى مشاعره وخيالاته. لنتذكر أن علم النفس العصبي («بسيكونيورولوجي» Psycho Neurology) يميل إلى تعريف الذكاء بوصفه جمعاً، بمعنى وجود أكثر من ذكاء فيه. من لا يسمع الأحاديث العلمية عن الذكاء العاطفي Emotional Intelligence، وكذلك الحال بالنسبة إلى الذكاء اللغوي والسلوكي والمكاني- الجغرافي والتذكري وغيرها؟

وبين الرأيين السابقين المتعاكسين، تسير مروحة واسعة من الأفكار في شأن الذكاء الاصطناعي. ثمة من يذكّر بأنه عندما لعب الكومبيوتر الشطرنج في المباراة بين «ديب بلو» والبطل الأسطوري غاري كاسباروف، لم يكن الكومبيوتر يعلم أنّه... يلعب الشطرنج أصلاً! وبديهي القول تالياً إن «ديب بلو» لا يعرف أشياء كالسعادة والشقاء. ولم يكن سعيداً أنه فاز، ولا يعرف ما يعني أن تكون سعيداً. فالذكاء حسب علم النفس العصبي أصبح كلمة بالجمع.

بانوراما لتعريفات علميّة

ما المقصود فعليّاً بكل ذلك الكلام عن الذكاء الاصطناعي؟ لم يسبق أن امتلك ذلك المصطلح معالم واضحة. في خمسينات القرن العشرين، جرى اعتماد المصطلح بمعناه العام: حثّ آلة على التصرّف بطرق يعتبرها البشر ذكيّة. ثم ظهر تقدّم جديد ومهم في الذكاء الاصطناعي تمثّل في تعلّم الآلات Machine Learning، الذي انتشر في تقنيّات عدّة. والأرجح أنّ النقاشات عن الذكاء الاصطناعي، تتضمّن مجموعة من المصطلحات يبرز بينها:

1- خوارزميّات: مجموعة من التعليمات التي تتابع لتؤدي مهمة ما بالتدريج، خطوة إثر أخرى. وتكون خوارزميات الكومبيوتر بسيطة (مثلاً: إذا صارت الساعة الثالثة من بعد الظهر، أرسل تذكيراً بذلك)، أو معقّدة (مثلاً: تحديد هويّة أشخاص يسيرون في الشارع).

2- الشبكة العصبيّة: نموذج لتنسيق عمل الرقاقات الإلكترونيّة، مستقى من طريقة عمل الدماغ البشري. ويفيد في رفع قدرة الآلات على أن تعلّم نفسها بنفسها. مثلاً، عند الحصول على أجزاء من معلومات معيّنة (كأن تكون صورة رقميّة)، يجري إدخالها في عمليات حوسبة بسيطة لربطها مع مكوّنات أخرى. وبالتدريج، تصبح الآلة قادرة على تمييز الصورة وصاحبها، بل التعرّف عليه تلقائيّاً حتى لو تبدّلت أوضاعه وأحواله.

3- رقاقة الخلايا العصبيّة المتبدّلة: رقاقة كومبيوتر مصمَّمة لأداء دور شبكة عصبيّة إلكترونيّة. يمكن استخدامها في نظم تكنولوجيّة مبسطة كبدّلات الهاتف الأرضي، أو متقدمة كـ «حوسبة السحاب».

4- الانتشار الخلفي: طريقة تتيح لعدد كبير من الشبكات الإلكترونيّة العصبيّة إنجاز التعلّم ذاتيّاً، عبر رصد الفارق بين نتاجها الفعلي والنتاج المرغوب به من قبل المستخدم أو النظام الإلكتروني. ويلي ذلك عمليّة تلقائية تعدّل فيها الآلات حساباتها عبر اعتماد ترتيب معاكس الاتجاه للمهمات المتوجّب تنفيذها.

5- «الصندوق الأسود»: هي وصف لعدد من أنظمة التعلّم العميق. وتقوم بحفظ المعلومات التي تدخل إلى الآلة الذكيّة، ثم تحللها وتستند إليها لصنع مخرجاتها من المعلومات. وعلى رغم بساطة الوصف، إلا أن الكميات الهائلة من المعادلات الرياضيّة المستخدمة في تحليل المعلومات، يجعل شرح عمل تلك «العلبة» عسيراً على غير المختصين.

6- التعلّم العميق: عملية تتضمن تفاعل الشبكة العصبيّة الإلكترونيّة ومكوّناتها بأنماط الاستخدام المتنوّعة، مع الحرص على الترابط في مختلف مراحل التفاعل. وعند تحليل صورة ما، ربما تتفاعل إلى الشبكات العصبيّة الإلكترونيّة مع زواياها، ثم تأتي الأقدام، وبعد ذلك قامة الشخص، وربما أيضاً الكلب الذي يسير دوماً إلى جواره.

