عمل قريب من الاتقان لتحميل الماضي أخطاء الحاضر

أمل الجمل |

يُميّز تجربة فيلم ”تراب الماس“ بتوقيع مروان حامد - في لقائه الثالث مع المؤلف أحمد مراد بعد ”الفيل الأزرق“ و“الأصليين“ - أمران: كونه مباراة في الأداء التمثيلي المتقن المنتمي إلى مدرسة الانفعال المكتوم، خصوصاً بين الرجال، ومن ثم إخراجه الذي يبتعد من البهرجة والاستعراض، لا سيما بعد الثلث الأول منه والانتهاء من المزج بين اللقطات. أما السيناريو فعليه ملاحظات عديدة.


يبدأ الفيلم من الباب الرئيسي لشقة قديمة يفتحه طه الزهار (آسر ياسين) وينتهي به أيضاً وهو يغلق أحد أبواب هذه الشقة. وما بين فتح الباب الرئيسي وغلق الباب الآخر، يختار صُناع الفيلم تقنية ”الفلاش باك“ للمرور على بعض أهم المحطات التاريخية التي اجتازتها مصر خلال الخمسة والستين عاماً الأخيرة منذ ثورة ١٩٥٢، والتي اختار راوي الفيلم وصفها بـ”الانقلاب العسكري“ ضد الملك الذي نُفي إلى إيطاليا، الى بداية الموقف العدائي من اليهود وفضيحة لافون التي عجلت بطرد اليهود من مصر، ثم هزيمة ١٩٦٧، وموت عبدالناصر الذي لم يشهد انتصار أكتوبر.

الاستسلام للميراث؟!

إلى جانب تصوير الشخص الثوري المنتمي الى ثورة ٢٥ يناير والمدافع عن حقوق الإنسان والحريات في الفيلم علي، أنه مريض نفسي وفاسد جنسياً، هناك أيضاً توقف الراوي - العليم بالأمور في هذا الجزء من الفيلم - عند واقعة استبعاد محمد نجيب من منصبه كرئيس لمصر ووضعه تحت الإقامة الجبرية، في إدانة واضحة وتهم بالفساد للضباط الأحرار، قائلاً: إنهم فعلوا ذلك لأن نجيب كان يريد إرساء البرلمان والحريات ويُعيد الأحزاب إلى الحياة السياسية، ولأنه كان ضد اعتقالات ومحاكمات انتصر لها مَنْ كانوا حوله، يقصد بالطبع ”الضباط الأحرار“. لكن كاتب السيناريو - الذي يقول أيضاً على لسان الراوي العليم أننا ندفع حتى الآن نتيجة هذا الحكم - تجاهل عن عمد الظروف والملابسات التاريخية الداخلية والخارجية التي لعبت دوراً في الموقف ضد محمد نجيب، وبالتالي يجعل المتلقي ينحاز عن جهل الى حكم قسري مجتزأ.

أما السؤال الآخر الذي يطرح نفسه، فهو: لو كان منطق أحمد مراد صحيحاً في ما يخص معاناتنا الحالية والتقييد في الحريات والفساد هو ميراث حكم الضباط الأحرار، وتبعات حكم عبدالناصر، فهل أيضاً نُحمل عبدالناصر مسؤولية اتفاق السلام، وسياسات الانفتاح الكارثية؟ وإذا كان صحيحا أن الحاضر يدفع ثمن الماضي، فكيف نجحت دول أوروبية كثيرة هُدِّمت بالكامل في الحرب العالمية، الأولى والثانية، في الوقوف ثانية وإعادة بناء نفسها؟! لماذا نجحت الدول التي عانت من أقسى وأبشع أنواع الفاشية والديكتاتورية في التخلص ممن تربعوا على عرش السلطة ومقاليد الحكم عندهم؟! وكيف نجحوا في استعادة حرياتهم وبناء مجتمعاتهم؟ هل للأمر علاقة بالاستقلال الحقيقي وعدم الاستسلام للماضي الدموي المظلم؟!

