التلاعب بـ «سنّة» العراق

مشرق عباس |

من الضروري التذكير أولاً بأن الحديث عن قوى وأحزاب «سنية» في العراق، فرضته الأحزاب التي طرحت نفسها باعتبارها «سنية» وحملت شعار الدفاع عن السنة، ليكون معادلاً موضوعياً لشعار «الدفاع عن الشيعة» الذي حملته قوى شيعية وما زالت.


وبالتأكيد يجب الإشارة في المقابل إلى قوى وشخصيات «سنية» دخلت الانتخابات عبر قوائم مختلطة، وهي تشكل اليوم رقماً أساسياً في كتل سياسية مثل «النصر» و «الوطنية».

لكن مسألة المناطق السنية التي لم تخرج بعد من تداعيات حرب «داعش» ولم تفق من صدمة الخراب التي آلت إليها هذه الحرب، ولم تحص ضحاياها ومهجريها ومنكوبيها بعد، ولم تودع خيم النزوح، مختلفة تماماً عن قضية الصراع السياسي الذي تخوضه «الأحزاب السنية» لتقسيم مناصب بغداد والحصول على وجاهة هنا ووزارة هناك.

ولا إضافة جديدة إذا قلنا، إن تمكن أي شخصية «سنية» من نيل منصب ما، لن يقدم ولن يؤخر شيئاً في حياة الناس، ولن يحرك ملف المناطق السنية، واحتياجاتها وأولوياتها، ولن يقود إلى حمايتها من كوارث جديدة، وقد كانت تورطت بالكوارث التي مضت.

كانت المسألة الجوهرية مابعد الحرب على تنظيم «داعش» تتعلق بإعادة صوغ منظومة الحكم العراقية التي قاد فشلها، وفسادها، وتقمصها الأدوار الطائفية، إلى منح «داعش» حدود المناطق السنية، وكان خطاب القوى السنية حتى إلى لحظة الانتخابات الأخيرة، يتحدث عن هذا المعنى، الذي تحول إلى مطلب أساسي للقوى الشعبية العراقية في كل مدن العراق، وفهم الجميع أن محنة «داعش» كانت محنة العراق وليس السنة وحدهم، وأن تحصين البلاد من «داعش» آخر يتطلب حلولاً مؤلمة، تعيد الاعتبار لـ «المواطنة» وتقضي على التمييز الحزبي أو المذهبي أو القومي، وتعامل العراقيين كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

وفيما غيرت قوى سياسية «شيعية» من منطلقاتها السابقة، وبدأت الحديث عن إحياء مفهوم الدولة، وتشكيل حكومة قوية فعالة وعادلة لاتتبنى التخندق المذهبي، توجهت «القوى السنية» على الفور للحديث عن المناصب وتقسيمها كترجمة وحيدة لـ «حقوق السنة»!

مع تشكيل عدد من تلك القوى تحالف «المحور» وضع جانباً ملف المناطق السنية وإعمارها والقوانين التي يجب إعادة صوغها، والعدالة الانتقالية الواجب تطبيقها، والمصالحة التي يجب أن تبنى على أسس الثوابت الوطنية، للحديث عمّن سيتولى منصب رئيس البرلمان؟، وكيف سيتم ضمان منصب نائب رئيس الجمهورية؟، ولمن ستؤول حصة وزارة الدفاع، والوزارات والمناصب الأخرى؟، إلى درجة أن الخلافات داخل هذا المحور باتت حول هيئات ومديريات يجري تقسيمها، وصارت المفاضلة للانضمام إلى الكتلة الأكبر مع هذا الطرف الشيعي أو ذاك، تتعلق بمن يمنح المناصب الأكثر، حتى إن بعضهم يقول إن «توجهات أي طرف شيعي ورؤيته لبناء الدولة وحماية المستقبل ليست معياراً للمفاضلة بقدر ماسنحصل عليه من مزاد الحكومة».

وبالطبع إن هذا المنحى ليس جديداً، وليس سنياً، بل إنه يمثل جوهر العملية السياسية التي يتم التمسك بها على رغم مخرجاتها المأساوية، التي يعترض عليها السنة قبل غيرهم.

يعتقد «زعماء»، احتلوا الشاشات سنوات ببكائيات حول الظلم الاجتماعي للسنة، وغياب العدالة في الحكومات السابقة، بأن القضية يمكن أن تختصر بجلسات مصالحة بين الخنجر والعامري وبين النجيفي والكربولي وسليماني، وأن بإمكانهم تعريض أهلهم مرة أخرى إلى مواجهات دفاعاً عن هذه الدولة أو تلك! مازالت حسابات غالبية السياسيين العراقيين بسنتهم وشيعتهم وكردهم، لاتضع اعتباراً للشارع العراقي كانعكاس صريح لحسابات دول الجوار التي لاتكف عن معاملة أرض الرافدين العصية كملعب لطموحات وأحلام إمبراطورية على رغم إدراكها خطورة هذا النهج على المنطقة وعلى العالم. لكن حراك الشارع يصبح أكثر وعياً ويتطور ليتخذ أشكال مواجهة أكثر خطورة على الشركات الحزبية التي تستهين به وتقلل من شأنه، وإن كان هذا الحراك قد تمحور في المناطق الشيعية آخيراً، فإن أصوله ومتبنياته تمتد إلى كل مدن العراق بكل أديانه وقومياته ومذاهبه، ومن يهدر فرصة الإصلاح اليوم ويستهين بقدرات شعبه، سيجد نفسه عاجلاً لا آجلاً أمام استحقاقات هذا الإهدار.