بوتين في مواجهة «عقدة» الوجود الإيراني في سورية

نزار عبدالقادر |

بعد المعركة في جنوب غربي سورية اعتبر الرئيس بشار الأسد نفسه منتصراً في الحرب، وبأن الخطوة الأخيرة التي تقف بينه وبين إعلان هذا الإنتصار باتت تتمثل في تصفية الفصائل المسلحة في محافظة إدلب، ليستكمل بذلك السيطرة على الحدود مع الأردن وعلى طول خط الفصل في الجولان، بالإضافة إلى جزء مهم من الحدود مع تركيا. ستؤمن هذه المرحلة «الأخيرة» من انتصارات النظام السيادة على الحدود، وتفسح أمامه في المجال لإعادة فتح معبر «نصيب»، والعودة إلى خط الجولان لتنفيذ تعهداته حماية أمن إسرائيل ووجودها المستقر والأمن على الهضبة، بالإضافة إلى وصل محافظة اللاذقية مع محافظة حلب.


لكن، يبدو أن بشار الأسد قد أغفل أو تناسى الخطوط الحمراء الجديدة التي رسمتها إسرائيل أمام اللاعبين في الأزمة السورية وأبرزها تعهد النظام تنفيذ إتفاقية الفصل للعام 1974. ويؤشر حادث إسقاط «السوخوي» السورية إلى أن مشاركة موسكو في معركة الجنوب الغربي السوري، ولعبها دور اللاعب الأساسي في المواجهة العسكرية، أو في تحقيق الإتفاقيات العسكرية والأمنية في هذه المنطقة، لا تشكل الضمانة المانعة لحدوث تطورات عسكرية دراماتيكية بين إسرائيل وقوات النظام.

اللافت في الأمر أن إسقاط الطائرة جاء بعد حصول توافق روسي– أميركي– إسرائيلي على العملية العسكرية وعودة قوات النظام إلى خط الفصل في الجولان، وبعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف برفقة رئيس الأركان فاليري غيراسيموف إلى تل أبيب حاملين عرضاً إلى القيادة الإسرائيلية بإبعاد القوات الإيرانية عن خط الفصل مسافة 85 كلم. لكن إسرائيل رفضت العرض الروسي، بعد إصرار بنيامين نتانياهو على خروج القوات الإيرانية مع حلفائها من جميع الأراضي السورية.

كان من المفترض أن يتوصل الرئيسان ترامب وبوتين خلال قمة هلسنكي إلى توافق على رؤية مشتركة لمستقبل الوضع في سورية، بما في ذلك دور إيران، مع الأخذ في الاعتبار المطالب الأمنية الإسرائيلية. لكن، لم يصدر عن هلسنكي أي إعلان واضح حول مستقبل سورية ودور إيران فيها، لذلك جرى الاكتفاء بالتوافقات الميدانية حول منطقة الجنوب الغربي واحياء اتفاقية الفصل للعام 1974 مع تأجيل حسم الوضع في محافظة إدلب ومراعاة الموقف التركي.

يدرك الروس جيداً أن الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين عقدوا النية على إضعاف النفوذ الإيراني، وهذا الأمر يتطلب الإصرار على إخراجها من سورية التي تشكل نقطة المركز للنفوذ الإيراني على مستوى المنطقة.

تتخوف القيادات الإسرائيلية في ظل توقعاتها بقاء الأسد في السلطة في المستقبل المنظور من أن يتحول الوجود الإيراني في سورية إلى حضور دائم يهدد أمنها الاستراتيجي على غرار ما هو عليه الوضع مع «حزب الله» على جبهة الجنوب للبناني.

لكن، على رغم كل التعقيدات الراهنة والمستقبلية للوضع السوري ومع كل ما يجري على الأرض من تطورات دراماتيكية في بادية السويداء وبعض البؤر الأخرى، فإن نتانياهو لن يتخلى عن التفاهمات التي توصل إليها مع الروس لأن روسيا من وجهة نظره تبقى اللاعب الأبرز، والقادر على التأثير بصورة مباشرة في مسار الأحداث، وفي سلوكيات مختلف اللاعبين بمن فيهم إيران والنظام السوري. ويدرك نتانياهو أهمية التنسيق العسكري مع روسيا في المسرح السوري وفتح كل الأجواء السورية أمام سلاح الجو الإسرائيلي لضرب الحرس الثوري والميليشيات المتحالفة معه، بالإضافة إلى إجبار نظام الأسد على احترام وترسيخ «الخطوط الحمر» مقابل استمراريته في السلطة.

تعلم إسرائيل علم اليقين أنه لن يكون في استطاعة روسيا إخراج إيران من سورية، وأن نظام بشار الأسد سيبقى عاجزاً عن الطلب إلى الإيرانيين و «حزب الله» إنهاء وجودهم، وأن الخيار الوحيد المتاح أمامها يتركز في شن حرب استنزاف ضد القواعد الإيرانية وقواعد «حزب الله» مستفيدة من المعلومات الدقيقة التي يمكن أن تقدمها روسيا، مع إدراكها بأن إيران وحزب الله لا يملكان القدرة العسكرية في سورية لمواجهة الحرب الإسرائيلية ضدهما، خصوصاً في ظل توافق روسي– إسرائيلي على إبقاء جيش الأسد ضعيفاً ومكشوفاً امام قدرات سلاح الجو الإسرائيلي.