الفلاش باك

يستهل شريط ”تراب الماس“ أحداثه من يوم ٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٨، عندما اكتشف طه مقتل الأب ثم أصيب بغيبوبة على يد الجاني، بعدها يعود المخرج عبر تقنية الفلاش باك قبل ٦٥ عاماً ويسرد عبر التعليق الصوتي، غير المحايد، تلك الأحداث المهمة من تاريخ مصر. لاحقاً وبعد العودة من الفلاش باك الأول، تبدأ قراءة جزء من هذا التاريخ والعودة إليه مرة آخرى، لكن من وجهة نظر الأب عبر المذكرات التي كتبها والتي نسمعها منذ ذلك الحين بصوته هو بصيغة الـ“أنا“، فإذا كان هناك أي تجنٍّ في وجهة النظر التاريخية والأحكام، سيمكن اعتبارها وجهة نظر حسين الزهار ذلك الوالد القاتل اليائس من تطبيق العدالة المنتصر للانتقام الفردي - والعودة الى قانون الغاب - إذ قرر أن يكون القاضي والجلاد فقتل الفاسدين الكبار واحداً تلو الآخر.

إذاً، من المؤكد أن الراوي الذي ظهر في الجزء الأول من الفلاش باك - واستخدم صيغة الـ“نحن“ - لم يكن الأب، وإلا كان هناك خلل في البناء الفني للسيناريو. على ما يبدو، فإنها وجهة نظر مؤلف العمل ومخرجه، أو قرار صناع العمل بتحميل وجهة النظر للجموع، في إطار تقديم عملهم والتمهيد لأبطاله، أو استعادة أصول أبطاله وربطهم بالحاضر، في محاولة لإثبات وجهة نظرهم بأن هذا الحاضر المشوّه الفاسد إنما هو نتاج تلك الحقبة من الحكم في ستينات القرن الماضي، فهل هذا صحيح؟!

بعيداً من وجهة النظر الأحادية، المبتسرة، والمتجنية في شأن أحداث وشخصيات تاريخية شكلت أهم محطات في تاريخ هذا البلد، إذا نظرنا إلى الفيلم باعتباره شريطاً تجارياً ينهض على حبكة بوليسية، فالحقيقة أنه مصنوع بمهارة وحرفية إخراجية عالية في غالبية عناصره الفنية، خصوصاً في خلق جو التوتر والقلق، بزوايا تصوير الممثلين، والقدرة على اختيار مواضع للكاميرا تمنح الممثلين مزيداً من القدرات التعبيرية، في تكوين كوادر سينمائية تقدم الأماكن القاهرية برؤية جديدة لافتة، وتوظيفه الموسيقى التصويرية بتنوعها ودقة أماكنها بالفيلم والانتقالات بينها، وضبطه الإيقاع بسلاسة تُحسب للمخرج قدرته على أن يُقدم عملاً تبدو روح الفريق من وراء إنجازه بما فيه المونتير والمؤلف الموسيقي ومهندس الديكور ومصممة الملابس.

ويأتي أداء الممثلين في مقدمة ما سبق، فإذا كان ماجد الكدواني قد بدا قادراً على أن يُدهش المتلقي بدرجه استيعابه ورسمه ملامح الشخصية الخارجية وتجسيده النفسي دور العقيد الفاسد المطرود من الداخلية، إذ يمزج بين عواطف متناقضة مثل الجدية والقسوة والتعاطف والمكر وخفة الظل والاستمتاع بحياته وشهوة السلطة والانتقام في آن واحد، فإنه - أي الكدواني - يُثبت قدرته مرة أخرى، على تقديم الاختلاف في كل شخصية يمثلها حتى عندما شارك في تمثيل سيناريوات مليئة بالمشاكل، فدائماً لديه خلطة لافتة - على بساطتها وتلقائيتها - تنقذه من هذا الفخ، وهو ما يؤكد أن موهبته في الأداء يمكن وصفها بأنها ”عريضة“ تتسع لارتداء أرواح شخصيات كثيرة. وكذلك أحمد كمال (في شخصية الأب المقعد) الذي رغم قصر دوره، قدم عزفاً رائعاً أثناء أداء شخصيته، خصوصاً في لقطتين منهما لحظة تناوله قطعة الحلوى والانتقال التدريجي المتفاوت في الانفعال، حيث بدت قسمات وجهه صادقة - في شكل مثير للدهشة - أثناء المبارزة الحوارية مع طه الابن، ثم أثناء تصوير لقطة السيلفي ونظرته المليئة بالحنان والأبوة.

