قصة: أعراض انسحاب

أحمد عبد المنعم رمضان |

عندما بدأتُ فى تناول الدواء منذ أسبوع مضى لم أكن أعلم ما له من آثار جانبية على حالتي المزرية حينها كانت كافية ألا أسأل عن أي شيء، لو وصفوا لي سماً لشربته. اتصلت زوجتي بالطبيب الذى اعتذر عن الحضور إذ إنه لا يتردد على الزيارات المنزلية، أُلغيت تلك الخدمة وحُذفت من القواميس، ربما يذهبون استثناءً إلى بعض البيوت فى الزمالك أو التجمع الخامس، ولكنهم بالتأكيد لن يحضروا إلى بيتنا في أول فيصل. ارتبكت زوجتي وبدت قليلة الحيلة، ولم أكن في حالة تسمح لي بمساعدتها في تدبر الأمر. إلا أنها انتفضت فجأة وكأن وحياً قد همس فى أذنها وقالت بلمعة انتصار فى عينيها تتقاطع مع نظرات الحزن والارتباك، «ابن جارنا اللي في الدور الرابع»، قالتها بلهجة أتصورها قريبة من صيحة أرخميدس (وجدتها). تذكرتُ ذلك الشاب الذي اعتدنا رؤيته حاملاً بالطو أبيض، إما فارداً إياه على كتفه أو ثانيه فوق ذراعه. لا تربطنا بالجيران أية علاقات حقيقية، لا أعرف أسماء بعضهم وأكتفي بتحيتهم بهزة خفيفة من رأسي عند رؤياهم، وأتلعثم أثناء تذكري أسماء الآخرين، إلا أن زوجتي بعد أن أتاها الوحي خرجت مهرولة بعدما ربتت على جبهتي المشتعلة ناراً واتجهت سريعاً إلى الطابق الرابع آتية بالشاب إياه. ربما كنت المريض الأول فى حياته، وبالتالي ستكون روشتته لي هي الأولى أيضاً، ولكني كما أخبرتك سابقاً كنت مستعداً لفعل أي شئ للتخلص من الآلام التى باتت تعتصرني.


اتصلت زوجتي بالصيدلية، وأملت على الصوت الذى أجابها، لعله الصيدلي، اسم الدواء، تهجته حرفاً حرفاً بعدما فشلت في نطقه كاملاً، كان خط الطبيب الشاب لايزال واضحاً محتفظاً بقوامه، لم يصبه ما يصيب الأطباء المتمرسين، سرعان ما أتى صبي لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حاملاً الدواء وفاتورة بالمبلغ المطلوب. منذ بضع سنوات استحدثت كل الصيدليات المجاورة خدمة توصيل الطلبات إلى المنازل وقياس الضغط والسكر في البيوت، مستعينين بأطفال أقل من الأعمار القانونية والإنسانية. تزامن انتشار تلك الخدمة مع توقف خدمة زيارة الأطباء البيوت واختفاء ما يسمى طبيب العائلة.

عندما سألتُ زوجتي لاحقاً إن كان الصيدلي قد نبهها إلى أي آثار جانبية للدواء، قالت إنه لم يعرفه، أخذ يكرر الحروف وراءها، ثم أعادها للتيقن وتلعثم أثناء محاولته نطقها ككلمة واحدة، ثم أخبرها أنه لا يعلم إن كان الدواء متوافراً أم لا، وأستأذنها في الانتظار دقائق حتى عاد ليبلغها أنه وجد منه علبتين.

أتى الدواء مفعوله سريعاً، فمع صبيحة اليوم التالي كنت أفضل حالاً، لم أستعد ثُمن نشاطي المعهود ولكني عدت إلى الحياة بشكل ما، أخبرتني زوجتي أن الطبيب الشاب أو طالب الطب إن شئت الدقة، قد أمر بإنهاء العلبة كاملة حتى وإن شعرت بالتحسن وأمارات الشفاء.

تناولت الأقراص طبقاً لوصف الشاب، وتحسنت بمعدل أكبر مما توقعت لنفسي. في اليوم الثالث وأثناء رقدتي المستمرة، مددت يدي والتقطت علبة الدواء الملقاة على الكوميدينو المجاور، سحبت ورقة النشرة الداخلية وشرعت في قراءتها، لم أفهم أي شيء عن التركيبة الكيميائية أو طريقة العمل وبدت الجمل العربية أكثر غموضاً من نظيرتها الإنجليزية. لم أفهم من ذلك المنشور الطويل إلا أن للدواء المذكور أعراض انسحاب قوية تنتاب المريض عند نهاية الجرعة الموصوفة. طلبت من زوجتي أن تستدعي مجدداً هذا الشاب لتسأله عن تلك الأعراض، ولكنها خجلت، هي بطبعها خجولة قليلة الكلام، ربما لذلك أحببتها أول الأمر، إلا أنها اقترحت عليّ أن تتربص به من خلال النافذة، لعلها تشير له أثناء خروجه أو عودته فى أي يوم قادم فيكرر زيارته، ولكنه لم يظهر قط على مدار الأسبوع، فتوقعنا أن يكون معتكفاً استعداداً لامتحانات منتصف العام.

