«آرثر ميلر» بقلم هارولد بنتر: توأمان مسرحيّان

ابراهيم العريس |

ما تشابه كاتبان من كبار النصف الثاني من القرن العشرين، بقدر ما فعل الأميركي آرثر ميلر والإنكليزي هارولد بنتر. تشابها في شخصيتيهما كما في أسلوبيهما. وتشابها في نظرتهما إلى المجتمع وإلى الوجود. وتشابها حتى في الطريقة التي رسم بها كل منهما شخصيات مسرحياته. بل يمكن أن نقول حتى أنهما، وهما اليهوديان الليبراليان - وكل على طريقته - تشابها في مواقفهما السياسية، لا سيما من اليمين الصهيوني الذي عرف كل منهما كيف يكون قاسياً في التعاطي معه. ومع هذا، قلما دنا باحث أو ناقد من ذلك التشابه. بل قلما تناول واحد من الباحثين واقع أن بنتر جعل من المسرح كصورة للمجتمع، وتماماً كما فعل ميلر واحداً من موضوعاته الأساسية.


> ولمناسبة هذا الحديث، يحضرنا هنا أنه حين رحل آرثر ميلر عن عالمنا وهو في التاسعة والثمانين، كان هارولد بنتر في ذلك الحين يشعر بثقل السنين عليه هو الآخر، من هنا كانت فاجعته بصديقه وزميله مزدوجة. ويلوح هذا، من خلال النص الذي كتبه تحية للكاتب الراحل تحت عنوان «صديقي آرثر ميلر» وجاء فيه: «لقد كان ميلر كاتباً مسرحياً كبيراً، كما كان إنساناً كبيراً – هو الذي كان صديقاً كبيراً لي. من هنا، كانت صدمتي كبيرة، إذ سمعت بنبأ رحيله، حتى وإن كان متقدماً كثيراً في العمر. إن أعماله، ومن بينها «موت بائع متجول» و «منظر من على الجسر» و «كلهم أبنائي» و «البوتقة»، من أعظم الأعمال التي أبدعت في القرن العشرين. لكنه كان في الوقت ذاته، إنساناً كبيراً محترماً... كان رجلاً مستقلاً (...). إن في ذاكرتي، كما كان في ذاكرته، رحلة مشتركة قمنا بها إلى تركيا قبل عشرين سنة، التقينا خلالها عدداً من الكتاب الأتراك الذين كانوا معتقلين هناك ونال بعضهم تعذيباً. وهناك، في تركيا، زاد إعجابي به كثيراً، بفضل وضوح أفكاره واستقلاله في الرأي وجرأته في طرح القضايا. لهذا كله، أشعر بأنني ضُربت على رأسي بقوة حين وصلني نعيه. وتذكرت كم كان نزيهاً وشريفاً في كتاباته... وحسب المرء أن يقرأ هذه الكتابات للتيقن من هذا، ومن استقلاليته التامة. في الولايات المتحدة، أضاف بنتر، لم يكن آرثر ميلر محبوباً كثيراً، لأنه كان يقول بصدق كل ما يفكر فيه. ويعبر بصدق عن انتقاده الحاد لنمط العيش الأميركي (...). لكنه لم يكن يعبأ بالمواقف التي كانت تتخذ ضده. ولم يندم في حياته على نزاهته، كإنسان وككاتب. خلال الأشهر الأخيرة، لم يحصل أي اتصال بيننا. لكني سمعت أنه تزوج من جديد وأنه سعيد في هذا وسرني هذا الخبر. قبل ذلك كنا على اتصال دائم ببعضنا بعضاً، لا سيما حين ألقى محاضرة عن مسرحياتي في نيويورك بضع سنوات خلت... وهو أمر شرفني كثيراً، وحادثته للمناسبة...».

> وإذا كان آرثر ميلر قد توفي قبل هارولد بنتر ما مكّن هذا الأخير من أن يرسل إلى ذكراه تلك التحية التي كان من شأنها أن تسرّ صاحب «كلهم أبنائي» سروراً كبيراً، فإنه كان من حظ بنتر أن عاش بضع سنين تلت موت صديقه ما «حرمه» من أن يحظى في المقابل بتحية تأتي كردّ أنيق على تحيته الخاصة. ومهما يكن من أمر، فإن بعض الذين لم يحبوا لا هذا الكاتب ولا ذاك لم يفتهم يوم رحيل بنتر أن يتساءلوا بقدر من الخبث: «لماذا لم يتمكن بنتر من أن يكون كاتباً كبيراً؟». و «هل كان بنتر حقاً أديب مسرح حقيقياً؟». «ألم تخطئ جائزة نوبل طريقها يوم أعطيت لهارولد بنتر؟». هذه العبارات كانت مجموعة من ردود فعل أبداها عدد من النقاد والكتاب الإنكليز يوم وصلهم خبر موت هارولد بنتر، خلال الأيام الأخيرة من عام 2008. لم يكن جثمان الرجل قد دفن بعد، حين جوبه بهذه الحملة التي أقل ما يقال فيها أنها أتت منظمة بأقلام أعضاء أوركسترا، سرعان ما لاحظ كثر أنهم من غلاة اليمينيين في الصحافة الإنكليزية، ومن اليهود الصهاينة. قد يفهم موقف كتاب اليمين من كاتب هجس دائماً بالوقوف إلى جانب القضايا العادلة، في مسرحه وكتاباته الأخرى. لكن موقف الصحافيين اليهود سيظل عصياً على الفهم قبل أن يكتشف المرء أن بنتر، اليهودي الأصل بدوره، لم يوفر إسرائيل في مواقفه. كان من أشرس منتقدي ممارساتها القمعية في حق الشعب الفلسطيني. ولعل الأقسى، في هذا كله، هو أن بنتر كان يعتبر سلوك إسرائيل مناقضاً، في الأساس، لكل «أخلاقية يهودية» زعمها هذا الشعب لنفسه طوال ألوف السنين.