7- النظام المحترف: نوع من الذكاء الاصطناعي يسعى لاستنساخ خبرات البشر في مجال محدّد، كالتشخيص الطبّي.

8- شبكات التنافس الإنتاجي: مجموعة من شبكتين عصبونيّتين تخضعان لتدريب متزامن، بهدف جعلهما قادرتان على العمل سويّة في توليد بيانات جديدة واقعية، يمكن تحسينها بالاعتماد على المنافسة. وتعمل إحدى الشبكتين على استحداث أمثال جديدة (كلوحات زائفة لبيكاسو مثلاً)، في حين تحاول الشبكة الثانية رصد اللوحات الزائفة.

9- تعلّم الآلات: استخدام برامج متطوّرة بهدف استخلاص أنماط معيّنة استناداً إلى بيانات محددة، من دون الحاجة إلى تدخّل البشر.

10- معالجة اللغة الطبيعية: محاولة يبذلها الكومبيوتر لـ «فهم» اللغة المحكية أو المكتوبة، وتحليل المفردات والقواعد والنيّة من الكلام، وإفساح المجال أمام التنوّع في استعمال اللغة وغيرها.

11- الإدراك: هو من أولى أنواع الشبكات العصبيّة الإلكترونيّة جرى تطويرها في خمسينيات القرن العشرين. ونالت رواجاً كبيراً، لكنّ تبيّن أنّ لقدراتها حدوداً، ما أدّى إلى تقويض الاهتمام بها لسنوات طويلة. واستعادت بريقها مع مرحلة «البيانات الضخمة».

12- التعلّم المعزّز: نوع من التعلّم الآلي الذي «تُدرّب» البرامج الذكيّة فيه عن طريق التصرّف الهادف إلى بلوغ هدف ما، حتى عندما لا يكون محدداً بدقة. وتظهر في المباريات بين الآلات الذكيّة.

13- الذكاء الاصطناعي القوي: نوع من ذكاء الآلات يفترض أن يضاهي ذكاء الإنسان وشموليّته. ويرى بعض الخبراء أنه مستحيل، مشيرين إلى أنّ الذكاء الاصطناعي بصــــيغته الراهـــنة ضعيف أو ضيّق.

14- التعلّم الخاضع للإشراف: نوع من التعلّم الآلي يتضمّن مقارنة المعادلات الرياضيّة التي تُنظّم المعلومات الداخلة إلى الآلة، مع تلك التي «تدرّبت» عليها قبل وضعها قيد العمل.

15- مشروع برمجة الذكاء الاصطناعي: مجموعة من الأدوات البرمجيّة التي طوّرتها شركة «غوغل» بهدف استعمالها في مجال «التعلّم العميق».

16- التعلّم بالانتقال: تقنية تعلّم آلي تعتمد على منظومة من المعادلات الرياضيّة التي تصف شيئاً معيّناً كالسيارة. وفي خطوة تالية، تستند الآلة إلى تلك المعادلات للتعرّف على أشياء أخرى مختلفة لكنها «قريبة» نسبيّاً منها كالهررة والكلاب.

17- اختبار تورينغ: اختبار لقدرة الذكاء الإلكتروني على أداء دور الإنسان. وفي المفهوم الأساسي الذي طوّره عالم الرياضيّات البريطاني آلان تورينغ، يجري الحكم على نجاح الذكاء الاصطناعي عندما يصبح تواصله مع المستخدم قريباً من التواصل البشري إلى حدّ انعدام الفارق بين الإثنين!

الحاسوب عقلاني لكنه لا «ينطق» ... ليس بعد

ماذا يحصل في ظل صعود التقنيات الرقميّة مع ما تحمله من أسئلة وطروحات على مستوى الإنسانية عموماً، في ظل الطفرة الراهنة في الحديث عن الذكاء الاصطناعي؟

لنتذكر البديهيات أولاً بأول. لنستهل بالإشارة إلى أن الحاسوب عقلاني مئة في المئة، لكن مجريات التفكير الاستقرائي (الحدس والخيال و...) غير قابلة للبرمجة. وهناك رأي علمي واسع يفيد بأن الذكاء الاصطناعي يصعب وجوده حاضراً لأن الإنسان نفسه ما زال مجهولاً، والدماغ البشري ما زال غامضاً، على رغم كل الاكتشافات الطبيّة في شأنه. يكفي القول إن الصور المقطعية الدماغية لا تعطي إلا حركة جريان الدم في ذلك العضو، وما زلنا لا نعرف شيئاً عن كيفية «سير الأفكار» بين التداخلات العصبونية لخلايا الدماغ!

