هل يرفع «المركزي» التركي أسعار الفائدة في وجه أردوغان؟

دبي - حسن يحيى |

من الواضح أن تركيا تمر بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، قد تؤدي في المحصلة إلى رفع أسعار الفائدة على رغم أن الرئيس رجب طيب أردوغان يرفض وبشدة هذه السياسة.


وقد يقوم البنك المركزي بهذه الخطوة، على رغم معارضة أردوغان، في مسعى لتطمين الأسواق من أن الإدارة السياسية الحالية لا تهيمن على السياسة النقدية بشكل كلي، حتى وإن لم يكن هذا الأمر صحيحاً، إضافة إلى محاولة جذب الاستثمارات والعملات الأجنبية بعد رفع المركزي الأميركي أسعار الفائدة.

وشهد الاقتصاد التركي الكثير من الضغوط في الفترة الأخيرة، وتزايدت أخيراً مع الدخول في مرحلة جديدة في السياسة التركية وتحولها إلى النظام الرئاسي بقيادة الرئيس أردوغان.

ومنذ بداية العام، وحتى التاسع من الشهر الجاري، فقدت الليرة نحو 23 في المئة من قيمتها أمام الدولار، ليسجل الدولار الواحد نحو 5.4 ليرات تركية. ولكن الجمعة، كان اليوم الأسوأ لليرة أمام الدولار، لتهبط إلى عتبة 6.5 ليرات.

وعلى رغم هذه الانخفاضات الهائلة، لم يعمد المصرف المركزي التركي إلى رفع أسعار الفائدة في مسعى لاحتواء الانهيار المستمر لليرة، إضافة إلى التضخم الذي يسجل شهراً بعد شهر مستويات قياسية جديدة، علماً أن رفع أسعار الفائدة يعتبر من الأدوات المتعارف عليها اقتصادياً لخفض التضخم ودعم العملة، والتأكيدات الاقتصادية أنها الخطوة الواجب اتخاذها.

هذا التردد الذي يشهده البنك المركزي في عملية رفع أسعار الفائدة، يدعم النظرية القائلة إن أردوغان «أحكم قبضته على السلطة النقدية»، خصوصاً أنه يصف نفسه بأنه العدو اللدود لأسعار الفائدة، معتبراً أن الفائدة المنخفضة تعني تضخماً منخفضاً، وهو ما لم يتمكن من إثباته حتى الساعة.

وتتخوف الأسواق من هيمنة أردوغان على المشهد الاقتصادي، خصوصاً بعدما غادر الحكومة كلّ من نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك ووزير المال ناجي إقبال، اللذان كانا ملتزمين تهدئة الأسواق بانتهاج سياسات اقتصادية تقليدية تتناسب مع موقع تركيا كسوق ناشئة عالية الأخطار.

ونظراً إلى حلول صهر الرئيس التركي بيرات البيرق على رأس وزارة تجمع بين الخزانة والمال، بصلاحيات واسعة، إضافة إلى تردد المركزي التركي في رفع أسعار الفائدة، فإن الأسواق شهدت حالاً من الذعر قد يصعب السيطرة عليها في المستقبل القريب من دون رفع مباشر وحقيقي لأسعار الفائدة، ما من شأنه إذا حدث، أن يوحي أن المركزي التركي لا يزال يحافظ على بعض الاستقلالية أمام ضغوط أردوغان وصهره.

لكن هذا كله كان قبل الجمعة الماضي، ففي ذلك اليوم، سقطت الليرة سقوطاً مدوياً مسجلة أدنى مستوياتها على الإطلاق أمام الدولار، ما دفع وزير المال إلى اتخاذ مجموعة من التدابير «المهدئة» للأسواق، لتستعيد الليرة بعضاً من عافيتها وترتفع إلى مستويات التاسع من الشهر الجاري.

هذه التدابير قد تكون فعالة على المستوى القصير، لكن التقلب الكبير في سعر الليرة يدل بطبيعة الحال على الثقة المتزعزعة بالليرة التركية وبالاقتصاد التركي بطبيعة الحال، خصوصاً بعد دخوله في مواجهة مباشرة مع أميركا أكبر اقتصادات العالم في ملفات عدة منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو سياسي.

ويشكل احتجاز تركيا للقس الأميركي آندرو برونسون، أحد أبرز مشاهد الأزمة بين البلدين، خصوصاً بعدما فشلت الولايات المتحدة في الحصول على تأكيدات بإطلاق سراحه.

وأتت الرسوم الجمركية، لتزيد الطين بلة. فبعد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً على الصلب والألمنيوم تصل إلى 25 في المئة، ردت تركيا بفرض رسوم على واردات أميركية قيمتها 1.8 بليون دولار، ليأتي الرد الأميركي بمضاعفة الرسوم على الألمنيوم والصلب من تركيا إلى 20 و50 في المئة على التوالي، ويهوي بالليرة إلى أكثر من 7 ليرات للدولار الواحد.

هذا القرار ساهم في زيادة مشهد الليرة قتامة، ما دفع أردوغان إلى إعلان «الجهاد الاقتصادي» طالباً من الأتراك تحويل عملاتهم الأجنبية ومقتنياتهم من الذهب إلى العملة المحلية، إضافة إلى مراسلته الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهدف تعزيز العلاقات الروسية– التركية، وتأكيده أن التحضيرات جارية لاستخدام العملة التركية المحلية في العلاقات التجارية مع كلّ من الصين وإيران وروسيا.

ويأتي هذا في وقت أعلن أردوغان قبلها بأيام، رغبته بتنويع الأسواق الاقتصادية المستهدفة، وتوسيعها، خصوصاً مع الصين.

وهذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها أردوغان من الشعب التركي تحويل مقتنياته من الذهب والعملات إلى الليرة في الشهر الجاري، إذ سبق أن طلبه بداية الشهر، عند إعلان برنامج عمل الحكومة.

والحال، أن الاقتصاد التركي، إضافة إلى الضغوط السابقة الذكر، متعطش إلى العملة الأجنبية، خصوصاً أن لدى تركيا ديوناً بالعملات الأجنبية تصل إلى 30 في المئة من حجم اقتصادها.

وهنا تأتي الأموال والعملات الخارجية لتزيد من الأزمة، خصوصاً مع رفع بنك الاحتياط الفيديرالي (المركزي الأميركي) أسعار الفائدة، ونيته زيادتها مرتين خلال العام الحالي، ما يعني أن الاحتفاظ بالأموال والاستثمارات في أميركا أصبح أكثر إغراء، وهو ما يُلزم تركيا رفع أسعار الفائدة أيضاً لزيادة إغراءات الاستثمار فيها.

والحال أن المركزي التركي سيضطر عاجلاً أم آجلاً لرفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب في محاولة لتغيير الصورة التي بدأت تتكون في الأسواق بأن أردوغان بات الحاكم الآمر الناهي في السياسة النقدية في تركيا.