كنت قد قرأت في تلك النشرة الداخلية المعقدة أن أعراض الانسحاب تتجلى فى شكل هلاوس وخيالات تتفاوت فى حدتها من شخص إلى آخر، وعلى رغم ما انتابني من خوف وارتباك إلا أن شعوراً بالفضول مصحوباً بالتلهف فد فرض نفسه. عندما انتهيت من تناول الجرعة المقررة، وتحديداً بعدما بلعت القرص الأخير وأثناء وضعي للكوب الفارغ على الكومودينو، حكيتُ لزوجتي ما علمته بخصوص أعراض الانسحاب التي لم تكن تعلم عنها شيئاً بعد، وأبلغتها قراري بالبقاء أياماً عدة أخرى حبيس حجرتي حتى أخلص من الأعراض المتوقعة.

قضيت الليلة ذاتها، الليلة الأولى بعد التوقف عن العلاج، في تخيل تلك الهلاوس المنتظرة، تصورت أن يحضر إلى حجرتي الصغيرة كبار الكتاب وأبرزهم، يلتفون حول سريري بينما يضعون أعمالي بين أيديهم ويتبادلونها في ما بينهم حتى يقطع أحدهم ذلك الصمت الممتد، أظنه سيكون طه حسين الذى سيتحدث ببطء وتأن وعربية سليمة متقنة وصوت خفيض واثق، سيبدأ بمقدمة شعرية طويلة ثم ما يلبث أن يعنفني على أخطائي اللغوية وسقطاتي النحوية، لهجته الهادئة تزيد من ثقل اللحظة وتطيلها، فتحمر وجنتىي وتشتعل أذناي وأنظر بعيداً لتقع عيني على تشيكوف الذى بدا متعجباً رافعاً حاجبيه وهو يقرأ بعضاً من قصصي بالعربية ويجري بين سطورها من دون حاجة إلى مترجم أو وسيط، إلى جواره يجلس كامو فى معطفه الأسود الطويل واضعاً ساقاً فوق الأخرى بينما يسجل بعض الملاحظات على هامش القصة، ولكنني سأظن من شدة طولها أنه ربما يعيد كتابة القصة من جديد، وفي المقدمة، أمامي مباشرة، يجلس هيمنجواي الذى سيلقي بالكتب بعيداً ويتفرغ لتأمل أثاث الحجرة ونافذتها من دون أن يتوقف عن مداعبة لحيته، ثم يقطع كلامهم بشكل مباغت ويسأل عن الطعام. وأخيراً سيربت محفوظ على كتفي بحنو من دون أن ينطق قبل أن يختفوا جميعاً كما يليق بملائكة أو أنبياء. في الليلة التالية ستأتيني مجموعة من الضباط بزيهم الرسمي الكريه وألوانه القابضة، سيجلسون بتراتب واضح، قائدهم يجلس في مواجهتي مباشرة، بينما تقل النجوم على أكتافهم تباعاً، جميعهم يضعون الكابات على أفخاذهم، ويجلسون بظهور مفرودة وسيقان متوازية، ويشرعون فى مساءلتي واحداً تلو الآخر أو بشكل متداخل حيث تنهال عليّ الأسئلة من كل اتجاه كمحاكمة حقيقية في فيلم أجنبي، يسألونني عن الرموز في قصتي الأخيرة، وإلى ما أرمز بالحمار، ومن قصدته بالبغل ومن عنيته بالقطيع. لن تتوقف الأسئلة إلا بفقداني وعيي أو سقوطي في غيبوبة، أستيقظ بعدها لأجدهم قد اختفوا وحلّت محلهم كلاب ضخمة تحيط بسريري من كل اتجاه متسلقة على جنباته، مستندة إلى أطرافه ومقتربة مني، على بعد ثوان من جسدي المسجى بينهم، يعوون من دون توقف ويسيل لعابهم على غطائي بينما ينكمش جسدي محافظاً على موقعه المتمركز فى منتصف السرير، وفي الليلة الأخيرة، سأكافأ على صبري وجلدي طوال الليالي الماضية فأقضيها في أحضان مجموعة من نجمات هوليوود، كلهنّ في شبابهنّ، أودري هيبورن إلى جوار مارلين مونرو ومعهما شارون ستون وسكارليت جوهانسون.