مفاجأة ياسين

أما المفاجأة الكبرى في هذا الفيلم فآسر ياسين، الذي لا يمكن الاكتفاء بوصفه بأنه ممثل محترف، موهوب، وذكي، لكنه أيضاً يمتلك إحساساً يُمكّنه من تقدير مساحة الانفعال ومداه، كأنه يقيسه بميزان حساس، من دون أن يشعرنا أنه يبذل جهداً أو مشقة في توصيل هذا الشعور، على رغم أنه يبذل مجهوداً كبيراً بالفعل، وهذا هو الإبداع الحقيقي. فقد نجح ياسين في أن يعايش شخصية ”طه“، أن يدخل إلى عمقها ويفهمها، لذلك أدرك كيف يتصرف، متى يعتمد على عينيه ومتى يوظف ملامح الوجه أو بعض عضلاته فقط، برعشة الشفاه، بحركة ابتلاع الريق، وتحريك الفك السفلي بإيماءة خافتة قد لا تلحظها لكنها تؤثر فيك. لم يكرر ذلك كثيراً، نجح في التنويع، كأنه يبحث عن اللحظة، فقدم إيماءات تشي في كل مرة بمعن لحظة انفعالية معينة ما بين التوتر، والخوف، واليأس، والاستسلام، ومقاومته العجز أمام الشيطان المطرود من السلطة، الى درجة أن آسر ياسين بذلك الأداء الذي يبدو فطرياً، يُقنعنا بالتعاطف معه على رغم تحوّله إلى قاتل محترف بهدوء.

«الماسترسين» الضائع

على العكس من آداء آسر ياسين، جاء أداء منة شلبي عند نقطة التحول - في مشهد الماسترسين - إذ على رغم أدائها المميز لشخصية سارة بالنصف الأول، لم تقدر على تجسيد الضعف الداخلي وانكسارها وهزيمتها بعد الاغتصاب والاعتداء عليها بالضرب من حبيبها. فبعيداً من الحوار الضعيف غير المقنع، خصوصاً في ما يتعلق بفارق السن، نجدها في هذا المشهد كما في لقطتين إضافيتين لاحقاً - عندما هبطت من السيارة أمام بيتها وبدأت في السير، وأثناء الاستحمام بالصابون -، تقدم أداءاً تمثيلياً شكلياً نمطياً يمكن وصفه حتى بالمبتذل، إذ استسلمت لغواية الأداء العالي الانفعال، فلجأت الى العاطفة المتطرفة في البكاء والحزن، والتي فيهما تقول بوضوح أنها تمثل.

بعيداً من كون مشهد الاستحمام والصابون - وما به من كناية - تكرر مراراً في السينما العالمية في أعقاب حوادث مشابهة، المهم أن ”مشيتها“ عقب الاغتصاب تؤكد أنها لم تفهم الشخصية جيداً، ولم تدخل الى أغوارها. فمشكلة سارة - كما يطرحها الفيلم - ليس الاغتصاب لأنها كانت على علاقة حميمة بهذا الرجل لمدة أربع سنوات. صحيح الاغتصاب وقع ضد إرادتها تلك المرة، والاعتداء بالضرب كان قاسياً، لكن المأزق أعمق من ذلك وأبعد، إنه يتعلق بالخديعة، وبأن الشخص الذي أحبته ووثقت فيه وآمنت به - وتتوقع أن يكون أباً لطفلها مستقبلاً - كان «حيواناً قذراً» يصوّر النساء أثناء اللحظات الحميمة معهن، ويبني مكتبة سينمائية من ذلك. أما أسلوب ضم الساقين والبطلة تسير عقب الاغتصاب، فهو أداء تمثيلي يُعبر عن فتاة لم تمر بعلاقات حميمة وتتعرض للاغتصاب للمرة الأولى.

شيرين رضا، أيضاً، على رغم إجادتها شخصيتها، فإنها في مشهد السيارة الذي يجمعها مع ماجد الكدواني وقعت في فخ الأداء الانفعالي ”الكاذب“، لسببين؛ أولهما وجودها في المشهد نفسه مع ممثل يمتلك موهبة أداء غير عادية فكشف بصدقه وتلقائيته العالية ضعف أدائها، والأمر الثاني لأنها كانت محاصرة في السيارة وليست أمامها أدوات تمثيلية سوى عينيها وعضلات الوجه، فاختارت البحلقة بالعيون في شكل مبالغ فيه، من دون أن يسعفها ذكاؤها بتوظيف أي عضلة في وجهها لتجسيد ذلك الذعر نتيجة تهديدها بالقتل في صورة بشعة. كان الأمر يحتاج إلى أداء انفعالي مكتوم، لكن الممثلة فعلت العكس تماماً، ويتحمل المخرج مسؤولية الخطأ معها، فكما قال غروتوفسكي: ”إن وظيفة المخرج الأساسية هي إزاحة المعوقات“. تلك المعوقات بما فيها ما يمنع الممثل من تقديم الجوانب الإيجابية والقوية في أدائه.