السبعيني وديع سعادة ... شاعر يواصل الاحتفاءَ بالهامش

(الحياة)
رضا عطية |

في شعر اللبناني وديع سعادة (1948) تكريس لاختلاف الذات في وجودها اللامنتمي ومقاومتها وضعيتها المهمّشة لتجعل الهامش نفسه مركزاً للعالم. ويُبرز الخطاب الشعري لسعادة صراعاً بين الذات والجماعة من ناحية، وبين جماعة الهامش وجماعة المركز الغالبة من ناحية أخرى... «المنحرفون أبدعوا قِيَمنا، أودعونا حضارةً سريّة جميلة، في مقابل حضارة يُستحال إحصاء جثثها. المنحرفون، الذين ماتوا في المصحات أو في السجون، هم آباؤنا الحقيقيون. الأسوياء جرفهم النهر. غير الأسوياء ظلّوا على الشاطئ. هناك بالضبط، على الرمل والحصى، مقاعدنا، لا في النهر. إذا خرج من الماء مقعد، سرعان ما يسيل. مقاعدنا على الشاطئ، نجلس عليها.... أما الماء، فنمدُّ له أقدامنا». تبدو الذات الشاعرة باستعمالها ضمير المتكلم الجماعي كأنها صوت لجماعة الهامش، تأكيداً لموقفها اللامنتمي لحضارة لها آثار دموية، مهلكة.


فيبدو الوعي الجمعي لجماعة الهامش التي ينوب صوت الذات الشاعرة عنها بالنطق باسمها مجالاً لصدام حضاري وصراع بين حضارتين: حضارة أودعها «المنحرفون»، الخارجون على هيمنة المركز، اللامنتمون، الذين لاقوا أشكالاً متعددة من الإقصاء والعزل، في مقابل حضارة تريد تنميط الإنسان وتقولب الذات الإنسانية. ولكن ألا تلاحظون معي أنَّ الصياغة الصورية، عند وديع سعادة، تستعمل ثنائية المائي واليابس تمثيلاً لفضاءات الصراع الوجودي الحضاري؟ هل يأتي إيثار الذات للشاطئ (اليابسة) على النهر (الماء) انطلاقاً من خيال باشلاري يرى أنَّ «الخيال المادي للماء في خطر دائم؛ إذ يتعرَّض للامّحاء عندما يتدخل الخيال المادي للتراب والنار؟ لماذا لا تثق الذات بالنهر ولا تود ارتياده؟ هل وكأنّ الذات تشايع باشلار في أنّ «المياه لا تبني أكاذيب حقيقية». إذ يجب أن تكون النفس شديدة الاضطراب حتى تنخدع حقاً بشبح النهر. فأشباح المياه اللطيفة هذه عادة ترتبط بأوهام مزيفة لخيال لاهٍ، فهل يكون تمسك الذات بالشاطئ هو انتصار للعنصر الترابي على العنصر المائي؟ وكأنَّ الذات تتفق مع باشلار في أنَّ «قراراً خاصاً، وإرادة مباغتة يُعيداننا إلى ضروب إرادة التراب، إلى المهمة الإيجابية في الحفر والبناء، على نحو آليٍّ تقريباً، ومن خلال الحتمية الخشنة للمادة، «تستعيد الحياةُ الأرضية الحالمَ الذي لا يأخذ من انعكاسات الماء إلا ذريعة عُطلهِ وحلمه». فكأن الشاطئ بمثابة هامش والنهر/ الماء بمثابة مركز، غير أنّ الذات تمركز الهامش بالنسبة للذوات المتمردة من اللامنتمين.

يؤكِّد وديع سعادة في شعره مركزية الهامش وأساسيته بالنسبة إلى العالم الذي يعد الهامش رئة له: «صُنّفوا هامشيين، حطباً لفظَه السيلُ إلى الضفاف، ورقاً، خِرقاً، مزقاً ساقطة من الثوب». صُنّفوا للنبذ، للرمي، للخلع من قماش المدعوين، للمنع من الوليمة». صُنّفوا للحرق. لكن، ها هو العالم يختنق. إذ كيف يتنفّس العالم بلا هامشه؟ المنبوذون هم رئة الحياة. قلب الحياة، هو الهامش. هل نخرج من قلب العالم؟ نخرج، ما دام مليئاً بالدماء».

تواصل الصياغة التصويرية في خطاب سعادة تصوير الصراع بين جماعة الهامش وجماعة المركز التي تبدو الأكبر والأكثر قوة، فتُمثِّل لجماعة الهامش بالحطب ولجماعة المركز بفعلها الإقصائي بالسيل، كذلك تُشبِّه جماعة الهامش بالورق، الخرق، المزق الساقط من الثوب الذي يُمثِّل لجماعة المركز، في تمثيل لعملية سعي المركز إلى إلغاء المختلف عنه والمتمرد عليه بإقصائه وتهميشه. كذلك فإنّ تصوير سكنى جماعة الهامشيين «في اليد الملوّحة للبعيد، في الشَعر المتطاير، في العين اللانهائية الامتداد»؛ يؤكّد انفتاحها الوسيع ولا نهائية الأفق الذي تستشرفه.