مرّت الليالي من دون أن تصيبني أي خيالات غير معقولة أو أفكار فانتازية، لم يحضر هيمنجواي ولم يحاصرني الضباط وكلابهم ولم أحظَ بالهوليووديات، حيث قضيت الليلة تلو الأخرى في مشاهدة البرامج المسائية الطويلة والمذيعين كثيري الكلام أنفسهم والحوارات المتكررة ذاتها كل يوم وليلة، مما أصابني براحة وصداع ممزوجين بملل وخيبة أمل، فكل حماستي لملاقاة سعاد حسني أو صلاح جاهين أو يوسف إدريس ضاعت هباء. هنا قررت أن أتخلى عن رقدتي المريحة، عن فترة النقاهة المفترضة، وأعاود الخروج إلى الشوارع من جديد، أتنسّم هبّات الرياح الشتوية وألقي بجسدي في قلب الحياة. ارتديت الجاكيت (الواتر برووف)، ولففت الكوفية البنية حول عنقي بعناية وإحكام، لبست جواربي الطويلة، دسستُ يديّ فى جيوب بنطالي وملأت أنفي وفمي بأنفاس ساخنة من حجرتي الدافئة، وخرجت.

كانت الأمطار قد أخلفت بركة وسيعة من الماء المتسخ على أول شارعنا، فاضطررت للعبور فوق جسر رفيع صنعه الجيران من قطع متناثرة من الحجارة، علمت أيضاً أن المطر ليس المتهم الوحيد، فالبركة مزيج من المطر ومياه الصرف المتسربة من انفجار ماسورة المياة العمومية. كدت أفقد توازني مرة أو مرتين أثناء عبوري فوق البحيرة حديثة التكوين ساقطاً في مياهها القذرة، وأنت تعلم جسدي الضخم الممتلئ، الذي صَعّب من عملية التوازن المرجوة إلا أنني مررت بسلام بعد اضطراب ملحوظ كاد يعصف بي، حتى أنني لمحت صاحب الدكان المجاور يتتبعني بنظرات متخوّفة ختمها بابتسامة خفيفة، أهداها إليّ فور عبوري. على بُعد خطوات كانت عربة المهملات الضخمة تقف محاذية الرصيف، بينما يُلقي عاملان بأكياس القمامة في مؤخرتها الواسعة، كلما خرجت وجدت تلك السيارة في أحد المواضع من الشارع، سواء كنا فى الصباح المبكر أو في آخر الليل، في ازدحام الذروة أو في الإجازات الرسمية، وعلى رغم وجودها المستمر، إلا أن الشارع لم يخلُ من القمامة قط! وقف بجوار تلك العربة مباشرة ميكروباص منادياً باسم محطته فى صوت مزعج غير منغّم، قد لا تفسر نداءه من شدة قبح صوته، كان وجود السيارتين الضخمتين كفيلاً بسد الطريق خلفيهما حيث أطلقت السيارات المتكدسة الكلاكسات والسارينات بشكل متزامن مستمر إلى أن شعرت أن شيئاً من الصمم قد يصيبني، فوضعت يديّ على أذنيّ ساداً كل منافذهما، وتعجبت أن أحداً لم ينزعج سواي، الكل يصرخ أو يضغط على الكلاكس، أو يقوم بالأمرين معاً. ظللت أنظر إلى الشارع الصاخب الذى يضج بزحام وإزعاج متلاحمين بآذان مسدودة، لا أسمع تلك الأصوات العالية الصادحة بكل مكان إلا أنني مازلت ألمسها، تطالني بسياطها، وتصلني كل تفصيلة منها. شعرت أن بعض الدوار قد تملكني، وأن رأسي يدور بين السيارات ودخانها والمارة وأنوار النيون ومشاهد الأفواه الزاعقة والعيون الصارخة، بدا وكأن أنوار السيارات كلها تتجمع وتحتشد لتتركز في بؤبؤ عيني، بينما تخترق الأصوات التي لا أسمعها عقلي من دون هوادة.

لم أفق إلا وأنا على السرير مجدداً، متدثراً بعدد من البطانيات ذات الفراء، ويقف إلى جواري الشاب القاطن بالدور الرابع، طالب الطب الذي ذكرته لك، يقف مع زوجتي، لم ينتبه أيّ منهما إلى حركة جفني الخفيفة وتزحزحه قليلاً من موقعه الثابت، وكان آخر ما سمعته من ذلك الشاب النحيف «معلش، متخافيش، ديه كلها أعراض انسحاب، وبكره هيبقى كويس».