بقايا أصواتهم ترفّ على الشرفات

حسين درويش |

لن تعرفَ أبداً..


عندما يتركُ الجيران

أحواضهم تجفُّ تحت الشمس

عندما تذبل وردةٌ في المزهرية

أو عندما تَركَ أحدُهم بابَ الحديقة

لواحاً..

ليمتحنه الهواء..

أو عندما تئنُ مفاصلُ شباكٍ بعيد

صريرُهُ يصل إلى شرفتي.

...

لن تعرفَ أبداً

أني أقفُ هنا

أرقبُ أصدقاء وحدتي

أرى ذبولَ ظهورهم

تعثُّرَ خطواتهم

طقطقةَ رُكبهم

أحذيتهم الكبيرة

سوداءَ من فرطِ البريقْ

...

لن تعرفَ أبداً

الأسماءُ التي تتساقطُ من الهاتف

تركتْ خلفها صفيرَ الزمن

صفيرٌ متقطع لقطار هرم

يَصُرُّ ثقيلاً

كلما أوغلَ في الضباب

كلما هتفَ الحارس:

أن نبتعدَ..

أن نهجرَ القضبان.

...

لن تعرفَ أبداً

أذرعنا المتأرجحة

على أكتافنا كالدمى

نظراتُ اللوز وهي تقرأ وقع خطانا

نعبرُ الملاعب

ثقلاء من زمن الحديد

نجرُّ خلفنا عيونهم الفستقية..

عيونٌ نلمحُ فيها مقاعدَ المدرسة

نلمحُ كآبةَ الحقول

نلومُ الصمت

نلومُ اليأس.

...

لن تعرفَ أبداً

صورةُ المغنياتِ تحتَ مخدةِ الأسرار

كلماتُ الحب المسروقةِ من دفاترِ الشقيقات

رنينُ الهاتفِ أواخر الليل

همسُ الأسلاك في غرفٍ مغلقةٍ

بقايا تبغٍ يطيرُ من النافذة..

نوافذنا الملطخة بالشقوق

سمراءَ وهزيلة

تترنحُ على جدارِ الحديقة.

ها نحن نسمع حفيف ثيابِهم خلفها لُهاثَ ضلوعِهم قربها

ها نحنُ نلمحُ ظلالَ رقصاتِهم

بقايا أصواتِهم تَرُفّ على الشرفات.

...

لن تعرفَ أبداً

كم من الريحِ امتحنَتِ الأبوابْ

كم من الخطواتِ تعثرتْ على سلالمِ العمر

كم من الأسمــــاءِ مــحونــاهــا من دفاتِرنا

كم من الكلمات تحشرجت قرب المصباح

أبداً لم نكنْ شهوداً في موسم الرحيل

أبداً لم نكن حجاباً أمام ضريحِ القُبّرات

كنا نُدماء جراحِنا الوردية

سعداءَ بخطانا

ثقيلةٌ

هزيلةٌ

كقطار يئن في الريح.