لكنّ الذات المهمّشة، هنا، تجابه عملية إقصاء جماعتها من الهامشيين بالتأكيد على حاجة العالم لهؤلاء «المنحرفين» والخارجين على آليته السائدة وقولبته المتحكمة والمتمردين على جماعته المركزية المهيمنة، فتجعل الذات من الهامش «مركزاً» يحتاجه العالم. وكما هو متبدٍّ من تمثيل الصياغة التصويرية لعلاقة الذات أو جماعة الهامش بالمركز بتعديد العناصر الممثلة لطرفي معادلة الخطاب المقولاتي (الهامش/ المركز) والتصويري (المشبه/ المشبه به) فإنّ ثمة نوعاً من «التراكب» الصوري المتدفق تمثيلاً لتداعيات الوعي المأزوم والمنفعل بأزمة الذات الوجودية وجماعتها من الهامشيين. ثمة وعي اختلافي للذات بانتمائها لجماعة اللامنتمين، وباختلافهم عن «الآخر» من جماعة «المركز»: «في قلب الحياة عِرق للحق والخير والجمال، عرق منشقّ معزول، اسمه الاختلال. يمشي المختلّون في العِرق خفيفين، صامتين، لئلا يتفتّق العِرق ويفسد. لئلا ينفتح على العروق الأخرى، الدموية. لكي تبقى الدرب الضيّقة جميلة وسريّة. أرواحنا الصامتة الحزينة هي الجميلون في السر. الماشون في عرق الاختلال. أرواحنا الجميلة، هي المختلّون».

شيئاً فشيئاً تفصح الذات الشاعرة عن وضعية هؤلاء اللامنتمين الهامشيين في جسد الحياة، كأنَّهم يشكِّلون ليس قلب الحياة وإنّما عرقاً خاصاً للحق والخير والجمال في هذا القلب، إنهم يمثلون ثالوث القيم الإنسانية العليا، كأنّ حرصاً ما يلازم هؤلاء اللامنتمين بعدم التلوُّث بالاختلاط بالآخرين من جماعة المركز (العروق الأخرى)، لقد اختار هؤلاء اللامنتمون الدرب الضيقة السريّة، بما يليق بعزلتهم وانشقاقهم. ولكن لِم يسمي الشاعر العرق الذي يجمع الهامشيين بـ «الاختلال»؟ هل لرؤيته بضرورة كسر الاتزان الآلي لحياة بات يرى لا جدواها؟ هل لقناعته بوجوبية الهدم قبل إنشاء بناء جديد؟ إنّ ثمة وعياً ثورياً يداخل الوعي الشعري بالحاجة إلى تغيير العالم: بات علينا تخريب هذه الطريق وشقّ طريق جديدة. نسفُ الكتلة الهائلة التي تكدَّست مع الزمن والعادة واستقرت في عقولنا مفهوماً واحداً ونهجاً واحداً للحياة. صار واجبًا ابتداع عصر مغاير. أليس على العصور أن تتغير، على الأقل كما تتغير جلود الحيَّات؟».

لقد وعى اللامنتمون ضرورة إعادة تشكيل العالم، بعمل قطيعة مع متوراثات الزمن، وبوجوب الانقلاب على الفكر الأحادي الرؤية، وبضرورة الثورة على التصور الشمولي في طريقة الحياة. ثمة قناعة ما بلزوم تغيير التاريخ لضرورة استمرار الحياة وتجددها، وكأنّ وعياً ما بالاحتياج إلى إعادة الهوية الفردية التي مسختها النظم الجماعية التي حولت الفرد ترساً في آلة ما عمّق اغترابه، فيما يتفق مع الوعي ما بعد الحداثي الذي يؤكِّد الهوية الفردية، وكأنّ إيماناً ما يساكن الذات الشاعرة بأنّ إعادة بناء التاريخ وإعادة بناء العالم من جديد إنّما يتأسس على استعادة الفرد فردانيته وخصوصيته. في التشكيل الصوري، لدى وديع سعادة، تكثر الثنائيات الضدية، كالنهر والشاطئ، (المائي/ اليابسة)، والتقابلية (النبع/ المصب) تأكيداً لدرامية ما تنشأ عن الجدل المعتمل بين هذه الثنائيات... «ولكن ما النفايات ولمن تكون الجثث التي امتلأ بها النبع والمصب؟ هل تكون النفايات لأفكار قديمة راسخة لم تعد تناسب العالم؟ هل تكون الجثث لأشخاص ضد الحياة وضد تقدُّم الإنسانية؟». في خطاب وديع سعادة تحضر التساؤلات الوجودية التي تبلور الأزمة الإنسانية الكبرى، كما يبدو المكان في شعره متمدداً بتمدد الذات الإنسانية. كذلك ينفلت الزمن أو بالأحرى تمثُّل الذات للزمن بتأمل التاريخ الكامل للإنسانية ما يجعل من شعر وديع سعادة شعراً كونياً بامتياز.