تدعو الحكمة قيادة «حزب الله» إلى التبصر في الأمر في القريب العاجل، من أجل اتخاذ القرار بسحب قوات الحزب إلى لبنان، والاحتماء خلف قوة الردع التي يملكها في مواجهة إسرائيل عبر جبهة الجنوب، بالإضافة إلى مظلة الشرعية اللبنانية التي حصل عليها بعد الفوز الذي حققه في الانتخابات العامة الأخيرة والتي جعلته يمتلك مع حلفائه الأكثرية النيابية في المجلس الجديد.

في ظل حرص روسيا على الحفاظ على المكاسب التي حققتها من خلال تدخلها في الحرب السورية، والديبلوماسية الناشطة التي قادتها من أجل الحفاظ على حليفها بشار الأسد في السلطة، لا بد من التساؤل عن الاستراتيجية الراهنة التي يمكن أن تعتمدها للحفاظ على نتائج الانتصار في جنوب غربي سورية؟

نجحت سياسة بوتين في إقناع ترامب بالتعاون مع خطته للسيطرة على هذه المنطقة المتاخمة للأردن وإسرائيل، وسبق ذلك قمة هلسنكي، ولكن، لم ترشح قبل القمة أو بعدها أي تفاصيل عن ماهية التعاون بينهما لحماية ما تحقق على أرض الميدان من انتصارات، والتي تبدو الآن مهددة بالسقوط جراء تمسك إسرائيل بخطوطها «الحمراء»وانسحاب إيران من كامل سورية.

في ظل هذه الهواجس الروسية ترتفع حرارة التهديدات المتبادلة بين إدارة ترامب والقيادات الإيرانية. لقد هدد ترامب إيران عبر تغريدة له بأنه يمكن أن تشهد إيران «نتائج لم يسبق أن واجهتها سوى قلة عبر التاريخ» وجاءت تغريدته في سياق الرد على قول الرئيس حسن روحاني إن على «أميركا أن تدرك أن السلام مع إيران هو أم السلام وأن الحرب مع إيران هي أم الحروب»، في ذلك الوقت شن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو هجوماً على إيران رأى فيه العديد من المراقبين بأنه بداية قرار أميركي للسعي إلى إسقاط النظام في طهران.

صحيح أن سياسة الولايات المتحدة بدأت تأخذ طابع المواجهة الديبلوماسية الحادة، من خلال فرض نظام جديد للعقوبات، ولكن من دون أن تتبين الغاية من ذلك. وهل هي بالفعل لإجبار إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات لإقرار اتفاق نووي جديد أم هي محاولة جادة لزعزعة النظام بهدف إسقاطه؟ تعتقد القيادات الإيرانية أن الغاء الاتفاقية النووية كان بهدف نقل الأزمة مع أميركا إلى الداخل الإيراني.

في سورية تعتمد إدارة ترامب سياسة غامضة يلفها الشك بالنسبة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء. هل تحتفظ اميركا بقواتها في سورية لاستكمال الحرب ضد «داعش» أم لمهمة قطع «جسر التواصل الإستراتيجي» الذي تسعى إيران لاقامته وصولاً إلى سورية ولبنان؟ لكن، من المؤكد أنه على رغم غموض الاستراتيجية الأميركية لمواجهة إيران وما يعتريها من تناقضات، فلا يمكن التشكيك إطلاقاً في صدقية الرئيس ترامب في مساندة الموقف الإسرائيلي الداعي لإخراج إيران من سورية.

في الإستنتاج العام، ما زال من المبكر إجراء تقييم واضح لمسار الحل السياسي في سورية الذي تعمل الديبلوماسية الروسية على بلورته بالتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يترافق الغموض في الموقف الأميركي مع الإلحاح الإسرائيلي لإخراج إيران وميليشياتها كلياً من سورية.

يبدو أن قمة هلسنكي لم تأتِ بالترياق الذي سعى إليه الروس للسير قدماً في رؤيتهم للحل السياسي في سورية، لذلك لم يعد ممكناً في الوقت الراهن البناء على نتائج الإنتصار في الجنوب الغربي من أجل الإنطلاق لمرحلة الحل السياسي، ولا بد من انتظار ما تحمله الأشهر المقبلة من أحداث وتطورات، سواء لجهة المواجهة بين واشنطن وطهران بعد تطبيق نظام العقوبات الجديد أو لجهة طبيعة ونتائج الضغوط التي ستمارسها إسرائيل عسكرياً ضد إيران وضد النظام، مع ترجيح أن تبقى تحت سقف تحولها إلى حرب واسعة في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى لمصلحة إسرائيل، وهو الأمر الذي تدركه جيداً إيران ومعها «حزب الله».

* كاتب لبناني