إذاً، ليس مجازفة القول إن كثيراً من الانبهار والاندهاش السائد حاضراً، متأتٍ من عدم الإلمام بما يحصل فعلياً. إذ لا يقبل العلم الحديث فعلياً عن ذكاء إصطناعي إلا عندما لا يستطيع مستخدمه أن يميّز بين تفكير البشر وما يدور في الدماغ الإلكتروني للحاسوب، وهو جوهر «إختبار تورينغ» Turing Test الشهير الذي وضعه ذلك المؤسس لذكاء الآلات في خمسينات القرن العشرين.

والأرجح أن الصورة الأمثل للوصول إلى الذكاء الاصطناعي يكون في مسار تطوير التطبيقات المؤتمتة للترجمة الآلية التي كانت من بواكير نتاجات العمل على ذكاء الآلات في القرن العشرين، بعيد اختراع الحاسوب. ويشكل ذلك الأمر المعيار الأساسي الذي انطلقت منه مسارات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في مرحلة ما بعد ابتكار الكومبيوتر. ويجدر لفت النظر إلى أن المقال يتجنّب قصداً الحديث عن الآت «ذكية» ظهرت في عصور ماضية، وساعدت في تطوّر علوم الإنسان ومسار حضارته، كالمعداد الصيني («آباكايوس» Abacus) الشهير.

ليس مجازفة القول إن ما نراه حالياً من تطبيقات في مجال الذكاء الاصطناعي من روبوتات وبرمجيات للتعرف على الكلام والنزول والصعود على الدرج والتعرف على الوجوه وغير ذلك، ليست إلا برمجة آلات تكون فيها العمليات مكرّرة، وتسمح بتقليد بعض عمليات الذكاء وتحركات الجسد الإنساني، لكنها ليست ذكاءً اصطناعيّاً فعلياً. (أنظر «الحياة» في 31 كانون أول/ ديسمبر 2017).

عودة إلى الفلسفة اليونانيّة وإنجازات العرب

في السياق عينه، لا بد من التذكير بأنّه لولا الفلاسفة اليونان وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو، إضافة إلى المنجزات المبهرة للعالم العربي الخوارزمي لما وصلت شركات تصنيع الحاسوب والبرمجيات والمعلوماتية كبيل غيتس ومارك زوكربيرغ إلى ما هي عليه الآن، بما في ذلك الثروات الضخمة المتراكمة لديها. بقول آخر، أوصلت إبداعات الأولين إلى ثراء الآخرين. وكذلك يجدر تذكر أن المعلوماتية برمجياً هي حصيلة المنطق والرياضيات. وتالياً، يمكن القول إن «الإنسان الرقمي»، وهو مصطلح يروق لكثيرين استخدامه، هو حصيلة اتحاد العلوم الإنسانية بكل تصوراتها وتنظيراتها لاستخراج قواعد تتطابق مع المعلوماتية بكل تطبيقاتها. بقول آخر، المعلوماتية هي إعادة تشكيل مجموعة من المبادئ التي ظهرت عبر آجال طويلة، بصورة تجعلها تتكيف مع قضايا إجتماعية راهنة.

إذاً، هناك قفزة أساسيّة حدثت عند كتابة الكلمات (اللغة) على شكل أرقام، بمعنى تمثيل الكلمات والجمل والنصوص (مكتوبة أو شفاهية) إلى أرقام ثم حوسبتها، ووضعها في خوارزميات وبرامج متنوعة. يبقى أن المهمة الصعبة تتمثل في أن تتوصل الأرقام إلى «فهم» النصوص وإدراك معانيها ومغازيها!

لا زال ذلك النقاش متدافعاً، بل هو من الحوافز الأساسيّة التي يتطور فيها الفكر البشري. ومع الزمن يتبين أن صياغة محتوى الكلمات ومعانيها وخيالاتها ومشاعرها، على هيئة أرقام ومعادلات خوارزمية، هو أمر صعب المنال في حد ذاته، إضافة إلى كون حركة الفكر في تغير دائم. وإذا كانت الأرقام ثابتة، فالمتغيرات في المعنى لا حدود لها، وهي ليست ثابتة لا في الزمان ولا في المكان.

وعند العودة إلى الرياضيات لإجراء عمليات حسابية، يجدر التفكير أيضاً في اكتشاف الأرقام أو اختراعها. (نفتح قوسين للقول بوجود غير وجهة فلسفية في ذلك الأمر. هناك من يعتبر أن الأرقام موجودة في الطبيعة واكتشفها البشر، فيما يرى أخرون أن الأرقام اخترعت وابتكرت في عقل البشر).

ثمة مساحة للتطلع إلى اختراع «لغة تعبيرية» في الرياضيات، تجعلها كبقية اللغات وتخلّصها من التباس كونها لغة اصطناعية. وفي ذلك السياق، هناك من يطرح إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات الديموقراطية، لكن يجب ألا ننسى أن الديموقراطية ليست مجموعة من التغريدات.

*أكاديمي لبناني في اللسانيَّات الحاسوبيّة والإعلام الرقمي