> لكن هؤلاء المهاجمين، لم يكونوا، طبعاً، كل الذين كتبوا عن هارولد بنتر الذي رحل في شكل مفاجئ ليلة عيد الميلاد، مع أنه كان مريضاً ويصارع منذ سنوات طويلة ضد المرض. وحين رحل هارولد بنتر كان يقترب حثيثاً من الثمانين من عمره. وهو حين نال جائزة نوبل للآداب عام 2005، كان، مع هذا، في عز عطائه، وكان قد بات راسخاً أنه صاحب مكانة تضعه «في مقدمة الكتاب الأكثر تأثيراً بين أبناء جيله». ولئن كان هارولد بنتر قد عُرف ككاتب مسرحي في المقام الأول، فإنه كان إلى ذلك معروفاً بنشاطاته السياسية التي وضعته دائماً في صف المجابهة خلال كل الصراعات والقضايا التي عرفها العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، من قضايا صراعات الأجيال، إلى مجابهة الحروب الأميركية في فيتنام وغيرها، مروراً بالدفاع عن حق الشعوب التي كانت بلدانها مستعمرة من أمم أوروبية، في أن تنال اليوم حقوقها من هذه الأمم، وقضايا العمال المهاجرين بالتالي. وفي هذا السياق لم يكن غريباً على الإطلاق أن يقف بنتر، ومنذ عقود طويلة، إلى جانب القضية الفلسطينية. بيد أن اللافت هنا هو أن هارولد بنتر، فصل فنياً، إلى حد كبير، بين فكره ونضاله السياسيين، وبين إبداعه، كاتباً ولكن ممثلاً أيضاً وفق ما سنرى. وهو، في هذا، كما في شؤون أخرى كذلك يكاد يكون «توأم» زميله الأميركي آرثر ميلر الذي كان دائماً على صداقة وثيقة معه، حيث نلاحظ من تتبع عمل الكاتبين الكبيرين أن أياً منهما لم يزحم عمله الإبداعي بآنية مواقفه السياسية مباشرتها... تاركين للإبداع قضايا الإنسانية وقلق البشر، في شكل عام.

> وكما أشرنا أعلاه، كان هارولد بنتر ممثلاً أيضاً. بل هو بدأ حياته ممثلاً، قبل أن يبدأ خلال النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين، تجربة حظه في الكتابة. أيامذاك كان مسرح اللامعقول (وا سيما أعمال صامويل بيكيت) يشغل الواجهة... من هنا، كان من الطبيعي لبنتر، حين بدأ الكتابة، أن يسلك، وإن بتنويعات لافتة، الدرب التي كان بيكيت خطها، ولكن مع التزام اجتماعي أكثر، وفكاهة أقل ما سيقرّبه لاحقاً من ميلر. هكذا، ولدت مسرحيات تعتبر اليوم من كلاسيكيات القرن العشرين، مثل «حفل عيد الميلاد» (1957) و «العودة إلى الديار» (1964) و «خيانة»، وفي غالبية الأحيان كان بنتر يتولى إخراج مسرحياته بنفسه، بل التمثيل فيها أحياناً، هو الذي كان واحداً من آخر نشاطاته الفنية، عام 2006، القيام بالدور الأول لتقديم تذكاري لمسرحية صامويل بيكيت «آخر شرائط كراب»، في «رويال كورت تياتر». خلال ذلك التقديم، كان من الواضح أن هارولد بنتر يعيش أيامه الأخيرة، وأن سنوات المجد والنشاط قد صارت وراءه... من هنا، بدا على خشبة المسرح، أشبه بشخصية من شخصيات بيكيت نفسه. بدا وهو يستعيد ذكريات كراب كأنه يستعيد ذكرياته الخاصة. غير أن بنتر ما كان عليه في تلك اللحظات أن يشعر بأي خواء أو يأس من النوع الذي تشعر به عادة شخصيات صامويل بيكيت، المتروكة لحالها تواجه الفراغ ومرور الزمن والصمت. فحياة بنتر كانت دائماً مليئة صاخبة، حيث إن ابن المهاجرين اليهود البرتغاليين هذا، عرف، وحده وفي شكل تغلب عليه العصامية، كيف يجعل لنفسه تاريخاً تملأه مسرحيات عدة، وسيناريوات أفلام (من أبرزها «المخبر» و «الخادم» وغيرهما) وزيجتين وسبعة أولاد، وجوائز لا تنتهي من «نوبل»، أهمها، إلى «جائزة لورانس أوليفيه» (1996) و «وسام الشرف الفرنسي» (2007) وغيرهما... مع مثل هذه الحياة، ومع مثل هذه الشخصية، هل كانوا جادين حقاً، أولئك «النقاد» الذين ملأوا الصحف اليمينية والصهيونية البريطانية، خلال الأيام الأخيرة لعام 2008 والأيام الأولى لعام 2009، نغمات نشازاً تحط من قدر كاتب، كانت جريمته أنه انتقد إسرائيل وفضحها... على رغم كونه يهودي الأصل؟