بين الديموقراطية المتخلفة و«عسكريتاريا» الأمر الواقع

محمود حدّاد |

ليست المسألة الأهم في النقاش حول تأليف الحكومة اللبنانية العتيدة هو شكلها وألوانها وحصصها. فهي قبل كل شيء وبعد كل شيء «حكومة ظل» تملك ولا تحكم، تماماً مثل ملكة بريطانيا ومثل الحكومات التي سبقتها في السنوات التي تلت اتفاق الطائف وبعد اتفاق الدوحة. ويعرف القاصي والداني أن السلطة في لبنان محسومة لـ «حكم عسكري» من خارج المؤسسة العسكرية الرسمية يمسك به فريق يملك من مقوماته الذاتية، مادياً وعسكرياً، ومن تحالفاته الإقليمية، سياسياً وعسكرياً، ما يُسبغ عليه صفة «الحزب الحاكم» فعلياً، لا فرق كبيراً ما إذا كانت له حصة رمزية أم حصة وازنة في الحكومة المقبلة. فالحكومة بزينتها ونياشينها وسياراتها الفارهة وصورها اللماعة ومفاسدها شبه العلنية شيء، والحكم بملابسه المرقطة وسياراته الداكنة الزجاج ومفاسده شبه الخفية شيء آخر. يعيش اللبنانيون في الواقع في ظل نظامين لا نظام واحد: نظام الديموقراطية المتخلفة ونظام الانقلاب العسكري الذي يحكم من وراء ستار. وكان المألوف في دول العالم الثالث أن يتأرجح الحكم أو بين ممثلي الديموقراطية المتخلفة المؤلفة من مراكز سياسية واقتصادية ومالية متنافسة أو ممثلي الانقلاب العسكري الذي يأتي بحجة مقاومة فساد الديموقراطية المتخلفة إلى أن يفسد هو نفسه بعد مرور الوقت، فيمهد الطريق لعودة الديموقراطية المتخلفة. وهكذا دواليك... أما في الوضع اللبناني الراهن، وبسبب تعقيدات الخريطة الطائفية، اضطرتنا الظروف إلى القبول بالتعايش بين الديموقراطية المتخلفة والانقلاب العسكري غير الرسمي.


أما التجاذبات الجارية حول توزيع الحصص الوزارية فهي من ضرورات « اللعبة الديموقراطية» التي تحولت، وبامتياز، فعلاً إلى «لعبة» باهتة بلا لون أو رائحة أو طعم منذ نحو عقدين من الزمان حيث تتكرر حكاية «إبريق الزيت» كلما وصلنا إلى استحقاق حكومي أو اضطررنا إلى اتخاذ قرار سيادي.

على الرئيس سعد الحريري أو على أي رئيس وزراء محتمل أن يكون حذراً وحذراً جداً. فالمطلوب منه حمل كل الواجبات وتجريد نفسه، كما فريقه، من كل الحقوق. المطلوب منه حل كل مشاكل لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية من دون أن يكون لديه تفويض بالحصول على الإمكانات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تخوله حل جزء يسير من هذه المشكلات. وبالتالي، فإن الحكومة الجديدة ستتحمل مسؤولية أوضاع لم يكن لها يد في ولادتها ولن يكون لها يد في توفير مقومات حلها، اللهم إلا تلك المبالغ المالية التي تعهدت بها المجموعات الدولية لتخفيف بعض الضغوط الخدماتية على المواطن اللبناني. أضف إلى أنه إذا كان الخارج البعيد يعطي الرئيس المكلف غطاء دولياً، فلأنه يريد الإبقاء على صورة الشرعية الشكلية كي يحافظ على علاقاته الملتبسة بما يجري في الإقليم، وحصر هجرة النازحين إلى شواطئ المتوسط الشمالية. فالمطلوب كثير والإمكان قليل.

أما المواطن اللبناني والجماعات السياسية والاجتماعية التي ينتمي إليها ففي حال ازدواج الشخصية الفردية والجماعية على حد سواء: فهو يريد وهي تريد الشيء وعكسه: يريد وتريد حرية وتحرراً من مؤسسات الدولة واستقلالية كاملة عنها على أساس أن لبنان بلد ديموقراطي ذو نظام اقتصادي حر لا يحق للدولة التدخل في شؤونه، لكنه ولكنها تطالب الدولة عند أية عثرة، بتقديم كل الدعم ومن دون حساب لتغطية أية خسارة عابرة. وصرخة: «أين الدولة؟» أصبحت رمز هذا السلوك. وهو يعتبر وهي تعتبر ذلك حقاً غير منقوص يستدعي النزول إلى الشارع وإرباك المرافق العامة في كل مناسبة من هذا النوع.

والواقع أن تشجيع بعض عناصر النظام اللبناني لهذا النوع من التصرف لزيادة أعداد مناصريه في إدارات الدولة، جعل لبنان دولة بيرقراطية من الطراز الأول حيث تراجع وزن القطاع الخاص النسبي تراجعاً كبيراً وأصبح في الإمكان تسمية لبنان «جمهورية الموظفين الفائضين» بعد أن كان يشار إليه بـ «جمهورية التجار المستوردين». ولنا في أزمة المولدات الكهربائية الخاصة الأخيرة مثال واضح. فالذي تابع المؤتمر الصحافي لأصحاب المولدات واللهجة الفظة للناطقين باسمهم يدرك فوراً من هم أصحاب القرار الفعلي: وزارة الكهرباء أم أصحاب المولدات؟ وقد تأكد الأمر بعدما ردت الوزارة على التهديدات القبيحة لأصحاب المولدات بعدم الالتزام بتعرفة الوزارة، لا بحقها في تسيير دوريات أمنية وفرض ضرائب على قطاع لا يدفع أية ضريبة، بل بنقل المسؤولية من على كتف هذه الفئة الرثة من «القبضايات» (المتحالفة مع فئة سياسية نافذة) إلى كتف المواطن المغلوب على أمره، مناشدة إياه عدم الخضوع لمطالب أصحاب المولدات من دون الوعد بتوفير أية حماية أمنية له!

عملية حسابية بسيطة لرصيد ما يتبقى في الخزينة اللبنانية بعد دفع المصروفات الثابتة، تظهر أن الأموال التي يمكن أن تُصرف على الشؤون الإنمائية ضئيلة جداً ولا تفي لا بالمطالب المتضخمة للسياسيين وأزلامهم ولا بما تحتاجه البلاد لتجديد بنيتها التحتية المتهالكة. أما القطاع الخاص الذي يحثه الرسميون على زيادة استثماراته غير المصرفية وغير العقارية، فيقف حائراً وهو يسأل عن الأمن والأمان اللازمين كي يغامر بأمواله السائلة في البنوك وتحويلها إلى وجهة إنتاجية ما.

لا ضرورة للقلق. ستولد حكومة جديدة، بعد تجذابات كثيرة شهدناها من قبل، وعلى أساس تمثيل الجميع أوتمثيل الغالبية لا فرق، إلا أن هذه الحكومة ستكون معرضة للانكشاف الإقليمي أكثر من الانكشاف المحلي أو الدولي. وستتمحور المهمة الأساس، على ما نعتقد، على كيفية السير بالبلاد بين نقاط الديموقراطية المتخلفة ونقاط الحزب العسكري الحاكم في آن.

* استاذ جامعي لبناني